رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء عملية استبدال الليرة القديمة بالجديدة، تؤكد جولات ميدانية وشهادات مواطنين وتجار وصرافين أن التداول الفعلي للأوراق النقدية الجديدة ما يزال محدوداً جداً، ويكاد يقتصر على كميات رمزية، مع ندرة لافتة لفئة 500 ليرة التي يُفترض أن تكون الأكثر استخداماً في التعاملات اليومية، والعقدة الأساسية تكمن في الفجوة بين ما يقال عن الكميات المطروحة، وما يراه المواطن على طاولة الصراف أو في صراف الآلي أو في راتبه الشهري.
وهذا التناقض يغذي فرضية وجود جهات تقوم بجمع الليرة الجديدة لتحقيق أرباح غير مشروعة، سواء عبر التهريب أو المضاربة أو غسل الأموال، ووفق أبسط معايير الحوكمة النقدية، فإن غياب الشفافية في إدارة العملة يُعد إخلالاً بواجب الإفصاح العام، ويقوّض الثقة بالسياسة النقدية في مرحلة شديدة الحساسية، وبقاء الليرة القديمة “سيدة الموقف” في الأسواق بعد قرابة شهر من عملية الاستبدال يضع الجهات الرقابية والمصرف المركزي أمام سؤالاً جوهرياً: هل تسير عملية الاستبدال بالوتيرة التي أعلنها مصرف سوريا المركزي؟ إضافة إلى أسئلة مفتوحة بانتظار إجابات: كم مليار ليرة جديدة طُرحت فعلياً للتداول؟ وأين تتركز حالياً؟ ومن يراقب مسارها من المطبعة إلى يد المواطن؟ ولماذا لا يشعر بها السوق رغم الإعلان عن توفرها؟
حسابات بسيطة ونتائج مقلقة
إذا استمر ضخ الليرة الجديدة بهذه الوتيرة البطيئة، فإن استبدال كامل الكتلة النقدية القديمة قد يستغرق سنوات طويلة، وهو ما يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي تحدث عن “طرح مليارات الليرات” في السوق، وهنا تظهر المفارقة: إذا كانت المليارات قد طُرحت فعلاً. فأين هي؟
يرى الخبير المصرفي والمالي الدكتور أحمد جلال الدين في تصريحات لـ”963+” أن هناك ثلاث فرضيات لغياب الليرة الجديدة في ظل غياب بيانات شفافة حول الكميات المطروحة فعلياً وآلية توزيعها، فأما تجميع الليرة الجديدة لتحقيق أرباح، حيث تقوم جهات نافذة بتجميع الليرة الجديدة وعدم ضخها في السوق، بهدف: تهريبها إلى الخارج (خاصة إلى دول الجوار)، وتسليمها لشبكات صرافة غير رسمية، واستخدامها في المضاربة على سعر الصرف أو استبدال الليرة القديمة الموجودة خارج البلاد مقابل عمولات مرتفعة.
والاحتمال الثاني، بحسب جلال الدين هو أن تكون بوابة لغسل أموال الفساد، وهي فرضية أكثر خطورة تشير إلى احتمال استخدام عملية الاستبدال كغطاء لـتحويل أموال غير معلنة، أو استبدال كتل نقدية ناتجة عن فساد أو سرقة إلى أوراق جديدة “نظيفة” دون المرور بقنوات تدقيق فعالة، وأخيراً أن يكون هناك خلل أو تواطؤ في مراكز الاستبدال، وهنا ينقسم الاحتمال إلى مسارين لا ثالث لهما: إما أن مراكز الاستبدال لا تصلها الكميات الكافية أصلاً، ما يعني أن الخلل يقع عند مستوى توزيع الليرة الجديدة، أو أن المراكز تحصل على الكميات لكنها لا تضخها، ما يفتح الباب أمام اتهامات بتهريب مباشر مقابل عمولات.
ويؤكد جلال الدين وجود حلّ كان يمكن أن يغيّر المشهد كله ويحقق انتشار الليرة الجديدة بسرعة لو تم صرف الرواتب والأجور حصراً بالليرة الجديدة، وإلزام مكاتب الحوالات الداخلية باستخدام الفئات الجديدة فقط، وتحويل الأرصدة المصرفية النقدية إلى أوراق جديدة تدريجياً؛ لكن شيئاً من ذلك لم يحدث حتى الآن.
غياب في السوق رغم إعلان “المليارات”
مضى قرابة الشهر على إطلاق الليرة الجديدة، ولا يزال السوريون يتداولون أوراقاً مهترئة من الفئات القديمة، بينما تحولت “الليرة الجديدة” إلى حلم بعيد المنال، وتكشف متابعة ميدانية لـ”963+” لأسواق عدة محافظات أن التداول الفعلي للأوراق النقدية الجديدة ما يزال هامشياً، يقتصر على كميات محدودة لا تتناسب مع حجم النشاط الاقتصادي اليومي، والجولة الميدانية لم تكتفِ برصد غياب العملة، بل رصدت حالة من الاحتقان الشعبي تجاه آلية التوزيع.
وفي أحد أسواق العاصمة دمشق، يقول محمد (صاحب محل بقالة) لـ”963+”: “منذ بدء الاستبدال، لم تدخل محلي سوى ورقة واحدة من فئة الـ 500 الجديدة، التقطتُ لها صورة بهاتفي وكأنني عثرت على كنز! الزبائن يسألون عنها لسهولة التعامل بها، لكننا مجبرون على تداول الرزم القديمة التي لا يقبلها أحد بسبب تلفها”.
أما سارة العلي (موظفة حكومية في حلب)، فتعبر عن إحباطها قائلة لـ”963+”: “انتظرتُ راتبي بفارغ الصبر لعلني أحصل على الفئات الجديدة، لكن المحاسب منحني أوراقاً قديمة وبعضها ملصق بالأشرطة، كيف يقولون إنهم طرحوا المليارات؟ أين تذهب هذه المليارات إذا لم تصل إلى رواتبنا؟”
خالد سليم (محامي من اللاذقية) يقول لـ”963+”: “فعلياً، لا يظهر من الليرة الجديدة في التعاملات اليومية إلا كميات قليلة جداً، مع ندرة لافتة لفئة 500 ليرة التي يُفترض أنها العمود الفقري للتداول النقدي اليومي، وهذا الواقع يتناقض مع التصريحات الرسمية التي تتحدث عن طرح مليارات من الليرات الجديدة في إطار عملية الاستبدال، ما يفتح باب الشك حول مصير هذه الكتل النقدية، أين تذهب إذا كانت لا تصل إلى أيدي المواطنين؟ فإذا كانت الكميات المطروحة كافية، وإذا كانت عملية الاستبدال تسير بشكل طبيعي فمن المفترض أن تكون الليرة الجديدة حاضرة بقوة في الأسواق، الأجور، الحوالات، والنشاط التجاري اليومي، لكن الواقع يقول العكس”.
غياب الشفافية المشكلة الأكبر
الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب تؤكد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أنه لا يمكن لعملية استبدال نقدي بهذا الحجم أن تسير بهذه الطريقة، وحين لا تظهر الليرة الجديدة بعد أسابيع من بدء التداول، فالمشكلة لم تعد تقنية، بل مسؤولية واضحة يجب تحديدها، فبعد قرابة شهر على انطلاق استبدال الليرة القديمة بالجديدة، ما يزال المواطن والتاجر يتعاملان عملياً بالعملة القديمة، فيما تبقى الفئات الجديدة، وخاصة فئة 500 ليرة، نادرة، وهذا الواقع لا ينسجم مع أي رواية رسمية عن “طرح مليارات الليرات” في السوق، وأن غياب الشفافية بحد ذاته يغذي الشائعات، ويقوض الثقة بالعملة الوطنية، في مرحلة تُعد فيها الثقة أهم من أي إجراء نقدي شكلي، فالمركزي هو الجهة الوحيدة التي تطبع وتوزع وتراقب النقد وبالتالي، فإن غياب الليرة الجديدة من السوق قد يكون فشل في الإدارة النقدية، أو امتناع عن الإفصاح، أو كلاهما، ولا يمكن للمركزي أن يكتفي بالقول إن “العملية مستمرة” دون أن يوضح: كم طُرح فعلياً؟ وأين وُزع؟ ولماذا لم يصل إلى يد المواطن بالشكل المطلوب؟
وتشير الخطيب إلى أنه في السياسات النقدية، عدم الشفافية ليس حياداً بل خطأ فادح، ولمصلحة من إبقاء الليرة الجديدة خارج التداول، فالمواطن هو الخاسر، وأخطر ما في هذا المشهد أن يتحول الاستبدال النقدي من أداة إصلاح إلى قناة للمضاربة أو وسيلة لتهريب العملة أو غطاء لإدخال أموال غير معلنة إلى النظام المالي، وهنا لا يعود الحديث عن أزمة سيولة فقط، بل عن تهديد مباشر للثقة بالعملة الوطنية.
وتختم الخطيب بأن استمرار هذا النسق البطيء في الاستبدال يعني عملياً أن استبدال كامل الكتلة النقدية القديمة قد يحتاج لسنوات، وهو ما يفقد خطة الإصلاح النقدي هدفها الأساسي في ضبط السوق وإعادة الثقة بالعملة، ويُبقي الاقتصاد في حالة “نصف إصلاح” تزيد من اضطراب الأسعار وسلوكيات المضاربة، فالليرة الجديدة لا تختفي وحدها، إما أن هناك قراراً بحبسها، أو فشلاً في إدارتها، أو تقاعساً عن كشف الحقيقة، وفي كل الاحتمالات المسؤولية لا تقع على السوق بل على من يدير النقد باسم الدولة.










