في وقت يواجه فيه العراق ضغوطاً متزايدة على قطاعه النفطي بفعل الاضطرابات الإقليمية وتعطل مسارات التصدير التقليدية عبر الخليج، عاد ملف نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاستراتيجي بوصفه أحد الخيارات البديلة المطروحة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
وتأتي هذه العودة في ظل تراجع حاد في الصادرات النفطية العراقية خلال الأشهر الأخيرة، مع تصاعد المخاوف من تداعيات إغلاق المضيق على اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، بالتزامن مع تحركات عراقية لبحث منافذ تصدير بديلة عبر الأنابيب أو النقل البري وصولاً إلى البحر المتوسط.
وفي هذا السياق، يبرز الممر السوري باعتباره خياراً يحمل أبعاداً تتجاوز الجانب الاقتصادي، ليطرح تساؤلات حول فرص تحوله إلى منفذ استراتيجي دائم للعراق، وحجم المكاسب التي يمكن أن يحققها لسوريا، فضلاً عن التحديات الأمنية والسياسية التي قد تعرقل المشروع أو تحد من فرص استدامته.
منفذ بديل لا يغني عن الخليج
يقول مجاشع التميمي، الكاتب والأكاديمي، لـ”963+”، إن أهمية أي منفذ بديل للصادرات النفطية تتزايد بشكل ملحوظ بعد تعطل الصادرات عبر الخليج نتيجة إغلاق مضيق هرمز، مشيراً إلى أن النفط المنقول عبر سوريا، رغم كونه من نوع النفط الأسود وبكميات محدودة، فإنه يمثل مورداً جزئياً مهماً للعراق.
ويضيف التميمي أن سوريا، من جانبها، تستفيد من المشروع عبر رسوم العبور والنقل، إلى جانب الخدمات اللوجستية المرتبطة به، وهو ما يمنح الاقتصاد السوري متنفساً إضافياً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ويرى التميمي أن الممر السوري يكتسب أهمية استراتيجية أكبر في ظل تعطل المسار الخليجي، إلا أنه يلفت إلى أن هذا الممر لا يستطيع تعويض كامل الصادرات العراقية، موضحاً أن القيمة الحقيقية للمشروع تكمن في إمكانية إحياء خط الأنابيب العراقي–السوري الذي أُنشئ خلال سبعينيات القرن الماضي، بما يوفر منفذاً دائماً للعراق على البحر المتوسط.
ويتابع التميمي أن المشروع يوفر لسوريا عوائد متعددة لا تقتصر على رسوم العبور فقط، بل تشمل التخزين والخدمات الفنية والنقل، فضلاً عن تحريك قطاعات الموانئ والشحن، معتبراً أن هذه المكاسب قد تتضاعف مستقبلاً في حال تطور التعاون بين بغداد ودمشق إلى إعادة تشغيل خط الأنابيب وزيادة كميات النفط العابرة للأراضي السورية.
وفي المقابل، يشير التميمي إلى أن المشروع يواجه جملة من التحديات، أبرزها الأوضاع الأمنية داخل المنطقة، والعقوبات المفروضة على سوريا، فضلاً عن الحاجة إلى استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية. كما ينوه إلى أن نجاح المشروع يبقى مرهوناً بتوافقات سياسية وإقليمية تضمن استمرارية تدفق النفط بعيداً عن الأزمات والصراعات.
ويعتقد التميمي أن التعاون النفطي بين العراق وسوريا قد يشكل مدخلاً لتوسيع الشراكة الاقتصادية بين البلدين، موضحاً أن هذا التعاون يمكن أن يمتد إلى مجالات النقل والتجارة وإعادة الإعمار والخدمات اللوجستية. كما يضيف أنه في حال نجاح مشروع إحياء الأنبوب العراقي–السوري، فإنه قد يتحول إلى ركيزة اقتصادية مهمة تسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
النفط بوابة لشراكة أوسع
من جهته، يقول ميلاد مالك الأطرش، الباحث والمحلل السياسي المقيم في اللاذقية، لـ”963+”، إن النفط يعود اليوم ليؤكد مجدداً، في منطقة لطالما حكمت الجغرافيا فيها مسارات السياسة والاقتصاد، أنه ليس مجرد مورد للطاقة، بل أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وصياغة المصالح المشتركة بين الدول.
ويضيف الأطرش أن تصاعد الحاجة إلى تنويع منافذ التصدير وتعزيز فرص التعافي الاقتصادي يجعل من مشروع نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية واحداً من أكثر المشاريع الاستراتيجية إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط، موضحاً أن بغداد تبحث عن خيارات جديدة تمنحها مرونة أكبر في إدارة صادراتها النفطية وتخفف من اعتمادها على المسارات التقليدية.
وفي المقابل، يرى الأطرش أن دمشق تنظر إلى المشروع بوصفه فرصة لإحياء دورها كممر اقتصادي حيوي يربط الخليج بالبحر المتوسط، وما يحمله ذلك من عوائد مالية وفرص استثمارية واسعة. لكنه يستدرك بالإشارة إلى أن هذه الطموحات تصطدم بجملة من التحديات الأمنية والسياسية واللوجستية، التي تجعل مستقبل المشروع رهينة قدرة الطرفين على تحويل المصالح الاقتصادية إلى شراكة مستدامة.
ويتابع الأطرش أن مشروع النفط العراقي عبر سوريا يثير تساؤلات جوهرية حول حجم المكاسب الاقتصادية المنتظرة، ومدى قدرة الممر السوري على التحول إلى خيار استراتيجي للعراق، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على الاقتصاد السوري، والتحديات التي قد تعيق مساره، وما إذا كان هذا التعاون سيمهد لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي بين البلدين.
ويشير إلى أن الحديث عن نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية عاد مجدداً إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاستراتيجي، باعتباره مشروعاً قادراً على إعادة رسم جزء من خريطة الطاقة في الشرق الأوسط، متسائلاً عمّا إذا كان هذا المشروع قادراً بالفعل على التحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية لكل من بغداد ودمشق في ظل المكاسب الاقتصادية المحتملة والتحديات السياسية والأمنية المعقدة.
وفي معرض حديثه عن المكاسب الاقتصادية، يوضح الأطرش أن فتح مسار تصدير جديد عبر سوريا يمنح العراق هامشاً أوسع من المرونة في إدارة صادراته النفطية، ويقلل من الاعتماد شبه الكامل على المنافذ التقليدية، ولا سيما موانئ الخليج العربي.
كما يضيف أن المشروع يتيح للعراق الوصول إلى أسواق جديدة عبر البحر المتوسط، الأمر الذي يعزز قدرة بغداد على تنويع خياراتها التصديرية وتقليل المخاطر المرتبطة بالاضطرابات الإقليمية أو الاختناقات اللوجستية.
أما بالنسبة لسوريا، فيعتبر الأطرش أن المشروع يمثل فرصة اقتصادية استثنائية، خصوصاً في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى مصادر دخل جديدة، موضحاً أن عبور النفط العراقي عبر الأراضي السورية يمكن أن يوفر إيرادات مباشرة من رسوم النقل والعبور، إلى جانب تنشيط قطاعات الخدمات اللوجستية والصيانة والتخزين والنقل، فضلاً عن خلق فرص عمل واستقطاب استثمارات مرتبطة بالبنية التحتية للطاقة.
ويلفت الأطرش إلى أن الممر السوري لا يُنظر إليه باعتباره مجرد خط عبور للنفط، بل كخيار استراتيجي يمنح العراق منفذاً إضافياً نحو الأسواق العالمية عبر البحر المتوسط، موضحاً أن تنويع طرق التصدير يعد أحد أهم أدوات الأمن الاقتصادي للدول المنتجة للطاقة، إذ يحد من تأثير الأزمات الجيوسياسية ويمنح المنتجين قدرة أكبر على المناورة في الأسواق الدولية.
ومن هذا المنطلق، يرى الأطرش أن المسار السوري قد يشكل عنصراً مكملاً لشبكة التصدير العراقية، وليس بديلاً كاملاً للمنافذ الحالية، بما يعزز قدرة بغداد على حماية مصالحها الاقتصادية على المدى الطويل.
ويستكمل الأطرش حديثه بالإشارة إلى أن الفوائد السورية لا تقتصر على رسوم العبور فقط، بل تمتد إلى تحريك عجلة الاقتصاد في مناطق واسعة من البلاد، موضحاً أن المشروع يتطلب خدمات لوجستية ومراكز تخزين وشبكات نقل وصيانة فنية، وهو ما ينعكس إيجاباً على قطاعات متعددة.
كما يضيف أن إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية وخطوط الأنابيب قد تشكل نقطة انطلاق لمشاريع استثمارية أخرى مرتبطة بالطاقة والتجارة الإقليمية.
ويعتقد الأطرش أنه في حال نجاح المشروع واستقراره، فقد يتحول إلى مصدر دخل مستدام يسهم في دعم عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار داخل سوريا.
ورغم الإغراءات الاقتصادية الكبيرة، ينوه الأطرش إلى أن الطريق أمام المشروع ليس خالياً من العقبات، معتبراً أن العامل الأمني يبقى التحدي الأبرز، خاصة في ظل الحاجة إلى تأمين خطوط النقل الممتدة لمسافات طويلة وحمايتها من أي تهديدات أو أعمال تخريب.
كما يلفت إلى وجود تحديات سياسية مرتبطة بطبيعة التوازنات الإقليمية والدولية، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، فضلاً عن الحاجة إلى تفاهمات قانونية وفنية ومالية تضمن استدامة المشروع وتحمي مصالح الطرفين، مشدداً على أن تجاوز هذه العقبات يتطلب إرادة سياسية قوية وآليات تعاون طويلة الأمد قادرة على احتواء التقلبات التي تشهدها المنطقة.
وفي سياق الحديث عن آفاق التعاون المستقبلي، يرى الأطرش أن نجاح التعاون النفطي بين بغداد ودمشق في تجاوز العقبات الحالية قد يحوله إلى نقطة انطلاق لشراكة اقتصادية أشمل تتجاوز قطاع الطاقة، موضحاً أن خطوط النفط غالباً ما تفتح الباب أمام مشاريع في مجالات التجارة والنقل والاستثمار وإعادة الإعمار والتكامل اللوجستي.
ويخلص الأطرش إلى أن مشروع نقل النفط العراقي عبر سوريا لا يمثل مجرد صفقة اقتصادية أو اتفاق فني، بل قد يكون خطوة استراتيجية نحو بناء شبكة مصالح مشتركة تعزز الاستقرار الاقتصادي وتدفع البلدين نحو مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي.
ويرى أن مشروع نقل النفط العراقي عبر سوريا يحمل فرصاً اقتصادية كبيرة للعراق الباحث عن تنويع منافذ التصدير، ولسوريا الساعية إلى تنشيط اقتصادها وتعزيز مواردها المالية.
غير أن نجاح هذه الفرصة، كما يشير، يبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على إدارة التحديات الأمنية والسياسية المعقدة، وبين الفرصة والتحدي، يظل النفط أداة قادرة على تحويل الجغرافيا من عبء سياسي إلى جسر للتعاون والتنمية، إذا ما توفرت الإرادة والظروف المناسبة.










