في ظل منافسة إقليمية متصاعدة، تواجه سوريا تراجع إنتاجها وصادراتها بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وسعر صرف غير محفّز، والعقوبات وغياب الاتفاقيات التجارية، مع ضعف الاستراتيجية الحكومية. ويقترح خبراء الاقتصاد لإنعاش الصادرات إطلاق استراتيجية وطنية، وإنشاء صندوق دعم وضمان، وإعفاءات ضريبية لثلاث سنوات، وقروضاً ميسّرة بلا فوائد، ضمن مسارات تقوم على الحوافز المالية، والاتفاقيات الدولية، والإصلاح البنيوي.
نماذج ملهمة.. دول نهضت من رماد أزماتها
ليست سوريا أول دولة تواجه تراجعاً حاداً في صادراتها إثر صراعات أو أزمات اقتصادية حادة، فثمة تجارب إقليمية ودولية يمكن الاستلهام منها، كما ترى الباحثة الاقتصادية والاجتماعية مها الأحمد في تصريحات لـ”963+” ففي رواندا والتي انتقلت من رماد الحرب إلى نمو تصدير يبعد إبادة جماعية دمّرت اقتصادها عام 1994، نجحت في رفع حجم صادراتها من 70 مليون دولار إلى 2.99 مليار دولار في عام 2022 وهو أعلى رقم صادرات في السنوات الأخيرة، وكان السر في استراتيجية واضحة تقوم على: تنويع الصادرات من القهوة والشاي إلى الخدمات والتكنولوجيا، وتوفير بيئة أعمال شفافة، والاستثمار في التدريب التقني، ورواندا اليوم تُصدّر خدمات تقنية معلومات بعشرات الملايين من الدولارات، أما فيتنام فقد حدث فيها تحوّل تصديري أذهل العالم.
وتشير الأحمد إلى أن دولاً خرجت من أزمات كبرى، مثل فيتنام، تحولت إلى قوة تصديرية تتجاوز 370 مليار دولار عبر الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وتقديم حوافز ضريبية وجذب العمالة الماهرة، فيما يوضح النموذج الأردني أهمية تحويل الدبلوماسية إلى اتفاقيات تجارية داعمة للصادرات، وتجربة لبنان تؤكد دور الكفاءات والمهجر في دعم الاقتصاد.
وتختم بأن سوريا تملك الموارد والكفاءات لكنها تحتاج قراراً اقتصادياً جريئاً واستراتيجية تصديرية متكاملة تقوم على إصلاحات مالية وتشريعية للعودة إلى السوق العالمية قبل تضييق الفرصة.
صورة الواقع.. الأرقام تتكلم
لا تحتاج أزمة الصادرات السورية إلى كثير من البيان؛ فالأرقام تختصر المشهد بشكل مؤلم، قبل عام 2011، كانت سوريا تُصدّر ما يتجاوز 12 مليار دولار سنوياً من السلع والبضائع المتنوعة، وكانت تحتل مكانة لافتة في تصدير المنسوجات والملابس والمنتجات الغذائية وزيت الزيتون والفوسفات، أما اليوم، فقد تقلّص حجم الصادرات إلى أقل من 10% من مستوياتها السابقة وفق تقديرات متعددة، فيما تُشير بيانات غرف التجارة إلى أن حجم الصادرات السلعية لم يتجاوز مليار دولار في بعض السنوات الأخيرة.
ففي قطاع المنسوجات والملابس كان حجم الصادرات قبل 2011 (2,400 مليون $) أما الوضع الحالي التقديري أقل من 200 مليون، وقد بلغت نسبة التراجع أكثر من 90%، وحال قطاع المنتجات الغذائية وزيت الزيتون ومشتقاته، الفوسفات والمعادن، والصناعات الكيميائية، والصناعات الهندسية، ليس أفضل حالاً.
يقول مسؤول رفيع في غرفة صناعة دمشق ـ فضّل عدم ذكر اسمه ـ في تصريحات لـ”963+” إن المشهد لا يحتمل المجاملة: صادراتنا من البضائع في حالة تراجع مستمر، وهي اليوم غير قادرة على منافسة صادرات دول الجوار، والسبب الجوهري هو غياب أو عدم وجود استراتيجية حكومية مدروسة تُسهم في التشجيع على زيادة الصادرات، وليس هذا الرأي وليد اليوم؛ فمنذ سنوات والمصدّرون السوريون يشكون من فراغ سياساتي واضح في ملف التصدير، ولكن ما تغير اليوم هو أن هذا الفراغ بات يُكلّف الاقتصاد الوطني ثمناً باهظاً في ظل تنامي المنافسة الإقليمية.
لماذا تعجز الصادرات السورية عن المنافسة؟
يُرجع المصدر ضعف تنافسية الصادرات السورية إلى ارتفاع حاد في تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، ما يرفع أسعار السلع ويضعف قدرتها على المنافسة، إضافة إلى كلفة الكهرباء البديلة وسعر صرف تصدير غير محفّز يقلل عائدات المصدّرين، مع غياب دعم مالي مباشر كما في دول أخرى.
كما يشير إلى غياب اتفاقيات تجارية فاعلة تقلل الرسوم الجمركية مقارنة بدول مثل تركيا والأردن ومصر، ويقترح إصلاح آلية الصرف وتوسيع الاتفاقيات البروتوكولية المؤقتة لتحفيز التصدير وفتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات السورية.
لا يمكن فصل ضعف الصادرات عن أزمة الإنتاج المحلي؛ فالأول ما هو إلا انعكاس للثاني، كما يؤكد الخبير الاقتصادي محمد منصور في تصريحات لـ”963+” أن الإنتاج المحلي في أدنى مستوياته حالياً نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وغياب التحفيز الحكومي، وأبرز مؤشرات تراجع القطاع الصناعي السوري، هو تراجع عدد المنشآت الصناعية العاملة في ريف دمشق وحلب بأكثر من 60% مقارنة بما قبل 2011، إضافة إلى هجرة الكفاءات الصناعية والتقنية: يُقدَّر عدد الخبراء الصناعيين الذين غادروا سوريا بعشرات الآلاف، وكذلك توقف كثير من المنشآت جزئياً أو كلياً بسبب نقص الطاقة والمواد الأولية.
كما أن ارتفاع فاتورة الاستيراد السلعي في مقابل تراجع القدرة التصديرية، مما يوسّع العجز التجاري، يضاف لها تدهور البنية التحتية اللازمة للإنتاج من شبكات الكهرباء والطرق والموانئ، وارتفاع معدلات البطالة في القطاع الصناعي إلى مستويات غير مسبوقة، وتتقاطع هذه المؤشرات مع دراسة أعدّها اتحاد غرف الصناعة السورية خلصت إلى أن طاقة المنشآت الصناعية الاستيعابية لم تتجاوز 25-30% من طاقتها التشغيلية الفعلية في مراحل عدة، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم الإنتاج وتكاليفه الوحدوية.
ويضيف: تُظهر المقارنة مع دول الجوار اتساع الفجوة التنافسية، إذ تواصل تركيا ومصر والأردن والعراق تعزيز صادراتها عبر دعم مباشر، اتفاقيات تجارة حرة، إعفاءات جمركية ومناطق صناعية وتمويل ميسر، فيما تتوسع صادراتها الصناعية والدوائية والمنسوجات في الأسواق العالمية.
في المقابل، تفتقر سوريا إلى استراتيجية تصدير واضحة وآليات دعم فعالة، ما يضعها خارج المنافسة الإقليمية، وسط تقدم متسارع للدول المجاورة في الأسواق والتقنيات وشبكات التوزيع.
وصفة الإنقاذ.. ماذا تحتاج سوريا فعلاً؟
يُقدّم الخبير الاقتصادي ومسؤول غرفة الصناعة جملةً من الحلول العملية التي من شأنها ـ لو اعتُمدت ضمن استراتيجية متكاملة ـ أن تُعيد للصادرات السورية بعضاً من حيويتها، ويمكن تصنيف هذه الحلول في ثلاثة مسارات:
المسار الأول: الحوافز المالية والنقدية
رفع سعر صرف دولار التصدير: أي أن يصرف المصرف المركزي حصيلة صادرات التاجر بسعر صرف تفضيلي أعلى من المتداول، مما يُعوّضه عن ارتفاع التكاليف ويُشجّعه على التوسع في التصدير، وإعفاء المنشآت الصناعية من الضرائب والرسوم: ويشمل ذلك رسوم الاستيراد على المدخلات الإنتاجية، والضرائب على الدخل الصناعي، والرسوم البلدية المتنوعة، ومنح قروض بلا فوائد للمنشآت الصناعية: وهو ما يستلزم أن تسعى الحكومة للحصول على تمويل ميسّر من البنك الدولي أو من دول صديقة، إذ لا تملك الحكومة حالياً إمكانات تمويل مباشرة، وتسهيل الوصول إلى الائتمان المصرفي للمُصدِّرين عبر ضمانات حكومية.
أما المسار الثاني، فيتضمن الاتفاقيات والشراكات الدولية، فتوقيع اتفاقيات بروتوكولية مع دول تستعد لاستيعاب البضائع السورية بإلغاء الرسوم الجمركية خلال مدد زمنية متفق عليها — وهو ما يُشبه نموذج اتفاقية الكويز بين الأردن ومصر والولايات المتحدة، وإعادة تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية (أفتا) والمطالبة بتطبيقها بصورة فعلية، والتفاوض مع تركيا وإيران ودول الخليج على شراكات تجارية ترجمةً للتطور الدبلوماسي الجاري، والاستفادة من مبادرة “كل شيء إلا السلاح” الأوروبية وغيرها من الأطر التي تمنح دول النزاعات معاملات تجارية تفضيلية.
وأخيراً المسار الثالث وهو الإصلاح البنيوي والشراكة بين القطاعين، فتوطيد الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إدارة المناطق الصناعية وإصلاح الطاقة، مع الاستفادة من خبرات الكفاءات السورية في الخارج، وإنشاء مراكز متخصصة في الجودة والتوحيد القياسي لمساعدة المنتجين على استيفاء المواصفات الدولية، وتطوير البنية التحتية للتصدير: الموانئ، المنافذ الحدودية، مراكز التخليص الجمركي الرقمي، وإنشاء صندوق تأمين للصادرات يحمي المُصدِّرين من مخاطر عدم الدفع من الأسواق الخارجية.
ماذا يقول الصناعيون؟
أكد صناعيون ومصدّرون من دمشق وحلب وحمص لـ”963+” أن أزمة التصدير في سوريا ليست أرقاماً بل عبئاً يومياً سببه ارتفاع تكاليف الطاقة والضرائب وغياب الدعم والتمويل والضمانات المصرفية، ما أدى لتراجع الإنتاج والتصدير.
وأوضحوا أن جودة المنتجات السورية لا تكفي لمنافسة دول مثل تركيا والمغرب بسبب غياب الاتفاقيات التجارية، مشيرين إلى أن سوريا انتقلت من التصدير إلى عشرات الدول قبل 2011 إلى الاكتفاء المحلي، مع دعوات لتحويل القرارات إلى إجراءات عملية لاستعادة الدور التصديري قبل فوات الفرصة.










