يرى خبراء أن ملف إعادة إعمار سوريا يضع العقار في الواجهة، لكن الإشكالية تكمن في المستفيدين منه، إذ يجري الترويج لمشاريع فاخرة تستهدف رؤوس الأموال الأجنبية والمغتربين، مقابل حاجة البلاد إلى مئات آلاف الوحدات السكنية الشعبية والمتوسطة. ويؤكد اقتصاديون أن سوريا تملك مقومات اقتصاد إنتاجي وكفاءات بشرية كبيرة، لكنها لن تعود دون بيئة صناعية وخدمية حقيقية تستوعبها، في حين يرى آخرون أن الضغط السياسي يدفع نحو مشاريع عقارية سريعة النتائج على حساب إعادة بناء الصناعة التي تحتاج وقتاً أطول، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان العقار سيعيد إنعاش الاقتصاد أم سيكرّس فجوة توزيع الثروة.
الإغراء السهل: لماذا يلجأ الجميع إلى العقار؟
حين يُطرح السؤال: كيف نُحرّك اقتصاد ما بعد الحرب؟ تبدو الإجابة العقارية سهلةً ومغرية بامتياز، فالعقار لا يحتاج إلى تقنية معقدة، ولا إلى عمالة ماهرة بالضرورة، ولا إلى تحول جذري وطويل الأمد في النموذج الاقتصادي، إضافةً إلى ذلك، فهو نشاط يمس قطاعات متعددة دفعةً واحدة: الإسمنت والحديد والكهرباء والنقل وسواها، وفي ظل الحاجة الماسة إلى أرقام نمو تطمئن الرأي العام وتُقنعه أن البلاد تتعافى فعلاً، يبدو العقار المخرجَ السحري.
لكن الأرقام كما يقول – الخبير الاقتصادي سامر الموسى – تكشف في سوريا واقعاً أكثر قسوة وفق تقديرات البنك الدولي، حيث فقد الاقتصاد السوري ما يزيد على 60% من حجمه مقارنةً بما قبل 2011، والقطاع الصناعي الذي كان يُشكّل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي بات في حالة شلل شبه تام، والزراعة التي تُمثّل عصب الأمن الغذائي لملايين السوريين تعاني تدميراً في بنيتها التحتية الريفية وهجرةً حادة في عمالتها، في مثل هذا السياق، تُصبح الطفرة العقارية المصطنعة ضماداً فوق جرح عميق.
ويقول الموسى في تصريح لـ”963+” أن العقار في مجتمعات ما بعد النزاعات يعمل كمخدِّر مؤقت يُسكِّن ألم الانهيار دون أن يعالج أسبابه، والاقتصادات التي تضع العقار في مقدمة أولوياتها بعد الحروب تنمو بسرعة في السنوات الخمس الأولى، ثم تتعثر بحدةٍ في السنوات العشر التالية حين تكتشف أن قاعدتها الإنتاجية لا تزال مجوّفة.
يشير الموسى إلى أن التعامل مع العقار ككتلة واحدة تبسيط مضلل، موضحاً وجود ثلاثة أنماط رئيسية: الإسكان الاجتماعي الذي يعالج حاجة ملايين النازحين، والإسكان المتوسط الذي يدعم الطلب ويعيد دمج الشرائح العاملة، والعقار الترفي الذي يخدم شريحة محدودة من الأثرياء والمضاربين ويُعد الأكثر خطورة لاحتمال تشكل فقاعات. ويؤكد أن الأزمة الأعمق تكمن في التباين بين الاقتصاد الحقيقي القائم على الإنتاج والزراعة والصناعة، واقتصاد الأصول القائم على المضاربات، لافتاً إلى أن تراجع القاعدة الإنتاجية في سوريا بعد الحرب دفع رؤوس الأموال نحو العقار الفاخر بدلاً من إعادة بناء المصانع والزراعة، محذراً من أن التعافي الحقيقي يتطلب استثمارات صامتة وبطيئة في الإنتاج لا في المشاريع الاستعراضية.
تجارب دول ما بعد النزاعات
يستعرض الباحث الاقتصادي نبيل العبود تجربة لبنان (1990-2005) ويرى فيها طفرة عقارية في وسط بيروت، واقتصاد منتج مُجوَّف انتهى بأزمة دين 2019، أما في العراق (2003-2010) فكانت مشاريع فندقية وعقارية في المنطقة الخضراء، وتراجع صناعي وزراعي مستمر.
في حين أعطت تجربة رواندا (بعد 1994) أولوية للزراعة والتقنية والرأسمال البشري، ونمو مستدام تجاوز 7% سنوياً، وأيضاً فيتنام (بعد 1975) حيث تم إصلاح زراعي أولاً، ثم قاعدة صناعية تصديرية، ثم انفتاح عقاري مُنظَّم.
ويحذر العبود في تصريح لـ”٩٦٣+” من أن الخطر الحقيقي في التوجه العقاري المتسارع لا يكمن فقط في توزيع الثروة، بل في تشكيل البنية الاقتصادية ذاتها على المدى البعيد، وحين تُبنى الدولة اقتصادياً على العقار، تتحول إلى اقتصاد ريعي بامتياز: تعتمد على تدفق الرساميل الخارجية لا على الإنتاج الداخلي، وتخلق طبقة من المستفيدين تُقاوم أي إصلاح هيكلي يُهدد مصالحها، وحين تجف هذه الرساميل الخارجية، يجد الاقتصاد نفسه أمام فراغٍ لا يمكن سده بسرعة، لأن القاعدة الصناعية والزراعية لم يجرِ بناؤها في غضون ذلك، وهذا بالضبط ما حدث في لبنان: بُنيَت وسطَ بيروت أحياءٌ فاخرة وفنادق من خمس نجوم، فيما أُهملت الصناعة والزراعة في الجنوب والبقاع، ليصحو اللبنانيون في 2019 على إفلاس مصرفي لم يُبقِ شيئاً لمعظمهم.
يقدم العبود خارطة طريق لشروط التعافي المستدام، من خلال دراسات إعادة الإعمار الأكثر رصانة، التي تدرس تجارب رواندا وفيتنام وكوريا الجنوبية ما بعد الحرب، والتي تجمع على أن التعافي المستدام يمر حتماً عبر ثلاثة محاور متكاملة لا يمكن الاستغناء عن أحدها.
المحور الأول هو إعادة بناء القاعدة الإنتاجية أولاً من خلال دعم الزراعة والصناعة الصغيرة والمتوسطة بضمانات حكومية وإعفاءات ضريبية حقيقية لا شعارية، مع إنشاء مناطق صناعية مؤهَّلة بكهرباء مستقرة وبنية تحتية فعلية، أما المحور الثاني هو استثمار الرأسمال البشري المُهاجر عبر برامج حوافز جادة تُعيد الكفاءات السورية من المهجر، وهذا الرأسمال غير القابل للاستيراد هو الثروة الحقيقية التي لا تُعوَّض، وأخيراً المحور الثالث هو ضبط العقار بحوكمة صارمة، أي ربط أي تراخيص عقارية كبرى بالتزامات تشغيل وطنية مُلزِمة، وفرض ضرائب تصاعدية على مكاسب العقار الترفي يُعاد ضخها في صناديق القاعدة الإنتاجية.
أصوات من الميدان: ماذا يقول السوريون؟
في جولة لـ”963+” على بعض المناطق السورية التي شهدت نشاطاً عقارياً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، يتباين المشهد بحسب من تسأل، فأصحاب الأعمال الصغيرة في الأسواق الشعبية لا يرون أي أثر لهذا النشاط على واقعهم، يقول أبو وسيم، صاحب ورشة نجارة في منطقة ركن الدين: البنايات تتعالى لكن الزبائن قلّوا، الناس تبني للاستثمار مش للسكن، أنا محتاج مشاريع إنتاجية تشغّل الناس وتعطيني عمل حقيقي، مش أبراج ما بتوصلها.
في المقابل، يرى عدد من المقاولين أن النشاط العقاري الحالي يُشكّل ضرورةً لا ترفاً، يقول المهندس فراس، مقاول بناء في دمشق: أنا شغّلت مئة وخمسين عامل خلال سنة، هؤلاء يأكلون ويُعلِّمون أولادهم، لا يمكن أن ننتظر إعادة الصناعة عشر سنوات ونتركهم جائعين.
وهذا الرأي يعكس التوتر الحقيقي بين ضرورات التوظيف الفوري واستراتيجية البناء الاقتصادي بعيد الأمد.
الاقتصاد السوري والخيار الصعب
ترى الباحثة الاقتصادية رولا الأحمد في تصريح لـ”٩٦٣+” أن سوريا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فالطريق الأول مُعبَّد ومضاءٌ بإغراءات العقار السريع: أرقام نمو فورية، ومشاهد بنائية ترضي الرأي العام، وأرباح تجذب الرساميل على المدى القصير. لكنه يُفضي بعد عقد إلى اقتصاد ريعي هش يعيش على استيراد رأس المال لا على إنتاجه، أما الطريق الثاني وعرٌ وطويل: إعادة بناء الزراعة والصناعة والبنية الإنتاجية، استقطاب الكفاءات العائدة، وبناء مؤسسات اقتصادية تحمي المنافسة وتُكافئ الإنتاج لا الريع، لكنه الطريق الوحيد الذي يُنتج في نهايته اقتصاداً قادراً على الصمود حين تتوقف الهبات وتجف الرساميل.
تؤكد الأحمد أن الأفضل اقتصادياً واجتماعياً إعادة بناء القاعدة الإنتاجية أولاً، وهذا صحيح استراتيجياً، لكنه يتجاهل إشكالية الفجوة الزمنية، فإعادة تأهيل المصانع تحتاج كهرباء مستقرة، والكهرباء تحتاج بنية تحتية، وهذه تحتاج تمويلاً وأماناً مؤسسياً، في غضون ذلك، يحتاج السكان العائدون إلى سقف فوق رؤوسهم، إذاً المعادلة ليست بين العقار والإنتاج، بل ينبغي أن تكون: عقار اجتماعي وظيفي في خدمة الإنتاج لاحقاً.
وتشير الأحمد إلى أن القرار الاقتصادي في سوريا يتشكل تحت ضغوط متداخلة من الدائنين الدوليين والمانحين الدافعين نحو نماذج محددة، ومن رأس المال الخليجي الباحث عن فرص استثمارية واسعة، إضافة إلى حاجة الحكومة لتحقيق مؤشرات نمو سريعة، ما يجعل الميل نحو النموذج العقاري الريعي شبه حتمي في ظل غياب إرادة سياسية واضحة وضغط مجتمعي فعّال.
توضح الأحمد أن الخروج من فخ العقار لا يتحقق بالتحذير منه فحسب، بل يتطلب بدائل قابلة للتنفيذ، من أبرزها: مدن صناعية على كامل الجغرافية السورية مدعومة بتشريعات متطورة تواكب الاستثمار الإنتاجي بدلاً من العقاري، وإقامة منصات الترويج وبرامج استثمار الكفاءات السورية المهاجرة لأنها الرأسمال البشري الأثمن، وربط أي منح عقارية لمستثمرين بشروط تشغيل وطنية مُلزمة لتحسين البنية التحتية في منطقة عملها.
ترى الأحمد أن الاقتصاد السوري لا يحتاج إلى رفض العقار بقدر ما يحتاج إلى حوكمة تميّز بين العقار الوظيفي الخدمي والعقار الريعي الذي يحقق أرباحاً لفئة محدودة، مؤكدة أن الإشكال ليس في القطاع نفسه بل في طبيعة القرار الاقتصادي ومن يخدمه، حيث تميل بعض السياسات إلى تحقيق مكاسب سريعة على حساب التنمية طويلة الأمد، ما يجعل جوهر المعضلة بين مصالح آنية لصانعي القرار ومصالح مستقبلية للأجيال القادمة.










