حلب
يشكّل تسجيل المكتبة الوقفية في حلب على لائحة التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) محطة ثقافية وحضارية ذات دلالة عميقة، تعكس القيمة التاريخية والعلمية لهذا الصرح المعرفي العريق، وتؤكد في الوقت نفسه المكانة التي تحتلها مدينة حلب بوصفها إحدى أبرز مراكز إنتاج المعرفة وصون التراث في التاريخين العربي والإسلامي.
ويأتي هذا الإدراج ضمن مسار أوسع لحماية الموروث الثقافي السوري، وإعادة الاعتبار للمؤسسات العلمية التي أسهمت عبر قرون في تشكيل الوعي الحضاري والعلمي في المنطقة، لاسيما أن المكتبة الوقفية تُعد من أهم خزائن المخطوطات والوثائق النادرة في المشرق العربي.
وفي هذا السياق، اعتبر مدير آثار ومتاحف حلب منير القسقاس أن هذا التسجيل يمثل اعترافاً دولياً بقيمة الإرث الحلبي، وخطوة حضارية تُبرز عمق التاريخ الثقافي للمدينة.
وأوضح في تصريحات لوكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا” أن المكتبة الوقفية ليست مجرد مبنى تراثي، بل شاهد حي على مسيرة طويلة من التطور العلمي والفكري الذي شهدته حلب عبر العصور، مؤكداً أن إدراجها على لائحة الإيسيسكو يعزز فرص حمايتها وصونها، ويدعم موقع المدينة كإحدى عواصم الثقافة الإسلامية.
كما أشار إلى أن هذا الاعتراف الدولي يفتح المجال أمام الباحثين والخبراء للاطلاع على محتوياتها الفريدة، ويسهم في توفير الدعم اللازم لترميمها وفق المعايير الدولية، خاصة أنها تقع ضمن نطاق الجامع الأموي الكبير في حلب الجامع الأموي الكبير في حلب، إضافة إلى إمكانية إدماجها ضمن مسارات السياحة الثقافية الإسلامية.
وأكد القسقاس استعداد الجهات المعنية للتعاون مع الإيسيسكو وشركائها من أجل حماية الهوية الثقافية للمدينة وصون إرثها للأجيال القادمة.
من جانبه، أكد المشرف على المكتبات الوقفية في حلب الدكتور محمود مصري أن إدراج المكتبة ضمن مشاريع الإيسيسكو يمثل خطوة نوعية في مسار إحياء هذا المعلم التاريخي، ويعكس إدراك المؤسسات الدولية للقيمة العلمية التي تختزنها محتوياته من مخطوطات ووثائق ومقتنيات نادرة.
وبيّن أن المشروع لا يقتصر على ترميم المبنى فحسب، بل يتجه نحو رؤية شاملة لإعادة تأهيل المكتبة وملحقاتها التاريخية، وتحويلها إلى مركز بحثي وثقافي متكامل يخدم الباحثين والمهتمين بالتراث العربي والإسلامي.
وتعود جذور المكتبة الوقفية إلى قرون بعيدة، إذ تُعد من أقدم المكتبات التراثية في سوريا والمنطقة، وقد نشأت في إطار تقليد علمي قائم على وقف الكتب والمخطوطات لصالح المؤسسات التعليمية مثل المدارس والمساجد والزوايا.
ووفقاً للدكتور مصري، تعود بداياتها إلى القرن السابع الهجري مع تأسيس المدرسة الشرفية على يد عبد الرحمن شرف الدين ابن العجمي، حيث جُمعت فيها نفائس المخطوطات، لتتحول تدريجياً إلى مركز علمي مقصد للطلاب والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ومرت المكتبة خلال تاريخها بعدة مراحل من التحديات والاضطرابات، قبل أن تشهد عملية إحياء جديدة في مطلع القرن العشرين بجهود مؤرخ حلب الشيخ محمد راغب الطباخ وعدد من العلماء، الذين عملوا على جمع المخطوطات المبعثرة داخل المدينة.
ثم دخلت مرحلة تطوير جديدة عام 2006 مع إعلان حلب عاصمة للثقافة الإسلامية، حيث أُعيد تنظيمها ضمن أروقة الجامع الأموي الكبير، وتوسيع خدماتها لتصبح مؤسسة ثقافية نشطة حتى تعرضها لأضرار جسيمة عام 2014 نتيجة القصف، ما أدى إلى توقف عملها.
وتحتضن المكتبة الوقفية اليوم مجموعات واسعة من المخطوطات في مجالات التفسير والحديث والفقه واللغة والأدب والتاريخ والفلك والطب والرياضيات، إلى جانب وثائق وقفية وسجلات تاريخية تسهم في توثيق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في حلب عبر قرون طويلة.
كما تضم أدوات فلكية نادرة ولوحات تراثية تعكس تطور المعرفة العلمية في المدينة، ما يجعلها مرجعاً مهماً للباحثين في الدراسات التراثية.
وترتبط أهمية المكتبة بمكانة حلب التاريخية كمركز علمي نشط عبر العصور الزنكية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، حيث ازدهرت فيها المدارس وحلقات العلم ونسخ المخطوطات، لتصبح إحدى أهم حواضر المعرفة في العالم الإسلامي.
ومع ذلك، فقد تعرضت المكتبة خلال سنوات الحرب لأضرار كبيرة، رغم نجاح جهود الباحثين في إنقاذ جزء مهم من مقتنياتها ونقلها إلى أماكن آمنة قبل تدمير المبنى.
وفي السنوات الأخيرة، انطلقت جهود منظمة لإعادة إحياء المكتبة ضمن مشروع متكامل، شمل ورش عمل ومؤتمرات دولية بالتعاون مع مؤسسات مثل الإيسيسكو، والألكسو، واليونسكو، بهدف بلورة رؤية شاملة لإعادة تأهيلها وتحويلها إلى مركز علمي وثقافي حديث. كما تركز الخطط الحالية على ترميم المخطوطات، ورقمنة الوثائق النادرة، وتطوير أنظمة الحفظ وفق المعايير الدولية لضمان استدامة هذا الإرث.
وشهدت المكتبة مؤخراً عودة تدريجية إلى الحضور الثقافي من خلال مشاركات في معارض وفعاليات علمية داخل سوريا وخارجها، إضافة إلى تنظيم مؤتمرات وندوات متخصصة تناقش سبل إعادة إحيائها ودورها المستقبلي. وتؤكد هذه الجهود مجتمعة أن المكتبة الوقفية لم تعد مجرد أثر تاريخي، بل مشروع ثقافي متجدد يعيد وصل الماضي بالحاضر.
وفي المحصلة، تمثل المكتبة الوقفية في حلب ذاكرة حضارية متكاملة تختزن قروناً من الإنتاج العلمي والفكري، وشاهداً على الدور المحوري الذي لعبته المدينة في تاريخ المعرفة الإنسانية. ومع تسجيلها على لائحة الإيسيسكو واستمرار مشاريع إعادة إحيائها، تستعيد هذه المؤسسة مكانتها كإحدى أبرز المنارات الثقافية في العالم الإسلامي، وكمشروع حيّ يربط بين الإرث التاريخي وآفاق المستقبل.










