رغم تأكيد الحكومة الانتقالية على استعادتها السيطرة على الساحل بعد اشتباكات مارس/آذار 2025 ونجاحها في ضبط مخازن السلاح واعتقال مسلحين، ساهمت التصريحات الرسمية وحملات التغطية الإعلامية غير المباشرة في تصوير المنطقة على أنها “وطن لفلول نظام الأسد”، ما عزّز الانطباع العام بوجود تهديد شامل، في حين تظهر المعطيات أن مجموعات النظام السابق ما تزال محدودة التأثير، وتهديداتها متفرقة وغير منظمة، مستفيدة من الانقسامات الطائفية والفراغات الأمنية، وأن المخاطر الحقيقية تكمن في استغلال هذه الأحداث إعلامياً وسياسياً، بينما يبقى المجتمع العلوي متأثراً بالمخاوف والانقسامات الداخلية، ويبرز الحاجة إلى التوازن بين الإجراءات الأمنية ومسار المصالحة لضمان استقرار مستدام دون تضخيم الخطر.
اقرأ أيضاً: الإدارة الذاتية تدين العنف ضد المتظاهرين في الساحل السوري – 963+
سيطرة معلنة وهشاشة ميدانية
يقول الخبير في الشأن الأمني مجاهد الصميدعي، لـ”963+” إن “الوضع الأمني في الساحل السوري لا يمكن وصفه بالمنهار، إلا أنه لا يزال هشّاً وقابلاً للتأثر”، مشيراً إلى أن “العمليات التي نفذتها الحكومة الانتقالية خلال مارس/آذار 2025 أسهمت في تفكيك بُنى أمنية قديمة وضبط عدد من مخازن السلاح”.
ويضيف أن “استمرار حالة عدم الثقة المتبادلة، إلى جانب غياب استقرار سياسي كامل، يُبقي المنطقة في حالة توتر منخفض الحدة، رغم تراجع مستوى التهديدات المنظمة”.
ومن زاوية عسكرية، يقول العميد الركن المتقاعد جلال العبادي، الخبير العسكري الاستراتيجي من الأردن، لـ”963+” إن “بقاء بعض فلول أي نظام بائد يُعدّ أمراً طبيعياً في أعقاب سقوطه أو هزيمته”، موضحاً أن هذه الفلول “تتكوّن عادة من شبكات منتفعين ومتضررين من التغيير، وتنتشر في مناطق مختلفة داخل سوريا وخارجها، بما في ذلك الساحل السوري”.
ويشير العبادي إلى أن هذه التحركات “قد تظهر من حين لآخر بدعم محدود من جهات كانت مستفيدة من النظام السابق، بهدف إثارة الإرباك وجذب الانتباه”، معتبراُ أن تأثيرها يبقى محدوداً.
حوادث دموية بلا قيادة موحدة
شهد الساحل السوري في مارس/آذار 2025 اشتباكات وُصفت بالأعنف منذ سقوط نظام الأسد، وأسفرت عن مقتل مئات المدنيين والعسكريين، وسط اتهامات متبادلة بارتكاب إعدامات طائفية. ورغم إعلان الحكومة استعادة السيطرة بحلول 10 مارس، استمرت حوادث أمنية متفرقة، من بينها هجمات طالت أحياء علوية في اللاذقية، ما دفع السلطات إلى فرض حظر تجول لاحقاً.
وفي توصيفه لطبيعة هذه الأحداث، يقول الصميدعي إن “الحوادث الأمنية الأخيرة، بما فيها الهجمات التي طالت بعض الأحياء العلوية، تعكس تهديدات متفرقة وغير منظمة، ولا تشكل دليلاً على وجود شبكة مركزية أو قيادة موحدة لفلول النظام السابق”.
ويوضح أن “معظم هذه الأعمال ذات طابع فردي أو انتقامي”، مضيفاً أنها “يتم توظيفها إعلامياً لتضخيم فكرة وجود ما يُعرف بـوطن الفلول، دون مؤشرات فعلية على تمرد واسع النطاق”.
بدوره، يقول العبادي إن “الاشتباكات التي شهدتها بعض المناطق في مارس/آذار 2025 جرى احتواؤها”، مشدداً على “ضرورة محاصرة البؤر الساخنة التي تتمركز فيها هذه المجموعات، ومنعها من التواصل مع مناطق أخرى، عبر تشديد الرقابة وبسط السيطرة الأمنية في مختلف المناطق السورية، شمالاً وجنوباً ووسطاً وساحلاً”.
اقرأ أيضاً: مظاهرات في الساحل السوري تطالب باللامركزية وإطلاق سراح المعتقلين – 963+
بين التسريبات الأمنية وتقديرات التأثير
في مقابل توصيف التهديد على أنه غير منظم، يقول الكاتب والباحث السياسي عمران زهوي لـ”963+” إن “تورط ضباط كبار من نظام الأسد المخلوع في محاولات لزعزعة الاستقرار والسيطرة على الساحل السوري” يمثل عامل قلق حقيقي في المرحلة الانتقالية
ويشير زهوي إلى “تسريبات ووثائق تتحدث عن وجود نحو 168 ألف مقاتل من فلول النظام، موزعين على قطاعات في حمص وحماة ودمشق والساحل”، مع “خرائط انتشار وتسليح متنوع يشمل أسلحة خفيفة ومتوسطة وصواريخ مضادة للدروع ومدفعية”.
ويضيف أن هذه التسريبات كشفت عن “خلافات مالية وتنظيمية بين رامي مخلوف، ابن خال الأسد، واللواء سهيل الحسن، القائد السابق لقوات النخبة”، على خلفية “اتهامات بتضخيم أعداد المقاتلين بهدف الحصول على تمويل أكبر”، إلى جانب “هيكل قيادي تتصدره أسماء معروفة، وقيادات من الصف الثاني تتولى الملفات المالية والعسكرية والتنسيق بين المجموعات”.
في المقابل، يستبعد العبادي “وجود دعم فعلي في المرحلة الراهنة من أطراف إقليمية كإيران أو حزب الله”، موضحاً أن انشغال هذه الجهات بملفاتها الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية “يحدّ من قدرتها على تقديم أي إسناد مؤثر”.
وأضاف أن السلطات السورية الانتقالية “تعمل على محاصرة هذه المجموعات وقطع خطوط إمدادها”، متوقعاً أن “تتلاشى تدريجياً خلال المستقبل القريب، في سياق طبيعي يشهده أي نظام بائد يفقد داعميه تباعاً”.
اقرأ أيضاً: الشيخ غزال غزال يدعو إلى الخروج بمظاهرات في الساحل السوري – 963+
مخاوف أمنية ورفض للوصم الجماعي
على المستوى الاجتماعي، يعاني جزء من أبناء الطائفة العلوية من مخاوف أمنية، في ظل ربطهم الطائفي بالنظام السابق، واستمرار حوادث انتقامية محدودة أدت إلى تراجع الثقة بالحكومة لدى بعض الفئات.
وفي هذا الإطار، يقول زهوي إن “الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود مخططات لفلول النظام السابق، وهو أمر متوقع في مرحلة ما بعد السقوط، بل في طريقة التعاطي معها”، محذراً من “تحويل هذه المخططات إلى مبرر لوصم الساحل السوري أو الطائفة العلوية ككتلة واحدة مرتبطة بالنظام المخلوع، سواء سياسياً أو طائفياً”.
ويشير إلى “استمرار الانقسامات داخل المجتمع العلوي نفسه”، داعياً الحكومة إلى “فتح قنوات حوار ومباحثات مباشرة مع قيادات علويّة في الساحل”، بهدف “الوصول إلى تفاهمات تضمن بسط السيطرة على المنطقة، واستعادة الانتظام الأمني والسياسي”، وتقديم “تطمينات بعدم التعرض لأعمال انتقامية أو تكرار انتهاكات سابقة”.
من جانبه، يؤكد الصميدعي أن الإجراءات الأمنية “رغم أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تترافق مع مسار مصالحة وطنية حقيقية وضمانات قانونية تكفل حماية جميع المكونات الاجتماعية وتعزز الاستقرار المستدام”.
بين الواقع والمبالغة: أين يقف الساحل اليوم؟
في المحصلة، تعكس التطورات في الساحل السوري واقعاً مركّباً، لا يؤكد تحوّله إلى “وطن فلول نظام الأسد” بالمعنى الشامل، ولا ينفي في الوقت نفسه وجود تهديدات أمنية قائمة.فبين توصيف هذه التهديدات على أنها “متفرقة وغير منظمة” أو “نيران إزعاجية”، وتحذيرات من استغلالها سياسياً وإعلامياً، يبقى الاستقرار مرهوناً بقدرة الحكومة الانتقالية على الجمع بين الحسم الأمني، والمصالحة المجتمعية، ومعالجة الانقسامات السياسية والطائفية في مرحلة انتقالية لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.










