يقف محمد العساف، وهو راعي أغنام يسكن في ريف الرقة الشرقي، قرب حظيرته الطينية، يتفقد ما تبقى من قطيعه الصغير، قبل سنوات كان يخرج مع أكثر من ثلاثمئة رأس من الأغنام، يملأ صوتها السهول المفتوحة، أما اليوم لا يتبعه سوى بضع عشرات أنهكها الجوع وقلّة العلف.
ويقول الرجل لـ”963+”، وهو يسكب حفنة شعير في المعلف: “كنا نعيش من خيرها. الحليب واللبن كانا يكفينا ويزيدان، أما الآن فكل يوم أخشى أن أبيع رأساً جديداً لأؤمن ثمن العلف”.
ويشير بيده إلى أرضٍ قاحلة قرب قريته حمرة غنام كانت يوماً مرعى أخضر، مضيفاً أن الجفاف وارتفاع الأسعار دفعا كثيراً من جيرانه إلى ترك المهنة أو النزوح.
وقصة محمد العساف ليست استثناءً، بل نموذجاً يتكرر في معظم الأرياف السورية، حيث تواجه الثروة الحيوانية تراجعاً حاداً بفعل الحرب وارتفاع التكاليف وشح المراعي، ما يضع أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد أمام تحديات غير مسبوقة.
اقرأ أيضاً: الصندوق الدولي للتنمية الزراعية يبحث دعم الثروة الحيوانية في سوريا – 963+
تدهور الثروة الحيوانية
شهدت الثروة الحيوانية في سوريا خلال السنوات الماضية تدهوراً حاداً، نتيجة تداخل عوامل الحرب الطويلة مع الأزمات الاقتصادية والمناخية، ما أدى إلى ضرب أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي في البلاد، فبعد أن كان هذا القطاع يشكل مورداً أساسياً لمعيشة مئات آلاف الأسر الريفية، بات اليوم يواجه تحديات وجودية تهدد استمراريته.
وتعود أسباب الانخفاض الكبير في أعداد الثروة الحيوانية إلى مجموعة عوامل متشابكة، في مقدمتها الحرب التي دمرت أجزاء واسعة من البنية التحتية الزراعية والبيطرية، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المربين عن مناطق الرعي التقليدية، كما أسهم تراجع الخدمات الحكومية والرقابة الصحية في انتشار الأمراض بين القطعان، ما زاد من معدلات النفوق.
إلى جانب ذلك، لعبت التغيرات المناخية دوراً إضافياً، حيث شهدت مناطق واسعة موجات جفاف متكررة قلّصت المراعي الطبيعية ورفعت الاعتماد على الأعلاف المصنعة مرتفعة التكلفة، إضافة إلى أن ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف التربية أدى إلى اتجاه بعض المربين لبيع قطعانهم أو تهريبها إلى خارج البلاد، الأمر الذي سرّع من وتيرة التراجع.
ويقول علي الحسين، الذي يعمل وسيطاً في تجارة الأغنام (دلالاً)، إن أسعار الأعلاف أصبحت غير طبيعية وتشكل عبئاً كبيراً على مربي المواشي، موضحاً أن من يملك عشرين رأساً يحتاج كل ثلاثة أيام إلى ما بين 200 و300 دولار لتأمين التبن والنخالة، ما يعني أن المربي يخسر رأساً خلال هذه الفترة لإطعام أغنامه.
ويضيف الحسين في حديث لـ”963+”، أن تربية الأغنام لم تعد مجدية ضمن الحظائر الصغيرة، مشيراً إلى أن “القطيع إذا تم الاهتمام به يعطي إنتاجاً، أما إذا تم التقصير في تغذيته فلن يعطي المنتوج الحقيقي”، وأن النعاج تحتاج إلى تغذية جيدة لتتمكن من الولادة مرتين وإنتاج الحليب، لكن المربي يضطر إلى بيع الحليب بخسارة لا تغطي تكلفة العلف.
ويلفت إلى أن مرض الحمى القلاعية مستمر منذ سنتين أو ثلاث دون إيجاد حل جذري له، معتبراً أن غياب الاهتمام بالثروة الحيوانية وعدم توفير العلاج الكافي فاقما من حجم الخسائر، وقال إن “العلاج غير متوفر بالشكل الكافي، والوضع يتجه نحو الدمار”.
ويوضح الحسين أن سعر الطن من العلف وصل إلى نحو 650 دولاراً، وهو مبلغ مرتفع لا يستطيع المربون تحمله، مضيفاً أن المربين كانوا سابقاً يشترون الأعلاف بأسعار منخفضة بكميات كبيرة، أما اليوم فيضطرون للشراء بأسعار مرتفعة من التجار، ما يزيد الأعباء عليهم.
ويبين أن فتح الطرق والمعابر الحدودية خلال الأشهر الأخيرة لم ينعكس إيجاباً على سوق المواشي كما كان متوقعاً، مؤكداً أن كثيراً من المربين تفاجؤوا باستمرار الركود رغم تحسن حركة النقل، في ظل التزامات مالية متراكمة عليهم.
اقرأ أيضاً: الزراعة في سوريا.. صراع من أجل البقاء والأمن الغذائي – 963+
ثروة في مهب الريح
يقول المستشار الاقتصادي الأول لوزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة قاضي إن الثروة الحيوانية تُعد واحدة من أهم الثروات الوطنية السورية التي تعرضت لكارثة حقيقية خلال السنوات الأربع عشرة الماضية، موضحاً أن أعداد الأغنام كانت تقارب 17 مليون رأس، والماعز نحو 2.5 مليون رأس، فيما كانت أعداد الأبقار تتجاوز المليون رأس.
ويضيف قاضي في حديث لـ”963+”، أن هذه الأرقام انخفضت بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة، مشيراً إلى أن التقديرات تفيد بخسارة نحو سبعة ملايين رأس من الأغنام، ونحو 400 ألف رأس من الأبقار، مؤكداً أن ملكية الحيوانات لدى الأسر الريفية تراجعت تقريباً إلى النصف.
ويشير إلى أن ذلك يعود لعدة أسباب، من بينها الدمار الذي حدث خلال سنوات الحرب، إلى جانب الارتفاع الكبير في كلف الأعلاف، موضحاً أنه خلال سنوات الحرب انقسمت سوريا إلى مناطق نفوذ، الأمر الذي تسبب بضعف كبير وانهيار حقيقي في تداول الثروة الحيوانية بين المناطق.
ويرى قاضي أن قطاع الرعي واجه أيضاً مشكلات كبيرة، لأن الرعي يعتمد أساساً على المراعي الطبيعية، لافتاً إلى أن السنوات الماضية شهدت مواسم جفاف متتالية، رغم تحسن الهطولات المطرية هذا العام، الأمر الذي أدى إلى ضعف شديد في توفر المراعي ودفع المربين إلى شراء الأعلاف الصناعية بأسعار مرتفعة.
ويلفت إلى أن هذه الظروف دفعت كثيراً من المربين إلى بيع ثروتهم الحيوانية، سواء حية أو بعد الذبح، ما فاقم من حجم التراجع في القطاع، لافتاً أيضاً إلى ضعف الخدمات البيطرية نتيجة نقص الموارد البشرية وهجرة الأطباء البيطريين، ما أسهم في زيادة الخسائر.
ويضيف أن التهريب والذبح الاضطراري ساهما كذلك في استنزاف الثروة الحيوانية، فضلاً عن تعرض بعض المداجن ومحطات الأبقار للقصف والتضرر، وهو ما انعكس سلباً حتى على إنتاج الدواجن والحليب.
ويشدد على أن الاهتمام الحقيقي بالزراعة والتصنيع الزراعي في المناطق الزراعية، والاعتماد على السكان العائدين مع توفير دعم مالي وتمويل محلي وعربي ودولي، إلى جانب استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية في دعم الزراعة والثروة الحيوانية وما يتعلق بإنتاج الألبان والأجبان والحليب، يمكن أن يحدث نقلة كبيرة في القطاع.
ويؤكد قاضي أن العوائد الزراعية المحتملة من سوريا قد تفوق ما يمكن جنيه من الثروة النفطية، خاصة إذا جرى تبني سياسات داعمة للأعلاف، وإعادة بناء جهاز الطب البيطري السوري، والعناية الجدية بمراعي البادية وحماية المواقع الرعوية.
الثروة الحيوانية في الحرب
كشف تقرير صدر في أيلول/ سبتمبر عام 2017 عن المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة عن تراجع حاد أصاب قطاع الثروة الحيوانية في سوريا خلال سنوات الحرب، وسط خسائر مالية وبنيوية كبيرة تهدد أحد أهم ركائز الأمن الغذائي في البلاد.
وبحسب الدراسة، كانت الثروة الحيوانية قبل عام 2011 تمثل مكوّناً أساسياً في القطاع الزراعي، إذ أسهم الإنتاج الحيواني بنحو 37 في المئة من قيمة الإنتاج الزراعي، وشكّل مصدر دخل مباشر أو مساعد لشريحة واسعة من المربين والأطباء البيطريين والعاملين في الصناعات الغذائية المرتبطة به.
وأشار التقرير إلى أن أعداد الثروة الحيوانية في سوريا عام 2011 بلغت مستويات مرتفعة نسبياً، حيث قُدّر القطيع بنحو 18 مليون رأس غنم، و2.2 مليون رأس ماعز، و1.1 مليون رأس أبقار، إضافة إلى نحو 25 مليون طير من الدواجن وقرابة 637 ألف خلية نحل.
ولفت المركز إلى أن هذا القطاع كان يمثل “صمام أمان اقتصادي” للأسر الريفية، إذ يوفر اللحوم والحليب والبيض والجلود والأسمدة الطبيعية، فضلاً عن كونه مخزوناً مالياً يمكن تسييله عند الحاجة.
ورغم هذه الأرقام، رصدت الدراسة مؤشرات تراجع سبقت الحرب، أبرزها انخفاض إنتاج الحليب البقري بنحو 25 في المئة بين عامي 2006 و2010، رغم زيادة أعداد الأبقار، ما اعتُبر دلالة مبكرة على خلل في كفاءة الإنتاج، كما أشار التقرير إلى أن قطاع الدواجن كان يعاني هشاشة هيكلية بسبب حساسية التربية وتقلبات الأسعار، في حين بقي قطاع الصيد البحري محدوداً بإنتاج متواضع.
ومع اندلاع الحرب، دخل القطاع الحيواني مرحلة تدهور حاد نتيجة تدمير البنية التحتية البيطرية والزراعية، وصعوبة الوصول إلى المراعي، وارتفاع أسعار الأعلاف واللقاحات، ونزوح المربين وفقدان اليد العاملة، إلى جانب اضطراب النقل والتسويق.
وتُظهر التقديرات التي أوردها المركز أن قطاع الثروة الحيوانية تكبّد خسائر مالية كبيرة ضمن الخسائر الزراعية العامة، إذ قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) خسائر قطاع الماشية بنحو 5.5 مليار دولار بعد ست سنوات من الحرب، وأن إجمالي خسائر القطاع الزراعي السوري بلغ نحو 16 مليار دولار خلال الفترة نفسها، شملت أضراراً في الأصول الإنتاجية وتراجعاً حاداً في الإنتاج.










