يشهد القطاع الزراعي في سوريا واحدة من أكثر مراحله حرجاً منذ عقود، في ظل تراكم آثار سنوات الحرب والدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، إلى جانب الضغوط المتزايدة الناجمة عن التغيرات المناخية وشح الموارد المائية وارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ دفع هذا الواقع المعقّد بالزراعة إلى واجهة القطاعات الأكثر هشاشة، رغم كونها الركيزة الأساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، ولا سيما في الأرياف التي يعتمد سكانها بشكل مباشر على الأرض كمصدر رئيسي للعيش.
وتعرضت مساحات زراعية واسعة منذ اندلاع الحرب للتخريب أو التحول إلى مناطق عسكرية، كما تضررت شبكات الري والسدود والآبار، وتوقفت أو تعطلت مشاريع الاستصلاح الزراعي، إضافة إلى ذلك، أُحرقت محاصيل في مواسم مختلفة، وتعرّضت مستودعات التخزين ومراكز الإرشاد الزراعي للتدمير، ما أدى إلى تراجع كبير في القدرة الإنتاجية للمزارعين.
وتفاقمت الأزمة مع انهيار سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والبذور، ما جعل كلفة الإنتاج تفوق العائد في كثير من المناطق، ودفع مزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو الخروج نهائياً من العملية الزراعية، وأدت صعوبة النقل وانعدام الأسواق المنتظمة إلى كساد المحاصيل في بعض المناطق، في مقابل ارتفاع أسعار الغذاء في مناطق أخرى، ما عمّق الفجوة بين المنتج والمستهلك.
إلى جانب الحرب، يواجه القطاع الزراعي اليوم تحديات بيئية متصاعدة، أبرزها شح المياه وتذبذب معدلات الهطل المطري، حيث سجّلت مناطق واسعة مواسم جفاف متكررة أثرت في إنتاج القمح والخضار والأشجار المثمرة، إضافة إلى تراجع منسوب المياه الجوفية نتيجة الاستنزاف العشوائي للآبار، وغياب الإدارة المستدامة للموارد المائية. وأسهمت التغيرات المناخية في زيادة موجات الحرارة وامتداد فترات الجفاف، ما زاد من معدلات خسارة المحاصيل وتراجع خصوبة التربة.
وتقول لانا بدفان، الباحثة في العلاقات الدولية في مدرسة الاقتصاد العليا في روسيا، إن سنوات الحرب في سوريا أدّت إلى تدهور كبير في القدرة الإنتاجية للمزارعين، وأن إنتاجية المحاصيل الأساسية انخفضت بنسبة تصل إلى 60 في المئة خلال العقد الماضي، نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية الزراعية، بما في ذلك السدود والمزارع ومرافق التخزين.
وتوضح بدفان في حديث لـ”963+”، أن هذا التراجع الحاد لا يقتصر على الأضرار المادية فقط، بل يرتبط أيضاً بهجرة الكفاءات الزراعية ونزوح عدد كبير من أصحاب الخبرات من الريف إلى خارج البلاد أو إلى مناطق أخرى داخل سوريا، ما تسبب في نقص حاد في المهارات الزراعية الحديثة، وأسهم في تراجع فعالية الإنتاج، وضعف القدرة على مواكبة التطورات التقنية في هذا القطاع.
وفي ما يتعلق بالتحديات الراهنة، تؤكد بدفان أن القطاع الزراعي السوري يواجه ضغوطاً متراكمة، أبرزها شح المياه، حيث تراجع مستوى المياه الجوفية بنسبة تصل إلى 30 في المئة خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على المساحات المزروعة وعلى نوعية المحاصيل وإنتاجيتها، إضافة إلى أن التقارير المناخية تشير إلى ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 1.5 درجة مئوية، وهو ما زاد من معدلات الجفاف، ورفع كلفة الري، وأضعف خصوبة التربة.
وتلفت إلى أن انتشار الآفات والأمراض الزراعية بات يمثل تحدياً إضافياً في ظل ضعف القدرة على استخدام المبيدات والأسمدة بصورة فعالة بسبب الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، ما أدى إلى تفاقم الخسائر الزراعية وتراجع مردود المحاصيل.
وحول الخطط والمبادرات المطلوبة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم المزارعين، تشدد بدفان على ضرورة اعتماد استراتيجيات شاملة، تبدأ بإعادة تأهيل نظم الري والاستثمار في تقنيات الري الحديثة التي تساهم في ترشيد استهلاك المياه ورفع كفاءة الإنتاج، كما دعت إلى توفير قروض ميسّرة ودعم حكومي مباشر لتحفيز الاستثمارات الزراعية، وتمكين المزارعين من استعادة نشاطهم.
وتشير إلى أهمية التركيز على التدريب والتطوير من خلال إنشاء برامج تعليمية ودورات متخصصة للمزارعين، لتعريفهم بأفضل الممارسات الزراعية والتقنيات الحديثة، بما يضمن رفع الإنتاجية وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة، مؤكدة أن إنقاذ الزراعة في سوريا لم يعد خياراً اقتصادياً فحسب، بل ضرورة لضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
الزراعة وسنوات الحرب
قال المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة إن القطاع الزراعي في سوريا تعرّض لانهيار غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، نقل البلاد من موقع الدولة المصدّرة للغذاء إلى دولة مهددة بانعدام الأمن الغذائي، نتيجة تراكم السياسات الاقتصادية الخاطئة قبل عام 2011، ثم الدمار الواسع الذي خلّفته الحرب.
وأوضح المركز في دراسة تحليلية مطوّلة نُشرت في 16 أيلول/سبتمبر 2017 بعنوان “الزراعة: سلة الغذاء السورية من التراجع إلى الكارثة”، أن الزراعة والثروة الحيوانية كانتا تمثلان مصدر العمل الرئيس لخُمس المجتمع السوري، ورافداً أساسياً للناتج المحلي، إضافة إلى دورهما الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي، في بلد يقترب من حدود المجاعة ولا تسمح فيه مستويات الدخل باستيراد الغذاء لتغطية حاجاته الأساسية.
وبيّن المركز أن سورية كانت قبل عام 2011 بلداً زراعياً وفق المقاييس الاقتصادية، إذ شكّلت الزراعة عام 2010 نحو 17.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعمل فيها قرابة 800 ألف شخص، أي ما يعادل 15 في المئة من قوة العمل، فيما بلغت الصادرات الزراعية نحو 30 في المئة من إجمالي الصادرات السورية.
ولفت إلى أن الاقتصاد السوري كان قائماً على الريع النفطي والريع السياسي، حيث كانت الولاءات السياسية تتقدم على الإنتاجية، وهو ما انعكس سلباً على دعم القطاعات المنتجة، ولا سيما بعد إقرار اقتصاد السوق الاجتماعي عام 2005، الذي وجّه الاستثمارات نحو القطاعات الخدمية والعقارية والسياحية والمصرفية، بدل دعم الزراعة والصناعة، ما أدى إلى ضغط متزايد على الأراضي الزراعية وتراجع نصيب الفرد منها، وارتفاع البطالة والفقر في الأرياف.
وأوضح المركز أن المساحات القابلة للزراعة في سوريا بلغت عام 2010 نحو 6.045 ملايين هكتار، أي ما يعادل ثلث مساحة البلاد، منها 3.453 ملايين هكتار أراضٍ بعلية، و1.341 مليون هكتار أراضٍ مسقية، ونحو 1.251 مليون هكتار أراضٍ سبات وغير مستثمرة.
ورغم هذا الاتساع، سجّلت المساحات المستثمرة ثباتاً شبه كامل بين عامي 2000 و2010، في مقابل انخفاض حاد في أعداد العاملين في الزراعة، حيث تراجعت نسبتهم من 30 في المئة عام 2002 إلى نحو 6 في المئة عام 2010، ليس بسبب التقدم التكنولوجي، بل نتيجة تهميش القطاع الزراعي وتراجع مردوديته وارتفاع تكاليفه وتفتت الملكيات بفعل قوانين الإرث، إذ بلغ عدد الحيازات حتى عام 2004 نحو 660 ألف حيازة بمتوسط 81 دونماً للحيازة الواحدة.
انحدار قبل الحرب
أشار المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة إلى أن الزراعة السورية كانت تسير نحو الانحدار حتى قبل الحرب، حيث تقلصت اليد العاملة، ولم تتغير المساحات المزروعة، فيما انخفضت إنتاجية المحاصيل بصورة كبيرة، وجرى تحميل الجفاف المسؤولية الكاملة، رغم أن الجزء الأكبر من الأزمة يعود إلى السياسات الاقتصادية ورفع الدعم عن الزراعة وارتفاع أسعار الوقود والبيروقراطية المعقّدة في الحصول على مستلزمات الإنتاج وتسويق المحاصيل.
وأكد المركز أن اتساع رقعة الحرب وتعدد أطراف الصراع منذ عام 2013 أدّيا إلى تدمير البنية التحتية الزراعية، وتحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى ساحات قتال، ومنع تسويق المحاصيل، وإحراق الحقول، ومصادرة الإنتاج، إضافة إلى نقص البذور والأسمدة والأدوية الزراعية وارتفاع أسعار الوقود، ما جعل النشاط الزراعي ضرباً من المغامرة.
وتراجع إنتاج القمح من أربعة ملايين طن قبل الحرب إلى 2.4 مليون طن عام 2013، ثم إلى 1.5 مليون طن في موسم 2015–2016، مع انخفاض المساحات المزروعة من 1.5 مليون هكتار إلى 900 ألف هكتار، لتتحول سوريا من دولة مصدّرة للقمح إلى دولة مستوردة له.
كما تراجع إنتاج القطن إلى نحو 169 ألف طن عام 2013، ثم إلى خمسة آلاف طن فقط عام 2016، بعد أن كان يصل إلى نحو 700 ألف طن قبل الحرب، في حين انهار إنتاج الشوندر السكري من 1.493 مليون طن عام 2010 إلى 20 ألف طن فقط عام 2015.
مستقبل الزراعة
ويقول الدكتور بسام الزعبي، الكاتب والمحلل الاقتصادي الأردني المقيم في عمّان، إن الحرب وما رافقها من عدم استقرار سياسي واقتصادي وأمني أثّرت بشكل مباشر وعميق على القدرة الإنتاجية للمزارعين والشركات الزراعية في مختلف القطاعات، مؤكداً أن هذا التراجع يُعد نتيجة طبيعية لأي بلد تعرّض لصراعات طويلة الأمد.
ويوضح الزعبي في حديث لـ”963+” أن القطاع الزراعي، إلى جانب القطاعات الصناعية الداعمة له، شهد تراجعاً كبيراً في حجم الإنتاج ونوعيته، ما انعكس بشكل واضح على كميات المحاصيل الزراعية وتنوّعها، لافتاً إلى أن غياب المستلزمات الزراعية المناسبة وذات الجودة العالية كان أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع، سواء على مستوى البذور أو المعدات أو المواد الداعمة للإنتاج.
ويبين أن التحديات الحالية التي تواجه القطاع تتمثل بشكل أساسي في نقص المعدات الزراعية، وغياب المبيدات والأسمدة والمنشطات الخاصة بمختلف المنتجات الزراعية، الأمر الذي يضعف القدرة على رفع الإنتاجية ويزيد من الأعباء على المزارعين، ويحدّ من قدرتهم على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية.
ويشير الزعبي إلى ضرورة العمل على تعزيز التشبيك بين المزارعين من جهة، والشركات الاستثمارية المتخصصة في المجال الزراعي من جهة أخرى، سواء كانت شركات سورية أو أجنبية، بهدف خلق شراكات حقيقية تساهم في تطوير أساليب الإنتاج، ونقل الخبرات، وربط المزارعين بالشركات المطوّرة والتقنيات الحديثة لزيادة الإنتاج وتحسين الجودة.
ويرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد نمواً حقيقياً في هذا القطاع، نظراً لكونه من أكثر القطاعات نشاطاً في المنطقة، ولما يمتلكه المزارعون من خبرة متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل، معتبراً أن توفّر الدعم والاستثمار سيجعل المستقبل الزراعي أفضل، ويسهم في تحقيق استقرار اقتصادي وغذائي مستدام.










