في الدراما، قد ينسى المشاهد اسم مصمم الأزياء، لكنه لا ينسى صورة الشخصية التي ترسخت في ذاكرته. خلف كل عباءة شامية، وبدلة عسكرية، وفستان سهرة يلمع تحت الإضاءة، تقف عين خبيرة تقرأ النص بصمت، وتحوّل الكلمات إلى أقمشة وألوان وتفاصيل نابضة بالحياة. فالأزياء في العمل الدرامي ليست زينة مكمّلة، بل لغة بصرية تروي ما لا يُقال، وتكشف التحولات النفسية والاجتماعية للشخصيات قبل أن تنطق بالحوار.
في هذا العالم المزدحم بالكاميرات وضغط الوقت والسباق الرمضاني، تعمل مصممة الأزياء كجندي مجهول، بين الورشات ومواقع التصوير، وبين رؤية المخرج وتوقعات الممثلين وحدود الميزانية. إنها معادلة دقيقة تجمع الفن بالحرفة، والخيال بالإمكانات المتاحة، والهوية التاريخية أو الاجتماعية بمتطلبات الصورة الحديثة.
من بين هذه الأسماء، تبرز ندى العلي، التي راكمت تجربة واسعة في عشرات الأعمال الدرامية، لتؤكد أن مصمم الأزياء ليس تفصيلاً في فريق العمل، بل ركيزة أساسية في بناء الصورة الدرامية. في هذا الحوار مع “963+”، تتحدث العلي بصراحة عن تحديات المهنة في سوريا، وضغط الإنتاج، وضعف الدعم النقابي، ومستقبل الاختصاص في ظل دخول غير المختصين، كما تفتح الباب أمام حلمها بالوصول إلى مساحة عربية أوسع، حيث يُمنح هذا الدور ما يستحقه من تقدير.
ما أبرز الصعوبات التي تواجهينها كمصممة أزياء في الدراما السورية اليوم؟
العمل في الدراما يختلف جذرياً عن تصميم الأزياء الموسمية أو الكولكشنات العالمية. “أهم تحدٍّ هو ضيق الوقت. في الدراما نحن أمام سباق مستمر مع التصوير. أستلم النص، أبدأ بالرسم والتخطيط، ثم إلى السوق لشراء الأقمشة، وأبحث عن الإكسسوارات، وأشرف على التطريز، وأتابع الخياطين في الورشات. أحياناً نستعين بأكثر من ورشة من أجل الالتزام بمواعيد التصوير، وأكون مضطرة للتواجد بين الورشات ومواقع التصوير في الوقت نفسه”.
هل الميزانيات المخصصة للأزياء كافية فعلاً لتحقيق رؤية فنية متكاملة؟
ليس دائماً. بعض شركات الإنتاج تفتح ميزانية جيدة، وهنا يمكن للمصمم أن يطلق العنان لخياله دون قيود. لكن في حالات أخرى يُطلب منا الاعتماد على مستودعات ملابس قديمة لا تناسب الحقبة الزمنية أو طبيعة العمل الجديد. الملابس عنصر مكلف بطبيعته، وإذا لم تتوافر الميزانية الكافية، ينعكس ذلك على خياراتنا. ومع ذلك نحاول دائماً إيجاد حلول إبداعية ضمن الإمكانات المتاحة”.
إلى أي حد يؤثر ضغط الوقت على جودة التصاميم؟ وهل هناك صعوبة في تأمين الأقمشة داخل سوريا؟
ضغط الوقت لا يمسّ جودة العمل بقدر ما يرهقها شخصياً. “الجودة لا تتراجع، بل تتطور مع كل عمل جديد. الخبرة تتراكم، وكل مسلسل يمنحني أدوات إضافية. أما من ناحية الأقمشة، فلا توجد صعوبة في تأمينها داخل سوريا، لكن الأسعار ارتفعت كثيراً، وهنا نعود إلى موضوع الميزانية. حتى إن واجهت صعوبات، أبحث عن بدائل مناسبة تخدم الشخصية والعمل”.
هل تشعرين أن دور مصمم الأزياء يُقدَّر كما يجب في مواقع التصوير؟ وما أكثر التحديات إرهاقاً؟
مصمم الأزياء أحد أبطال العمل، خصوصاً في الدراما التاريخية أو أعمال البيئة الشامية. دوره لا يقل أهمية عن المخرج أو الممثل أو الإضاءة أو المكياج. هو ركن أساسي في بناء الصورة. أما التحديات، فهي تختلف من عمل لآخر: أحياناً الميزانية، وأحياناً الوقت، خاصة في السباق الرمضاني. أما التدخلات الإنتاجية، فغالباً ما يكون هناك اتفاق بيني وبين المخرج والممثلين، ولا أشعر بوجود تدخل سلبي مباشر”.
لماذا لا يوجد دعم حقيقي لمصممي الأزياء في سوريا؟
المسألة مرتبطة بثقافة عامة. “لا توجد ثقافة أزياء راسخة كما في بعض الدول العربية أو الأوروبية. حتى على المستوى النقابي، لا يوجد بند واضح لمصمم الأزياء، بل تُستخدم مسميات تقلل من قيمة الاختصاص. نحن بحاجة إلى اعتراف رسمي حقيقي بدورنا”.
هل هناك فجوة بين صناعة الألبسة المحلية والدراما؟
لا يوجد فجوة في أعمال المودرن، حيث يتم اختيار الملابس من الماركات والوكالات المحلية بما يناسب الشخصيات. أما في الدراما التاريخية أو البيئة الشامية، فالأمر مختلف: “نحن نصنع كل شيء في الورشة، من قص القماش إلى التطريز، لأن هذه الأزياء غير متوفرة جاهزة”.
ماذا ينقص المصمم السوري ليصل إلى مستوى تنافسي عربياً؟
المصمم السوري يمتلك الكفاءة، والدليل أن الدراما السورية لطالما كانت “حصان طروادة” الرابح، حيث لعبت الملابس دوراً بطولياً في نجاحها.
“ما ينقصنا هو الدعم المادي والمعنوي، وتسليط الضوء إعلامياً على إنجازاتنا”.
كيف ترين مستقبل تصميم الأزياء في الدراما السورية؟
عدد المصممين الاختصاصيين المحترفين قليل، ويُعدّون على أصابع اليد. أخشى على مستقبل المهنة بسبب دخول غير المختصين إليها بطرق لا تعتمد على الخبرة. الفرص يجب أن تُمنح على أساس الكفاءة، لا العلاقات”.
هل المنصات الرقمية فتحت فرصاً جديدة أم زادت المنافسة؟ وما الخطوة الأهم لدعم هذه المهنة؟
المنصات الرقمية فتحت الباب أمام الشباب، لكنها لم تخلق منافسة حقيقية بعد. “هي مساحة جديدة للتجارب، وقد تكون فرصة لاكتشاف مواهب جديدة”.
“تمثيلنا الصحيح نقابياً، ومنح الفرص بناءً على الخبرة والكفاءة. اليوم قد يحصل بعض المصممين الجدد على عدة أعمال في الموسم نفسه بسبب العلاقات، بينما ينتظر أصحاب الخبرة فرصة واحدة”.
هل تفكرين بالعمل خارج سوريا؟ وكيف كانت بدايتك؟
بالتأكيد أحب العمل خارج سوريا، وقد خضت تجارب في المغرب والإمارات وفرنسا والجزائر ولبنان. الإمكانات المتاحة هناك، سواء على مستوى الملابس أو التسويق أو الأجور، أفضل في كثير من الأحيان. أتمنى مزيداً من الفرص الخارجية”.
والدتي كانت مصممة أزياء في الدراما والمسرح السوري، وكانت ترافقني إلى مواقع التصوير منذ الصغر. “هناك بدأ الشغف. درست في فرنسا، وتدربت على أيدي مصممين عالميين، وشاركت في أعمال عدة، حتى وصل رصيدي إلى نحو 150 عملاً”.
ما الفرق بين تصميم الأزياء للمناسبات وتصميمها لمسلسل درامي؟
لكل مجال خصوصيته، لكن في الدراما يتم أولاً تحديد هوية العمل: تاريخي، بيئة شامية، أو مودرن. “بعد ذلك أدخل إلى عوالم الشخصيات وأبني كل شخصية وفق مستواها الاجتماعي والمادي والزمني، بالتشاور مع المخرج”.
عندما تطلعين على نص درامي، كيف تبدأين برسم ملامح الأزياء؟
أحدد طبيعة الشخصية: زعيم حارة، ضابط، مجرم، حرفي… لكل شخصية ألوانها وإكسسواراتها الخاصة، وحتى لون بشرة الممثل يلعب دوراً في اختيار الألوان.
إلى أي حد يمكن للملابس أن تكشف تطور الشخصية؟
الأزياء مرآة التحولات الدرامية. “إذا تطورت الشخصية من الفقر إلى الغنى، ينعكس ذلك مباشرة في خامات الملابس وألوانها. كذلك الأمر في التحولات العمرية”.
هل غيّر زيٌّ معيّن نظرة الجمهور لشخصية ما؟ وهل يشارك الممثلون في اختيار أزيائهم؟
نعم مثلاً شخصية “أبو نجيب” في مسلسل “زمن البرغوث”، حيث أسهمت الملابس الرثة في ترسيخ صورة الشخصية في أذهان الجمهور، إلى جانب أداء الفنان سلوم حداد.
يشارك النجوم أيضا باختيار أزيائهم خصوصاً النجوم الكبار. نتشاور معاً ومع المخرج، لكن القرار النهائي لي كمصممة. غالباً ما تكون ملاحظاتهم دقيقة لأنهم تعمقوا في الشخصية”.
هل أصبحت الدراما أقرب إلى عرض أزياء؟ وهل حدث موقف طريف في موقع التصوير؟
إلى حدٍّ ما، نعم. في الأعمال التي تتناول شخصيات غنية، يظهر الممثل أو الممثلة بأزياء متعددة. أما الشخصيات البسيطة فلا تحتمل هذا الترف.
هناك موقف مضحك مع الفنانة الراحلة مي سكاف أثناء تصوير عمل تاريخي في الأردن، حين ظنت أن خيطاً يتدلى من عمامتها، لتكتشف أنها خصلة من شعرها.
كيف ترين مستقبل تصميم الأزياء في الدراما العربية؟
“الدراما العربية في تطور مستمر، سواء المعربة أو الخليجية أو الشامية. هناك وعي أكبر بالصورة، وهذا ينعكس إيجاباً على الأزياء”.
ما نصيحتك للفتيات الراغبات بدخول المجال؟
“الشغف أولاً، ثم الدراسة الأكاديمية، والعمل الجاد، والصبر. هذه المهنة متعبة لكنها جميلة، وتستحق الإصرار”.
وبهذا تختتم ندى العلي حديثها، مؤكدة أن تصميم الأزياء ليس مجرد اختيار أقمشة وألوان، بل بناء هوية بصرية كاملة للشخصية، وجزء لا يتجزأ من روح العمل الدرامي.










