حلب
أصدرت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” تقريراً موسعاً وثّقت فيه ما وصفتها بانتهاكات ممنهجة وواسعة النطاق لحقوق السكن والأراضي والممتلكات في منطقة عفرين ذات الغالبية الكردية، شمالي سوريا، منذ انطلاق العملية العسكرية التركية “غصن الزيتون” عام 2018 وسيطرة فصائل من “الجيش الوطني السوري” على المنطقة.
وأوضح التقرير أن نتائجه استندت إلى 39 شهادة تفصيلية، وثّقت انتهاكات طالت ما لا يقل عن 53 منزلاً إلى جانب أراضٍ زراعية وأدوات إنتاج ومعاصر زيتون، مع الإشارة إلى أن هذه الحالات تمثل عينة محدودة من حجم الانتهاكات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وبحسب التقرير، فإن الانتهاكات نُسبت إلى عناصر وقيادات، أو مدنيين على صلة بـ19 فصيلاً منضوياً سابقاً ضمن “الجيش الوطني السوري”، من بينها فصائل “السلطان سليمان شاه/العمشات”، و”السلطان مراد”، و”الحمزات”، و”أحرار الشرقية”، و”أحرار الشام”.
وأشار التقرير إلى أن الانتهاكات استهدفت على نحو خاص ممتلكات الأكراد النازحين، الذين يُقدَّر عددهم بعشرات الآلاف، بعد أن اضطروا إلى مغادرة منازلهم قسراً خلال العملية العسكرية أو في فترات لاحقة، نتيجة ما تعرضوا له من انتهاكات حقوقية.
وشملت هذه الانتهاكات، وفق التوثيق، عمليات نهب بمبالغ وصلت إلى آلاف الدولارات، والاستيلاء على المنازل وتحويل بعضها إلى مقرات عسكرية أو إسكان عائلات مقاتلين أو نازحين مرتبطين بالفصائل، إضافة إلى استثمار محال تجارية وأراضٍ زراعية دون إذن المالكين أو تعويضهم، وقطع أشجار زيتون وتدمير ممتلكات زراعية.
اقرأ أيضاً: أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة
كما وثّق التقرير تعرض عدد من المالكين إلى الاعتقال التعسفي والاحتجاز، وبعضهم إلى التعذيب أو المعاملة المهينة، بهدف دفعهم إلى النزوح أو منعهم من المطالبة بممتلكاتهم.
وذكر أن بعض الضحايا تعرضوا لتهديدات مباشرة بعد تقديم شكاوى إلى جهات محلية، في مؤشر، بحسب التقرير، على ضعف فعالية آليات التظلم وعدم قدرة أجهزة إنفاذ القانون على ضبط الفصائل أو محاسبتها.
ويأتي نشر التقرير بعد نحو سبعة أشهر من سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث اعتبرت المنظمة أن استمرار وجود فصائل “الجيش الوطني” في العديد من قرى عفرين، رغم الإعلان عن حل الجيش واندماجه شكلياً في وزارة دفاع الحكومة السورية الانتقالية، يساهم في استمرار تدهور واقع حقوق الملكية في المنطقة.
وحمّل التقرير الحكومة السورية الانتقالية مسؤولية تأمين عودة طوعية وآمنة وكريمة للنازحين، وضمان آليات فعالة لاستعادة حقوقهم، كما أشار إلى مسؤولية الحكومة التركية بوصفها داعماً ومشرفاً على فصائل “الجيش الوطني”.
وفي قسمه القانوني، اعتبر التقرير أن الانتهاكات الموثقة تشكل خروقات صريحة للتشريعات السورية النافذة، بما فيها الإعلان الدستوري الصادر عام 2025، ولا سيما ما يتعلق بصون الملكية الخاصة ومنع نزعها إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل.
كما خلص إلى أن الأفعال الموثقة قد تشكل جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات السوري، من بينها غصب العقار، والسرقة، وخرق حرمة المساكن، والتهديد، والاعتقال التعسفي والتعذيب.
وعلى الصعيد الدولي، رأى التقرير أن هذه الانتهاكات تمثل خروقات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى في بعض الحالات إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت طابعها الممنهج والواسع النطاق، مشيراً إلى تعارضها مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات جنيف، ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي ختام التقرير، قدمت “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” مجموعة من التوصيات، دعت فيها السلطات السورية الانتقالية إلى الإخلاء الفوري للمنازل المستولى عليها دون شروط، ووقف جميع أشكال الاستيلاء القسري، وتمكين القضاء المدني من النظر في قضايا الملكية، وتوسيع صلاحيات آليات العدالة الانتقالية، وإقرار برامج تعويض شاملة للمتضررين.
كما وجّهت توصيات إلى منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية والداعمين الدوليين، شملت تعزيز التوثيق والدعم القانوني، وربط المساعدات بإحراز تقدم ملموس في حماية حقوق الملكية والسكن، والضغط من أجل ضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
وبيّن التقرير أن أعمال التوثيق جرت بين أيار/مايو 2024 وتموز/يوليو 2025، وشملت مقابلات مع ضحايا من مختلف نواحي عفرين، أُجريت باللغتين العربية والكردية، مع الالتزام بإخفاء هويات المشاركين لأسباب أمنية، والاعتماد كذلك على مصادر مفتوحة ووثائق ملكية ومواد مصورة ذات صلة.










