تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في المرحلة الراهنة سياقاً متعدد الأبعاد يجمع بين التنافس والتعاون والاستقرار النسبي، بعيداً عن تصورات الصدام الحتمي.
وتشير تقارير رسمية إلى أن الاتصالات بين واشنطن وموسكو تعود إلى مستويات أكثر انتظاماً وعملية في الملفات الخلافية، بما في ذلك محادثات خبراء حول القضايا الجوهرية رغم غموض الإعلان عنها إعلامياً.
وتبين مصادر تحليلية أن العلاقة بين الطرفين عبر التاريخ كانت متقلبة، إذ مزجت فترات من الصراع الأيديولوجي والاستراتيجي في حقبة الحرب الباردة مع فترات من التعاون المحدود في قضايا الأمن النووي ومنع التصعيد.
كما أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة بناء علاقات أكثر توازناً مع روسيا عبر تسويات سياسية مع الأطراف المعنية بالنزاعات الإقليمية، مثل الأزمة الأوكرانية، ما يعكس رغبة في توسيع مساحة المناورة الدبلوماسية وتقليل المخاطر.
اقرأ أيضاً: حسابات واشنطن وطهران: كيف يُعاد رسم المشهد السياسي العراقي؟
لا توتر بل تفاهم ومنافسة
يقول الدكتور محمود الأفندي، أكاديمي ومحلل سياسي مقيم في موسكو، لـ”963+”: إنه لا يوجد أي توتر بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا بأي شكل من الأشكال، بل على العكس تماماً، هناك اتفاق كامل ومتكامل بين الطرفين.
ويضيف أن الحديث عن وجود توتر هو مجرد خيال إعلامي تصنعه بعض وسائل الإعلام لأهداف معينة، معتبراً أن هذا التوتر غير موجود في الواقع. ويؤكد أن هناك توافقاً أميركياً روسياً على معظم الملفات، بل يرى أن الأمور عادت إلى ما يشبه اتفاق يالطا عام 1944، أي إلى العرف الدولي القائم على عدم المساس بالأمن الدولي للدول العظمى.
ويتابع موضحاً أن الاتحاد السوفيتي سابقاً، ثم روسيا لاحقاً، تعرضا لتدخلات من دول أوروبا والولايات المتحدة الأميركية في الأمن القومي الروسي، وهو ما أدى فعلياً إلى حروب متعددة، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، التي كادت أن تتحول إلى حرب عالمية ثالثة لو استمرت الولايات المتحدة في التدخل، بحسب تعبيره.
ويعلل خروج الولايات المتحدة الأميركية من الملف الأوكراني بأنه دليل واضح على وجود تفاهم روسي ـ أميركي بعدم التدخل في الأمن القومي لكل بلد. ويستدل على ذلك بأن روسيا، رغم علاقاتها مع بعض الأطراف، لم تحاول الدفاع عن شخصيات أو حلفاء بعينهم، ولم تطالب حتى سياسياً بالإفراج عنهم، بل اكتفت ببيانات خارجية لا أكثر ولا أقل.
ويؤكد الأفندي، أنه لا يرى أي توتر حقيقي، بل يعتبر أن التوتر المطروح إعلامياً هو “صيد في الماء العكر”. ويعتقد أن ما يجري هو تفاهم أميركي ـ روسي واضح، لكنه يوضح أن هذا التفاهم يقتصر على حدود الأمن القومي، حيث لا تتدخل روسيا في الأمن القومي الأميركي، ولا تتدخل الولايات المتحدة في الأمن القومي الروسي، أي في الدول المحيطة بكل طرف.
ويشير في المقابل إلى وجود منافسة في بقية أجزاء العالم، لكنه يصرّ على تسميتها منافسة لا توتراً. ويضيف: “نحن إذا أردنا أن نكون واقعيين، فقد وصلنا إلى مرحلة انتقالية نحو عالم متعدد الأقطاب، وإلى ما يسمى بمرحلة الأزمة الدائمة”. ويفسر أن هذه الأزمة ستفتح مجالاً للتنافس بين الدول، لكنها لن تصل إلى صراع مباشر بأي شكل من الأشكال.
ويتابع أن الخلافات بين الدول أمر طبيعي ودائم، بما في ذلك الخلافات حول اتفاقيات السلاح النووي. ويعطي مثالاً على ذلك بأن ترامب أراد اتفاقية تناسب الولايات المتحدة أكثر، في حين أرادت روسيا اتفاقية تناسبها هي، لكنه يؤكد أن هذا لا يعني وجود توتر بين الطرفين إطلاقاً.
ويضيف أنه حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم يكن هناك توتر حقيقي، بل كانت روسيا في موقع خاضع نسبياً للولايات المتحدة، أما اليوم فقد أصبحت روسيا تقف في وجه الولايات المتحدة وتنافسها، ولذلك فالعلاقة هي علاقة منافسة لا صراع. ويشير إلى وجود خلافات حول الاتفاقيات وتوزيع النفوذ، لكنها تبقى ضمن إطار المنافسة، ولن تؤدي بأي شكل من الأشكال إلى صراع.
ويرى الأفندي أن اندلاع صراع مباشر أو غير مباشر بين روسيا والولايات المتحدة أصبح أمراً مستحيلاً، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من ملف أوكرانيا. ويعتقد أن روسيا قدمت في المقابل وعوداً بعدم التدخل فيما يسمى بحروب الوكالة، معتبراً أن موسكو وواشنطن أنهتا فعلياً ملف حروب الوكالة التي سادت منذ الحرب الباردة، كما حدث في فيتنام وأفغانستان وأوكرانيا وجورجيا.
ويؤكد أن عصر حروب الوكالة قد انتهى، ولذلك لا يوجد أي نوع من أنواع التوتر أو الصراعات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة بين الطرفين. لكنه يوضح في الوقت نفسه أن الدول المتنافسة تحرص دائماً على بناء قدرات ردع، ويشير هنا إلى السلاح النووي وتطوير الصواريخ الجديدة.
ويتابع أن الولايات المتحدة تعمل على تطوير منظومات دفاعية مثل “القبة الذهبية”، بينما أنتجت روسيا خلال السنوات الماضية صواريخ استراتيجية متطورة، سواء تحت الماء أو فوق الأرض. ويعتبر أن هذا كله يدخل في إطار تأمين كل دولة لنفسها، وليس تمهيداً لحرب.
ويضيف أن وجود ترامب خفّض احتمال الصراع إلى الصفر تقريباً، بينما كان هذا الاحتمال في عهد بايدن يصل إلى 70 أو 80 بالمئة، وكان العالم قريباً جداً من حرب نووية، وفق رأيه. ويشير إلى أن ترامب نفسه قال إنه أوقف الحرب النووية، ويعتبر هذا الكلام صحيحاً.
ويؤكد أن الردع مطلوب في ظل المنافسة وتغيّر الحكومات والسياسات، مستشهداً بوثيقة الأمن الاستراتيجي الأميركية في عهد ترامب، التي أُزيلت منها عبارة اعتبار روسيا عدواً. ويعتبر ذلك تطوراً بالغ الأهمية.
ويختم الأفندي بالقول إن ما يجري اليوم هو إعادة رسم للعرف الدولي وإنتاج قانون دولي جديد، لأن هناك دولاً كثيرة تعبث بالأمن الدولي. ويرى أن ضبط الإيقاع الدولي بات ضرورة، مؤكداً في النهاية أنه لا يوجد أي تصعيد أو تصادم حقيقي بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا.
اقرأ أيضاً: موسكو ودمشق: إعادة تعريف الشراكة في مرحلة معقدة
صراعٌ مستبعد
من جهته، يقول حازم الغبرا، مستشار سابق في وزارة الخارجية الأميركية، مقيم في واشنطن، لـ”963+”: إن روسيا ليست تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، وليست منافساً حقيقياً لها لا اقتصادياً ولا عسكرياً. ويشير إلى أن الاقتصاد الروسي، بحسب تقديره، يأتي في مراتب متأخرة، ربما الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة عالمياً، وهو أقل حتى من الاقتصاد الإيطالي، ما يعني أن روسيا لا تشكل منافساً اقتصادياً للولايات المتحدة.
ويضيف أن القلق الأميركي من روسيا لا ينبع من كونها منافساً، بل من الخوف من أن تتصرف أحياناً كدولة مارقة تفتعل المشاكل وتهدد الأمن والسلم الدوليين. ويعزو هذا القلق إلى تدخلات روسية سابقة، بما في ذلك محاولات التأثير في الداخل الأميركي، ولا سيما في الانتخابات السابقة، عبر حملات إلكترونية لعبت دوراً سلبياً في المجتمع الأميركي.
ويؤكد الغبرا أن الولايات المتحدة تريد من روسيا أن تكون دولة حليفة أو على الأقل دولة مسالمة مع جيرانها، وأن تلعب دوراً إيجابياً أو حيادياً في الاقتصاد العالمي والسلم الدولي. لكنه يرى أن روسيا تحاول توسيع نفوذها بأساليب لا تنجح، بل تؤثر سلباً على المجتمع الدولي وعلى روسيا نفسها.
ويعتبر أن أوكرانيا هي المثال الأبرز على ذلك، كما يشير إلى التجربة الروسية في سوريا، حيث حاولت موسكو الاستثمار هناك، لكنها، بحسب قوله، خسرت أموالاً وجنوداً وعتاداً دون فائدة تُذكر، ولم تكسب سوى عبء سياسي ثقيل يتمثل ببشار الأسد ونظامه.
ويؤكد الغبرا أنه لا توجد أي فكرة عن صدام عسكري أميركي–روسي مباشر، لأن روسيا لا تستطيع مقارعة الولايات المتحدة عسكرياً، ولأن ذلك ليس من مصلحتها. ويستشهد بحوادث احتكاك سابقة، مثل ما جرى مع قوات فاغنر في سوريا، حيث كان الرد الأميركي سريعاً وشاملاً.
ويتابع أن الحرب في أوكرانيا أظهرت أن روسيا دولة مرهقة عسكرياً واقتصادياً، ومع ذلك فإن الولايات المتحدة تحاول اليوم العمل مع روسيا للوصول إلى اتفاق. ويشير إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في الفشل حتى الآن في التوصل إلى اتفاق حول أوكرانيا، رغم تقديم واشنطن حوافز سياسية كبيرة لموسكو.
ويعتقد الغبرا أن الكرة اليوم في الملعب الروسي، لكنه يوضح أن السؤال المطروح ليس ما إذا كان هناك صراع مع روسيا، بل ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق معها يحل أزمة أوكرانيا ويحسّن العلاقات الأميركية–الروسية على المدى المتوسط أو الطويل.
ويشير إلى أن الصراع العسكري المباشر غير مطروح، وأن ما يسمى “الاشتباك” موجود عملياً في أوكرانيا فقط، ولا توجد ساحة أخرى مهيأة لصراع أميركي–روسي. ويضيف أن الملف الإيراني لا يشهد تدخلاً روسياً مباشراً، ما يعزز فكرة حصر التوتر في أوكرانيا.
ويؤكد أن السلاح النووي يمثل جزءاً من المشكلة وجزءاً من الحل في آن واحد، إذ تستخدمه روسيا أحياناً كوسيلة تهديد، لكنه في الوقت نفسه يشكل عنصر ردع يمنع التصعيد الكبير. ويعتقد أن استخدام السلاح النووي غير وارد، مشيراً إلى أنه سلاح ردعي منذ هيروشيما وحتى اليوم.
ويضيف أن الصراع المحتمل يقتصر على مجالات غير مباشرة، مثل الحرب السيبرانية، لكنه يوضح أن الولايات المتحدة تتفوق في هذا المجال، وأن أي تصعيد سيبراني روسي سيواجه برد أميركي قوي.
ويختم الغبرا بالقول إن سيناريو التصعيد العسكري الواسع غير مطروح حالياً، وإن تداعيات حرب أوكرانيا باتت تحت السيطرة نسبياً، بدليل استقرار أسعار الطاقة العالمية، مؤكداً أن احتمالات التصعيد نادرة جداً وغير واردة في المستقبل المنظور.










