“العملة الجديدة جميلة رومانسية ولكن بلا ذاكرة”، عبارة تختصر شعور شريحة من السوريين تجاه الإصدار النقدي الجديد الذي يتجه مصرف سورية المركزي لاعتماده تدريجياً خلال عام 2026، بتصميم تجريدي حديث وخالٍ تقريباً من الرموز التاريخية المألوفة على الليرة القديمة.
اقتصادياً، يؤكد خبراء أن استبدال الأوراق التالفة، وإضافة تقنيات ضد التزوير، وإعادة هيكلة الفئات خطوات ضرورية في بلد أنهكته الحرب والتضخم، بغض النظر عن مضمون التصميم البصري.
في المقابل، ينتقد فنانون ومثقفون غياب الرموز التاريخية والحضارية السورية عن الأوراق الجديدة، معتبرين أن العملة فقدت جزءًا من هيبتها بوصفها وعاءً لذاكرة أمة تمتد حضارتها لآلاف السنين.
بين من يرى في الإصدار الجديد “فجر اقتصاد سوري جديد” ومن يراه “ورقة جميلة بلا ذاكرة”، يقف المواطن العادي أمام واقع معيشي يتأرجح بين صعوبة الظروف الاقتصادية ورغبة في التمسك بأي رمز يذكّره بالتاريخ والجغرافيا والانتماء.
يبقى السؤال المفتوح: هل تنجح العملة الجديدة في استعادة الثقة بوصفها أداة اقتصادية فقط، أم أن غياب الذاكرة عن وجهها سيجعلها، في نظر كثيرين، غريبة حتى وهي تحمل اسم الوطن؟
اقرأ أيضاً: حاكم مصرف سوريا المركزي: تحديد 59 مؤسسة للاستبدال وجميع الأرصدة ستكون بالعملة الجديدة – 963+
جدال يطرح تساؤلات السوريين حول عملتهم الجديدة؟
يقول الإعلامي الاقتصادي محمود راضي في تصريحات لـ”963+” أن إصدار العملة الجديدة أثار جدلاً واسعاً بين السوريين، فبين إشادة رسمية بـ”تصميم عصري نظيف” يسهّل التداول ويعزّز الثقة بالعملة، واعتراضات شعبية ترى فيها “ورقة أنيقة لكن منزوعة الذاكرة”، يتكشف جدال يتجاوز حدود الجماليات البصرية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالذاكرة الوطنية والرمزية الثقافية والتاريخية للبلد: هل تكفي الوظيفة الاقتصادية وحدها لتعريف العملة، أم أنها وثيقة هوية أيضاً؟ وما المعايير التي حُددت على أساسها الهوية البصرية للعملة الجديدة؟ وهل جرى إجراء استطلاعات رأي أو تجارب أولية على عينات من المواطنين قبل اعتماد التصميم؟ ولماذا غابت الرموز التاريخية والأثرية الواضحة، وهل كان ذلك قراراً مقصوداً لتجنّب حساسيات سياسية معينة؟ وأين الثورة وأين النصر وأين دماء الشهداء من عملتنا الجديدة؟ وكيف ترى الجهات الرسمية العلاقة بين العملة كأداة اقتصادية والعملـة كحاملة لرمزية وطنية وثقافية؟
ويشير راضي إلى أن خطة إصدار العملة الجديدة يأتي في سياق اقتصادي مأزوم عاشته سوريا خلال سنوات الحرب، حيث فقدت الليرة القسم الأكبر من قيمتها الشرائية، وتعرضت الأوراق النقدية للتلف الواسع بسبب كثافة التداول وسوء ظروف التخزين والنقل، إضافة إلى البعد السياسي وتغيير نظام الحكم، وفي هذا السياق، رأت الجهات المعنية أن الوقت حان لإطلاق إصدار جديد بعدة فئات، مع إدخال تحسينات تقنية وأمنية، وتغيير شامل في التصميم، بما يُقدَّم على أنه محاولة لإعادة الثقة بالنقد الوطني وتنظيم حركة التعامل اليومي في الأسواق.
العملة مرتبطة بالقوة الشرائية لا بجمالية مؤنثة ورومانسية
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالستار عزمي في تصريحات لـ”963+” يحاول التصميم الحديث للعملة السورية الجديدة بألوانها الزاهية، وعلامات تأمينها المتطورة منح شعور “زائف” بالاستقرار والنظافة المالية، بينما الذاكرة الجمعية مرتبطة بالقدرة الشرائية وليس بجودة الورق، والعملة القوية هي “ذاكرة لإنتاج المصانع وحقول القمح”، والعملة الجديدة “بلا ذاكرة” فلا يوجد فيها إلى ما يشير إلى الصناعة والتجارة والحرف والثروات الباطنية، لأنها لا تستند إلى نمو حقيقي.
ويضيف: الانطباع الأول لدى كثير من المتلقين أن العملة الجديدة تتحرك في فضاء بصري مختلف كلياً عمّا ألفته عين السوري لعقود، إذ تغيب الصور الواضحة للمعالم الأثرية والشخصيات التاريخية لمصلحة أشكال تجريدية وانسيابية يغلب عليها طابع ليّن وهادئ، بما يحمله ذلك من إيحاءات بالنعومة والانسلاخ عن الجلال والصلابة التي ارتبطت تقليدياً بصورة الدولة والسلطة على الورق النقدي، وأن فقدان الرمزية لا يقل خطورة عن فقدان القيمة الشرائية، لأن الثقة بالعملة ليست اقتصادية فقط، بل نفسية وثقافية، إلا أن السوريين اليوم لا يبحثون عن عملة “جميلة” ليضعوها في براويز، بل يبحثون عن عملة “وفية” لجهدهم وعرقهم، فبدون إصلاحات هيكلية ستبقى العملة الجديدة مجرد “بطاقة بريدية” أنيقة، توثق لحظة انكسار القيمة الشرائية أمام بريق التصميم.
اقرأ أيضاً: المالية تحذر من الشائعات المرتبطة بإصدار العملة السورية الجديدة – 963+
غياب الرموز: ورقة نقدية بلا ذاكرة؟
يقول الباحث الاقتصادي الدكتور محمد عطوان في تصريحات لـ”963+”: منذ بدايات استخدام الورق النقدي الحديث، اعتادت الدول أن تطبع على عملاتها وجوه زعمائها، أو صور قلاعها ومعابدها وجسورها وأنهارها، أو نقوشاً مستوحاة من تراثها الفني والأثري، في رسالة مفادها أن الأموال التي يتداولها المواطنون ليست مجرد أرقام، بل حاملة لجزء من قصة المكان، وفي دول كثيرة، يمكن قراءة تاريخ البلاد عبر نقودها التي تحمل وجوه مفكرين وشعراء، ومعالم أثرية تعبّر عن عمق الحضارة، ورموز تحرر أو وحدة وطنية، والعملة هنا تتحول إلى “سردية صامتة” تروي قصة شعب، وتُعيد إنتاج الانتماء مع كل عملية شراء.
بالمقابل، يرى عطوان أن التصميم الحالي للعملة السورية الجديدة جاء محايداً حدّ الفراغ؛ فلا شخصيات ثقافية جامعة، ولا رموز وطنية متوافق عليها، ولا إشارات واضحة إلى التنوع الحضاري السوري الممتد من أوغاريت إلى تدمر فدمشق وحلب، فالعملة السورية الحالية تتجنب الذاكرة بدل أن تحتضنها، وكأن المطلوب ورقة بلا موقف، لا تثير سؤالاً ولا تبني انتماءً.
ويتساءل عطوان إذا كانت هذه الرموز تُركت أو أُزيحت لصالح رؤية جمالية تعتبر أن “هدوء التصميم” و”حياده السياسي” أولى من تكثيف الدلالات الوطنية الصريحة.
اقرأ أيضاً: إصدار مرسوم إطلاق العملة السورية الجديدة – 963+
العملة بين الاقتصاد والهوية
يرى عدد من طلاب كلية الاقتصاد أن الأولوية في الإصدار الجديد يجب أن تكون للإجراءات التي تحمي العملة من التزوير، وتنظم الفئات بما ينسجم مع مستويات الأسعار، وتسهّل العدّ والتداول، معتبرين أن النقاش حول الألوان والأشكال يظل ثانوياً أمام هذه التحديات.
لكن عدداً من طلاب كلية علم الاجتماع يشيرون إلى أن للأمر بعداً آخر، فـ”الورقة النقدية” واحدة من أكثر الأشياء التي يراها المواطن يومياً، ويحتك بها في أوقات العمل والشراء والادخار والنجاة، ما يمنحها دوراً رمزياً في تكريس صورة الوطن في المخيلة الجماعية.
وفي الشارع، تتردد مواقف متباينة حيال المشروع؛ فهناك من يتحدث بإيجابية عن “تصميم مريح للعين” و”ألوان عصرية” تشبه ما يراه على عملات دول أخرى أكثر استقراراً، ويرى في ذلك نوعاً من التطلع إلى مستقبل أقل قسوة اقتصادياً.
في المقابل، يعبّر آخرون عن خيبة أمل واضحة: “ورقة جميلة، نعم، لكنها لا تشبه تاريخنا، لا تدلّنا على شيء من حضارتنا، لا على أوغاريت ولا تدمر ولا حلب القديمة”، كما يردد بعضهم، في إشارة إلى شعور بفقدان رابط رمزي مع المكان والزمان.
وتقول هيا الآغا وهي مدرسة فنون جميلة لـ”963+”: يقوم المنطق الجمالي للعملة الجديدة على البساطة، والتناغم اللوني، وتسهيل التمييز بين الفئات، مع التركيز على عناصر أمنية حديثة بدل الزخرفة الكلاسيكية والرموز التاريخية، وهذا الخيار ينسجم مع “اتجاه عالمي” نحو التصميم النظيف، ويهدف إلى تعزيز الثقة بالعملة الوطنية عبر ربطها بصورة مستقبلية حداثية لا بأعباء الماضي السياسي والاقتصادي.
يقول مراد سليمان وهو تاجر قديم في سوق الحميدي لـ”963+”: “مع احترامي للعملة الوطنية الجديدة وتقديري لجهد القائمين على إنجازها، في الحقيقة العملة الجديدة لا تعبر عن عراقة سورية التاريخية، عملة غارقة بالرومانسية المؤنثة خالية من الهيبة والشخصية الوطنية، وهي إلى جانب ال ٥٠٠ القديمة (أم الطربوش_زنوبيا) جمالاً وتعبيراً تساوي الصفر.
الكاتب عبدالقادر عيسى يرى في تصريحات لـ”963+” أن “العملة ليست مجرد وسيلة تبادل نقدي، بل وثيقة ثقافية تمثل ملامح الأمة وتاريخها وقيمها، والتصميم الذي يركّز على الجماليات قد يُرضي الذوق المعاصر، لكنه إذا فقد الرموز الوطنية (كالشخصيات التاريخية، الآثار، المعالم الحضارية)، يفقد جزءاً من دوره الهويّاتي، وحين أمسك الورقة النقدية ولا أشعر أنها تحكي عني أو عن بلدي، كأنها صادرة عن مكان بلا تاريخ”.
خالد المحمد (موظف متقاعد) يقول لـ”963+”: “الورقة الجديدة نظيفة وجميلة، لكنها تشبه الغريب الذي لا يعرفنا، الليرة القديمة (قبل عام2011) كانت تشتري لنا اللحم والخضار، أما هذه، فجمالها يذكرني بمدى صغري أمام وحش الغلاء”.
العملة كسردية رسمية
الباحثة الاجتماعية سهام مروان تؤكد في تصريحات لـ”963+” أن العملة الورقية ليست مجرد وسيلة تبادل نقدي، ولا رقماً في جيب المواطن، بل هي وثيقة سيادية مصغّرة، تحمل على سطحها ملامح الأمة، تاريخها، رموزها، ورسائلها إلى الداخل والخارج، فمنذ آلاف السنين، استخدمت الدول النقود لتخليد تراثها الإنساني، معالمها التاريخية، قادتها العظام، مفكريها، ثقافتها، إنجازاتها، وحتى أحلامها.
لكن مع طرح “العملة السورية الجديدة”، يبرز سؤال جوهري: أين الذاكرة التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية الوطنية في هذه العملة؟
وتشير الباحثة الاجتماعية إلى أن اختيار ما يُطبع على النقود ليس قراراً تقنياً محضاً، بل هو تعبير عن السردية التي تريد الدولة تكريسها عن نفسها أمام مواطنيها والعالم.
في هذا الإطار، يطرح السؤال: ماذا يعني أن تختار سلطة ما الابتعاد عن الرموز التاريخية الواضحة، لصالح تصميم محايد أو تجريدي، في لحظة يعاد فيها رسم خرائط القوة والتحالفات داخل البلد وخارجه؟ هل هو رغبة في الهروب من إرث مثقل بالصراع، أم محاولة لتقديم صورة مقطوعة عن سياقها؟
وتتابع: لطالما ارتبطت “هيبة الدولة” في المخيلة العامة بصور الجنود، القلاع، النُصُب التذكارية، والشخصيات التاريخية الصارمة المطبوعة على العملات، حيث تشكل هذه العناصر رسالة مبطنة حول القوة والاستمرارية والقدرة على البقاء، وفي المقابل، قد يبعث التصميم الناعم والرومانسي في بعض النفوس رسالة مغايرة، تُقرأ على أنها تخلٍّ عن لغة الجلال لصالح ما يشبه بطاقة تهنئة أو لوحة فنية خفيفة، ما يثير سؤالاً عن أثر ذلك على صورة الدولة في أذهان مواطنيها، حتى لو ظل هذا الأثر غير قابل للقياس بدقة.










