140شخصية اقتصادية إماراتية في الوفد،1.4مليار دولار حجم التبادل التجاري 2025 100 مليار دولار قيمة المشاريع المعلنة، 400 ألف فرصة عمل موعودة، هكذا كانت المعطيات يوم الاثنين الحادي عشر من أيار/ مايو، وفي قاعات فندق إيبلا الشام بريف دمشق، جلس مئة وأربعون رجل أعمال إماراتياً مقابل أكثر من خمسمئة مسؤول وتاجر سوري، كانت الشاشات تعرض أرقاماً تبهر العين: مئة مليار دولار في مشاريع عقارية، وأربعمئة ألف فرصة عمل، وثمانية ملايين سائح خلال خمس سنوات.
وبين ما طرحه طلال الهلالي رئيس هيئة الاستثمار السورية من أن “سوريا لا تبحث فقط عن رؤوس أموال، بل عن شركاء في بناء التاريخ الاقتصادي الجديد.” وما أعلنه حميد بن سالم الأمين العام لاتحاد غرف التجارة الإماراتية أن “الفرص متاحة وواعدة، لكنها تحتاج إلى سرعة في التنفيذ لتحقيق نتائج ملموسة”.
ويقف المواطن خارج القاعة، في أزقة دمشق القديمة والأحياء الشعبية في حلب وحمص وديرالزور، خلف لغة المليارات والشراكات الاستراتيجية، يقف السوري ليتساءل: هل ستنخفض الأسعار؟ هل ستُفتح فرص عمل حقيقية؟ هل ستعود الكهرباء طوال النهار؟ وكأن السوريون العاديون يسألون سؤالاً واحداً بسيطاً: ومتى سنشعر بشيء؟
اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري وجدلية العلاقة بين العقار والإنتاج – 963+
مشهد المنتدى.. الأرقام والوجوه والرسائل
لم يكن المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي الأول مجرد لقاء اقتصادي عادي، فقد جاء بتوجيهات مباشرة من رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وتُرجم ذلك في حضور وزير التجارة الخارجية الإماراتي ثاني بن أحمد الزيودي على رأس وفد وصفه المشاركون بأنه “الأكبر اقتصادياً في تاريخ العلاقات بين البلدين”. على الجانب السوري، حضر الرئيس أحمد الشرع وسبعة وزراء بينهم وزراء المالية والاقتصاد والسياحة والزراعة والاتصالات.
غير أن الوجه الأكثر إثارةً في المنتدى كان محمد العبّار، مؤسس مجموعة “إعمار” العقارية الإماراتية العملاقة، وصف العبّار نفسه وفريقه بأنهم “جسر عبور” بين البلدين، وأعلن بثقة لافتة: “الوقت هو الآن في سوريا، والفرصة قد لا تتكرر”. وقال: “الاستثمار في سوريا هو استثمار في الأصل والتاريخ، سوريا لم تشهد توسعات عمرانية حديثة منذ عقود، وهذا يعني أن الفرصة أمام من يتحرك الآن هائلة”.
وبالفعل، جاءت الأرقام المطروحة صادمة في ضخامتها: مشاريع على الساحل السوري بقيمة تتراوح بين 5 و7 مليارات دولار، وأخرى في دمشق قد تصل إلى 12 ملياراً. وكشف ممثل الصندوق السيادي السوري عن أكثر من 70 مليون متر مربع من الأراضي المخصصة للتطوير في 47 موقعاً، بقيمة تقديرية إجمالية تبلغ نحو 100 مليار دولار. وفي السياق ذاته، أُعلن عن مشاريع سياحية لمجموعة الحبتور بمليار ونصف دولار، ومذكرة تفاهم بين “موانئ دبي العالمية” وميناء طرطوس بثمانمئة مليون دولار، فضلاً عن تعهدات شركة إيجل هيلز بخمسين مليار دولار.
لكن، اختُتم المنتدى من دون التوقيع على أي اتفاقية استثمار أو مذكرة تفاهم ملموسة، وكل ما طُرح جاء في خانة النوايا والدراسات والتعهدات الأولية، الفارق بين اتفاقية ونية قد يساوي مليارات الدولارات ومئات آلاف فرص العمل الموعودة.
فماذا وراء التصريحات الرسمية، وماهي القطاعات التي تم استهدافها بالمشاريع؟ وماذا وُعد، وما هي العقبات الحقيقية، وكيف يمكن أن ينعكس كل ذلك على حياة السوريين اليومية؟
القطاعات بين الوعد والواقع
تناول المنتدى قطاعات متعددة بمستويات متباينة من الجدية والتفصيل، وفي تصريح ل “963+” يقدم الخبير الاقتصادي محمد سعد تحليلاً موضوعياً لكل قطاع، فيرى أن أبرز ما وُعد به في قطاع العقارات هو مشروع دمشق الجديدة (33 مليون م²) + الساحل السوري 5-7 مليار دولار + دمشق 12 مليار دولار. إعمار تريد بناء شركة متخصصة لإدارة الاستثمارات، ولكن السؤال الحقيقي: من يملك هذه الأراضي؟ وما مصير سكانها الحاليين؟ وهل قانون الاستثمار 2025 يضمن حمايتهم؟
ويتابع سعد أن ما وُعد به في قطاع الطاقة كان تعاون في محطات الطاقة الكهربائية والمتجددة وربط الشبكات، فالإماراتيون يرون في سوريا ممراً لطاقة المنطقة، ولكن رجال الأعمال الإماراتيون أنفسهم قالوا: “قطاع الطاقة يحتاج وقتاً ودراسات”، وأبرز تحدٍّ: الديون المتراكمة على القطاع.
أما في قطاع النقل واللوجستيات، فتمت اعادة الحديث عن مذكرة تفاهم بين موانئ دبي وطرطوس بـ 800 مليون $. وربط سوريا بالأسواق الإقليمية والدولية عبر شبكة نقل متكاملة، ولكن مذكرة تفاهم لا تساوي العقد، والتوقيع الفعلي يتطلب ضمانات قانونية وحل إشكاليات السيادة على الميناء وتمويل البنية التحتية.
ويرى سعد أن قطاع الزراعة نال جزءاً كبيراً من الوعود وصلت إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، وتصدير المنتجات السورية للخليج، وفعلياً الإمارات تحتاج أمناً غذائياً وسوريا تملك أرضاً خصبة، ولكن من يستفيد فعلاً: الشركات الكبرى أم المزارع الصغير في ريف حماة أو دير الزور؟ وما آليات حماية المزارعين من الإغراق؟
أما قطاع السياحة فما وُعد به هو تحقيق 8 ملايين سائح خلال 5 سنوات، حيث أن القطاع وحده قادر على رفع مساهمة الاقتصاد السوري بنسبة 15%، من خلال مشاريع فنادق ومنتجعات، إلا أن البنية التحتية للسياحة (مطارات، طرق، خدمات) تحتاج إلى استثمار أولي بالمليارات قبل أن يأتي السائح.
أما ما وُعد به في قطاع الرقمنة فهو إدخال Visa وMasterCard، وتطوير بنية تقنية، ومشغل اتصالات جديد، حيث وعدت الإمارات بنقل تجربتها الرقمية، مع أن شركة سيريتل تحت مظلة الصندوق السيادي، وتغيير إدارة الاتصالات يثير تساؤلات حوكمة جوهرية.
ويطرح سعد سؤالاً بلسان حال المواطن ماذا يعني هذا للسوري في الشارع؟ ليؤكد أن الإجابة على هذا السؤال، تتطلب التفريق بين ثلاثة أُطر زمنية، هي قصير المدى (أسابيع-أشهر) تتضمن دخول Visa/Mastercard قد يسهّل المعاملات التجارية، وفتح قنوات تصدير زراعية محدودة للخليج، وتحسن مناخ الثقة النفسية لدى رجال الأعمال المحليين، ثم فترة متوسط المدى (6-20 شهراً) للبدء في أعمال إنشائية أولى في قطاع العقارات السياحي، وتوظيف آلاف العمال في قطاع البناء، وتحسن ملحوظ في خدمات الاتصالات والرقمنة، أما طويل المدى أكثر من 5 سنوات، فإذا تحققت المشاريع، هذا يعني نقلة نوعية في سوق العمل، وتنشيط السياحة وما يرافقها من خدمات، وتحديث البنية التحتية في النقل والطاقة.
ويختم سعد بأن هناك ثمة سؤال أخلاقي لا يمكن إغفاله: هل ستصل فرص العمل الموعودة إلى المناطق المهمشة كالبوكمال وريف حلب الشرقي والمناطق الحدودية، أم ستتركز في دمشق والساحل؟ فالتاريخ الاقتصادي للمنطقة يشير إلى أن الاستثمارات الكبرى تميل إلى تعزيز التفاوت الجغرافي لا تقليصه، ما لم تكن هناك سياسات إقليمية واضحة ومُلزِمة.
اقرأ أيضاً: كيف نعيد سوريا إلى الأسواق الإقليمية والدولية؟ – 963+
عقبات المشهد الوردي
لا يكتمل أي تحقيق اقتصادي بدون قراءة التحديات الحقيقية، وثمة عقبات بنيوية جوهرية تجعل التحول من الوعود إلى المشاريع أمراً ليس بديهياً كما ترى الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريح ل “963+” فدرس التجربة التركية يعلمنا أن التعهدات لا تعني الاستثمار، ففي عام 2023، أعلنت الإمارات وتركيا عن استثمارات بـ 50.7 مليار دولار خلال زيارة أردوغان لأبوظبي، لكن تقارير اقتصادية لاحقة رصدت بطئاً كبيراً في التنفيذ بسبب تعقيدات التقييم المالي والمتطلبات القانونية، وسوريا تبدأ من نقطة أصعب بكثير من تركيا، فالاقتصاد خرج للتو من حرب مدمرة، ونظام مصرفي شبه منعدم، وغياب شبه تام لآليات التحكيم الدولي.
وتشير الخطيب إلى أن المنتدى كشف عن دور محوري للصندوق السيادي السوري، الذي يسيطر على 70 مليون متر مربع من الأراضي في 47 موقعاً، غير أن التدقيق في تشكيلته يثير تساؤلات: رئيس قطاع التطوير العقاري هو محمد الخياط، الشقيق الأصغر لعائلة تدير تكتلاً اقتصادياً يُقدَّر بسبعة مليارات دولار ومقره قطر. فيما يتولى مدير شركة سيريتل للاتصالات منصباً في الصندوق ذاته، هذا التداخل بين الدولة والمال الخاص يستدعي رقابة برلمانية وشعبية حقيقية لا تزال غائبة.
وفيما يؤكد المسؤولون أن قانون الاستثمار الصادر عام 2025 “يضمن حقوق المستثمرين ويمنع أي شكل من أشكال المصادرة” لكن تحويل نص قانوني إلى واقع تنفيذي يتطلب قضاءً مستقلاً، وجهازاً بيروقراطياً كفؤاً وشفافاً، وآليات فض نزاعات معترفاً بها دولياً، وهي عناصر لا تُبنى في أشهر، وقد أصدرت سوريا أكثر من أربعة آلاف رخصة صناعية ونحو ثمانية عشر ألف ترخيص تجاري منذ التغيير، لكن التحول من الترخيص إلى الإنتاج الفعلي يظل التحدي الأصعب.
أما ما عرضه مؤسس إعمار من توقع ثمانية ملايين سائح بحلول 2030، لكن الواقع يقول إن البنية التحتية للسياحة السورية دُمّر جزء كبير منها، وإن مطارات البلاد بحاجة إلى تحديث جذري، وإن شبكات الطرق في المحافظات الشمالية والشرقية متردية، واستقبال ثمانية ملايين يتطلب طاقة استيعابية ويتطلب استثماراً أولياً في البنية التحتية يسبق قدوم السياح بسنوات.
وتختم الخطيب أن المنتدى السوري الإماراتي الأول حدث مهم في سياقه السياسي والاقتصادي، والوفد الإماراتي بحجمه وتركيبته أرسل رسالة واضحة: الإمارات جادة في العودة إلى سوريا، وأبواب الرأسمال الخليجي انفتحت ولو على مصراع واحد، والتبادل التجاري الذي بلغ 1.4 مليار دولار عام 2025 والأربعون ألف شركة سورية في الإمارات هي أرضية صلبة يمكن البناء عليها.
لكن المشكلة ليست في النوايا، بل في المسافة الشاسعة بين إعلان النية وتشغيل المصنع أو فتح الفندق أو توظيف المهندس. هذه المسافة تعبرها أمم بمؤسسات راسخة وجهاز دولة كفوء، وسوريا لا تزال في طور إعادة بناء الدولة ذاتها، والاختبار الحقيقي للمنتدى لن يكون في تصريحات الأسابيع القادمة، بل في عدد أوراق الاعتماد التي ستتحول إلى عقود مكتوبة خلال ستة أشهر، وفي عدد الرافعات التي ستعلو في أفق دمشق خلال عام، وفي عدد الشباب السوري الذي سيجد وظيفة حقيقية بدلاً من انتظار قارب الهجرة.
وتختم الخطيب بالتأكيد على أن المنتدى السوري الإماراتي فتح باباً حقيقياً، لكنه لم يبنِ جسراً بعد، فالتأثير الفعلي على حياة السوريين مرهون بثلاثة شروط: سرعة التحويل من النوايا إلى عقود ملزمة، وضمان أن تصل الفوائد إلى المناطق المهمشة لا فقط إلى عواصم الاستثمار، وأخيراً وجود رقابة مؤسسية حقيقية على الصناديق السيادية والشراكات الكبرى. في غياب هذه الشروط، تبقى المليارات مجرد أصفار على شاشة عرض.










