تأتي مشاركة سوريا في اجتماعات حلف الناتو وسط مشهد سياسي وأمني شديد التعقيد، يتزامن مع تحولات متسارعة في موقع دمشق الإقليمي وعلاقاتها الدولية، بعد سنوات من العزلة والحرب.
فخلال الأشهر الأخيرة، برزت مؤشرات على انفتاح سياسي متزايد تجاه الحكومة السورية الجديدة، تزامناً مع حراك دبلوماسي مكثف قاده الرئيس السوري أحمد الشرع، شمل لقاءات إقليمية ودولية ركزت على ملفات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار ومستقبل الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.
كما ترافقت هذه التحركات مع تطورات ميدانية وسياسية بارزة، من بينها تقدم مسار التفاهمات مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، واستكمال انسحاب القوات الأميركية من مواقع في شمال شرقي سوريا، بالتوازي مع حديث متزايد عن ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، تبدو أوروبا وحلف الناتو أكثر اهتماماً بإعادة قراءة الدور السوري في ضوء الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمات الطاقة، والهجرة، ومسارات النقل الإقليمي، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن بدائل استراتيجية وخطوط عبور جديدة تربط الخليج وأوروبا.
كما أن التحركات التركية الأخيرة تجاه دمشق، واللقاءات المتكررة بين مسؤولين أتراك وسوريين، عززت التكهنات حول إمكانية بناء صيغ جديدة من التنسيق الأمني والسياسي بين سوريا والدول الغربية، ولو ضمن حدود محسوبة لا تصل إلى مستوى التحالف الكامل.
في المقابل، يثير هذا الانفتاح تساؤلات واسعة حول انعكاساته على العلاقة المعقدة بين دمشق وموسكو، خاصة أن روسيا ما تزال تنظر إلى سوريا باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية في شرق المتوسط، فيما تؤكد دمشق تبني سياسة توازن تسعى إلى تجنب الانخراط في محاور متصارعة، عبر الانفتاح على الغرب دون القطيعة مع الحلفاء التقليديين.
وبين رهانات التقارب مع الناتو ومقتضيات الحفاظ على الشراكة مع روسيا، تبدو سوريا أمام اختبار دبلوماسي جديد قد يعيد رسم تموضعها السياسي في الإقليم والعالم.
تقارب دمشق والناتو
يقول الدكتور مصطفى خالد المحمد، المستشار السياسي المقرّب من الكرملين، لـ”963+”: إن مشاركة الرئيس أحمد الشرع في اجتماع الناتو تحمل أهمية سياسية كبيرة، مشيراً إلى أنها تعكس اعترافاً دولياً متزايداً بالحكومة السورية الجديدة، كما تكشف عن رغبة عدد من الدول في الاندماج والتنسيق مع دمشق اقتصادياً وسياسياً، والعمل على حل العديد من الملفات العالقة.
ويضيف المحمد أن من أبرز هذه الملفات قضية اللاجئين، وملف مكافحة الإرهاب، إلى جانب القضايا الإقليمية التي تؤثر بشكل مباشر على القارة الأوروبية، ولا سيما ملف الطاقة ونقل النفط من الخليج إلى أوروبا. ويرى أن هذه القضايا تمثل أولوية بالنسبة للأوروبيين، لأنها ترتبط بالهجرة والأمن والاستقرار الاقتصادي.
ويلفت إلى أن مشاركة الشرع تسهم في إنهاء حالة العزلة السياسية المفروضة على دمشق، كما تساعد في تثبيت شرعيتها الدولية، معتبراً أن تركيا حاولت خلال الفترة الأخيرة الحدّ من حصول الحكومة السورية على شرعية دولية كاملة عبر موقعها داخل حلف الناتو، بحكم كونها إحدى القوى المؤثرة فيه.
ويشير إلى أن هناك محاولات أيضاً لتغيير النظرة الغربية تجاه دمشق، انطلاقاً من اعتبارها عقدة سياسية مؤثرة في ملفات لا يمكن تجاوزها، مثل مكافحة الإرهاب والهجرة والطاقة، وهو ما يفرض ـ بحسب وصفه ـ تركيبات إقليمية جديدة.
ويتابع المحمد أن حضور الرئيس أحمد الشرع يحمل رسالة استراتيجية إلى دول المنطقة، مفادها أن دمشق أصبحت جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي الجديدة، وأن حضورها السياسي لم يعد قابلاً للتجاوز في الملفات الحساسة.
أما بشأن العلاقة بين سوريا وحلف الناتو، فيرى المحمد أنها قد تأخذ طابع التنسيق الأمني والسياسي، إضافة إلى البعد الاقتصادي الذي يعتبره الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة.
ويوضح أن الجانب الأمني يشكل أولوية بالنسبة للقارة الأوروبية، خصوصاً في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بالإسلام والهجرة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يدفع الدول الأوروبية ـ بحسب تقديره ـ إلى التفكير بإعادة اللاجئين السوريين بشكل أوسع، بالتوازي مع محاولات معالجة الضغوط الاقتصادية وأزمات الطاقة التي تواجه أوروبا.
ويضيف أن الضغوط الأميركية تلعب دوراً مهماً في هذا السياق، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب كان كثير الانتقاد للسياسات الأوروبية، وهو ما دفع الأوروبيين للبحث عن صيغ تعاون جديدة. ويرى أن العلاقة المحتملة بين سوريا ودول الناتو ستكون قائمة على تنسيق اقتصادي وسياسي وشراكة محدودة، مستبعداً أن تصل إلى مستوى شراكة استراتيجية واسعة أو إلى أي حديث عن عضوية سورية في الحلف.
ويعتقد المحمد أن ما يجري حالياً يهدف بصورة أساسية إلى حل بعض التعقيدات السياسية أكثر من كونه تحولاً استراتيجياً شاملاً، موضحاً أنه لا يتوقع وجود تعاون واسع في مجالات الدفاع والتدريب على مستوى الحلف ككل، وإن كان من الممكن وجود تنسيق محدود بين أنقرة ودمشق.
ويشير إلى أن الموقف التركي واضح نسبياً، خاصة في ما يتعلق بالقضية الكردية في سوريا، والتي يعتبرها نقطة أساسية بالنسبة لحزب العدالة والتنمية التركي ومرتبطة بحساباته الانتخابية المقبلة.
موسكو والموازنة السورية
وحول تأثير تقارب سوريا مع الناتو على علاقتها بروسيا، يؤكد المحمد أن موسكو لن تخرج من سوريا أبداً، موضحاً أنها ستسعى إلى المناورة عبر ملفات متعددة تشمل التعاون الإنساني والتدريبي والدفاعي وحتى العسكري. ويعتبر أن روسيا ما تزال لاعباً حساساً في الملف السوري، إلى جانب الصين، وأن دمشق لن تجد بسهولة بديلاً قادراً على منحها الاستقرار السياسي والعسكري.
ويشير إلى أن العلاقة السورية الروسية ما تزال معقدة ومقيّدة إلى حد ما، لافتاً إلى أن تعيين سفير جديد لم يترافق حتى الآن مع تحديث شامل لطبيعة العلاقة بين الجانبين. ويرى أن سوريا تتبع سياسة توازن دقيقة، خشية الوقوع بالكامل تحت النفوذ الأوروبي أو الغربي، بما قد يفرض هيمنة خارجية على القرار السوري.
ويفسر المحمد هذا التوجه بأنه محاولة لبناء سياسة خارجية جديدة تتجنب أخطاء الماضي، وتحافظ في الوقت ذاته على الشراكة الاستراتيجية مع روسيا بوصفها حليفاً تقليدياً، مع الانفتاح التدريجي على الغرب. ويشدد على أن العلاقة مع أوروبا لن تكون استراتيجية بالكامل، بل ستبقى في إطار التعاون المحدود، رغم وجود تضارب مصالح واضح بين الناتو وروسيا.
ويعتقد أن الرئيس أحمد الشرع سيواجه اختباراً حقيقياً في إدارة العلاقة مع موسكو، خصوصاً في ظل سعي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للحفاظ على نفوذه وقواعده العسكرية داخل سوريا. ويشير إلى أن روسيا تعتبر وجودها العسكري في سوريا بالغ الأهمية، خاصة في ظل محاولات الناتو ودوله تطويق النفوذ الروسي من اتجاهات مختلفة، بما فيها مناطق القوقاز مثل أرمينيا وأذربيجان.
ويضيف أن القواعد الروسية في سوريا تمثل بالنسبة لموسكو نقطة استراتيجية متقدمة وقريبة من أوروبا، وهو ما يجعلها متمسكة ببقائها هناك. لذلك، يرى المحمد أن التقارب مع الغرب بالنسبة لدمشق يُعد خياراً اقتصادياً ضرورياً يهدف إلى رفع العقوبات وجذب الاستثمارات ودعم جهود إعادة الإعمار، دون أن يعني بالضرورة القطيعة مع روسيا.
ويستطرد قائلاً إن المسألة ليست خياراً بين دمشق وموسكو أو بين دمشق ولندن، بل إن القيادة السورية تحاول بناء توازن بين روسيا والغرب معاً، وعدم وضع نفسها في محور معادٍ لأي طرف.
ويرى أن الديبلوماسية السورية في المرحلة المقبلة ستكون شاقة ومعقدة، لأنها ستسعى إلى التوفيق بين علاقات دمشق مع واشنطن وموسكو وبكين ولندن ودول الخليج في آن واحد، في ظل محاولات إقليمية ودولية لاستقطاب سوريا نحو محاور مختلفة، خصوصاً المحور الغربي الذي ترى بعض الدول الخليجية أنه قد يحقق مكاسب اقتصادية واستثمارية لدمشق.
من جانبه، يقول حسام نجار، المحلل السياسي المقيم في بولندا، لـ”963+”: إن مشاركة سوريا في اجتماع الناتو تُعد خطوة استراتيجية مهمة قد تؤسس لعلاقات قوية مستقبلاً، كما تعكس الموقع الجيوسياسي لسوريا، الذي تتنافس عليه القوى الكبرى منذ سنوات.
ويشير نجار إلى أن أوروبا أدركت أهمية الموقع السوري بعد الثورة السورية، خصوصاً مع دخول الولايات المتحدة وروسيا إلى الصراع بطرق مختلفة، معتبراً أن التحول الحالي يعكس تغييراً في طريقة الاستفادة من الجغرافيا السورية، لا سيما في ملفات النقل والطاقة والممرات الاستراتيجية.
ويضيف أن التنسيق بين سوريا ودول الناتو قد يتوسع مستقبلاً ليشمل الممرات البرية والترانزيت وحتى الأدوار الأمنية المتقدمة، موضحاً أنه خلال سنوات الثورة السورية كانت أجهزة استخبارات عالمية عديدة تعمل على الأرض السورية، الأمر الذي مكّنها من دراسة المنطقة وإدراك أهمية التخلي عن سوريا بوصفها موقعاً جغرافياً مؤثراً.
ويرى نجار أن وجود روسيا سابقاً شكّل عائقاً أمام انخراط غربي أوسع في سوريا، إلا أن المرحلة الحالية قد تجعل استمالة الجانب السوري أسهل نسبياً. كما يلفت إلى أن تركيا تمتلك مصلحة مباشرة في هذا الملف، خاصة في إطار تنافسها الإقليمي مع إسرائيل، معتبراً أن أي تقارب بين سوريا والناتو قد يحدّ من قدرة إسرائيل على تنفيذ اعتداءات داخل الأراضي السورية.
ويتابع أن هناك تنافساً واضحاً على النفوذ داخل سوريا بين تركيا وإسرائيل، ما يدفع أنقرة إلى محاولة لعب دور أكثر شرعية وتأثيراً بحكم عضويتها في الناتو وقربها الجغرافي من سوريا.
ويعتقد نجار أن الناتو، خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية، يسعى إلى إيجاد بدائل متنوعة سواء في مسارات الطاقة أو المواقع الاستخباراتية والأمنية المتقدمة، مشيراً إلى أن تركيا تمارس ضغوطاً في هذا الاتجاه، بالتوازي مع وجود موافقة أمريكية ضمنية، والهدف ـ بحسب رأيه ـ يتمثل في تقليص النفوذ الروسي تدريجياً.
ويضيف أن روسيا قد لا تتمكن من التدخل بشكل مباشر، لكنها قد تلجأ إلى استخدام أدوات غير مباشرة، مثل بعض الشبكات المحلية أو الجهات المرتبطة بها لإثارة الاضطرابات، إذا شعرت بأن سوريا تُستخدم بصورة واسعة من قبل الناتو.
ويرى نجار أن سوريا قد تصبح أكثر قدرة على المناورة والاستفادة من موقعها الجيوسياسي في مختلف المجالات، مؤكداً أنها ليست في عزلة سياسية كما يُشاع، بل مرشحة للحصول على موقع أكثر أهمية إقليمياً ودولياً. ويعتقد أن نجاح دمشق في استثمار هذا الموقع دون الوقوع في التبعية لأي طرف قد يفتح الباب أمام مرحلة من التطور المتسارع وإعادة الإعمار القائمة على أسس أكثر متانة.
ويشير إلى أن الناتو قد يكون مهتماً بتعزيز التقارب مع سوريا، خاصة بعد التفاهمات المتعلقة بعدم ضم أوكرانيا إلى الحلف، معتبراً أن الحرب الحالية دفعت أوروبا والناتو إلى البحث عن خيارات متعددة وأكثر أمناً في ما يتعلق بالطاقة والممرات الاستراتيجية.
ويختم نجار بالقول إن المنطقة تبدو مقبلة على مرحلة جديدة من التحالفات والتجاذبات والأحلاف، في ظل إعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح الإقليمية والدولية.










