لم تعد رحلة البحث عن المراعي في ريف القنيطرة الجنوبي مجرد نشاط يومي يمارسه رعاة الأغنام لإطعام قطعانهم، بل تحولت خلال الأشهر الماضية إلى مهمة محفوفة بالمخاطر، في ظل تزايد الحوادث التي يقول سكان محليون إنها شملت احتجاز رعاة وإطلاق نار باتجاه قطعان الأغنام ومنع الوصول إلى مناطق رعوية اعتاد الأهالي استخدامها منذ سنوات طويلة.
وتعتمد عشرات العائلات في قرى وبلدات ريف القنيطرة على تربية الأغنام كمصدر دخل رئيسي أو مكمل، ما يجعل أي تضييق على حركة الرعاة أو الوصول إلى المراعي ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للسكان الذين يواجهون أساساً ظروفاً اقتصادية صعبة وارتفاعاً مستمراً في تكاليف التربية والأعلاف.
ويقول سكان محليون إن المناطق القريبة من خط الفصل شهدت خلال الفترة الماضية تكرار حوادث استهداف للرعاة أثناء تنقلهم في الأراضي المفتوحة، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى تقليص مساحات الرعي أو تجنب بعض المناطق بالكامل خشية التعرض للاعتقال أو الملاحقة.
شهادة من الميدان
يقول الراعي موسى العزام، من قرية الأصبح المحاذية لخط فض الاشتباك مع الجولان، في حديث لـ”963+”: “في آخر مرة خرجت فيها لرعي الأغنام، كنت متجهاً إلى أرضي وبرفقتي القطيع، وخلال الطريق فوجئت بمجموعة تضم نحو 16 جندياً. أوقفوني ووجهوا أسلحتهم نحوي، وطلبوا مني العودة، إلا أنني أوضحت لهم أنني متجه إلى أرضي لرعي أغنامي. واصلت طريقي، وبعد فترة قصيرة تابعوا هم أيضاً طريقهم. كان الموقف مخيفاً للغاية، لأننا لا نعلم ما الذي قد يحدث في أي لحظة”.
ويضيف العزام: “أكثر ما نعانيه اليوم هو الاعتقالات والمضايقات، إذ بات الرعاة يتجنبون التوجه إلى بعض المناطق خشية التعرض للتوقيف أو الاعتقال في أي وقت، الأمر الذي أثر بشكل كبير على طبيعة عملنا”.
ويتابع: “تعرضت شخصياً للاعتقال مرتين، ومنذ ذلك الحين أصبح الخوف يلازمني، كما يلازم كثيراً من الرعاة، عند التوجه إلى مناطق كنا نرعى فيها بشكل طبيعي في السابق”.
ويشير إلى أن الخسائر التي تكبدها أهالي قرية الأصبح كبيرة، موضحاً أنهم حُرموا من الاستفادة من نحو 800 دونم من الأراضي، كانت تمثل متنفساً للرعاة ومصدراً أساسياً للمراعي، إلا أنهم لم يعودوا قادرين على الوصول إليها.
ويختم العزام بالقول: “انعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على مستوى المعيشة، إذ تعتمد كثير من العائلات على تربية الأغنام كمصدر رئيسي للدخل، ومع فقدان المراعي وارتفاع تكاليف التربية، ازدادت الأعباء المعيشية وتراكمت الديون على عدد كبير من مربي الثروة الحيوانية”.
ويضيف: “نأمل أن يتم إيجاد حل لمعاناة الرعاة وأن نعرف مصير الأراضي التي حُرمنا منها. كما نطالب بتوفير الحماية للأهالي ودعم المتضررين وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم، لأن استمرار الوضع الحالي يزيد من صعوبة الحياة على الناس”.
ويشير إلى أن الرعاة كانوا يعتمدون سابقاً على مساحات واسعة من الأراضي الطبيعية لتأمين الغذاء لقطعانهم، إلا أن المخاوف الأمنية دفعت كثيرين إلى الابتعاد عن تلك المناطق، ما زاد الاعتماد على الأعلاف التجارية ورفع تكاليف التربية بشكل كبير.
ويؤكد أن العديد من المربين باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الاستمرار بمهنتهم، خصوصاً في ظل انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج.
خسائر تتجاوز الرعاة
ولا تقتصر تداعيات هذه الحوادث على الرعاة أنفسهم، إذ يشير مربو مواشٍ في المنطقة إلى أن أي تراجع في نشاط الرعي يؤدي إلى خسائر تمتد إلى قطاع تربية الثروة الحيوانية بأكمله.
يقول أحمد، وهو أحد تجار ومربي المواشي في محافظة القنيطرة، في حديث لـ”963+”: “أعمل في تربية الأغنام والأبقار منذ أكثر من عشرين عاماً، وقد ورثت هذه المهنة عن والدي الذي كان أيضاً يعمل في تربية المواشي والاتجار بها، لذلك تُعد هذه الحرفة مصدر الرزق الأساسي لنا في القنيطرة. وحتى خلال سنوات الحرب، كان القطاع يعمل بصورة مقبولة إلى حد ما، إلا أن التوغلات الأخيرة غيّرت الواقع بشكل كبير، وألحقت أضراراً جسيمة بقطاع الثروة الحيوانية”.
ويضيف: “تراجع النشاط حالياً بنحو 80%، واضطر كثير من المربين إلى بيع مواشيهم للجزارين أو نقلها إلى مناطق أخرى في ريف درعا الشرقي. كما انخفضت أسعار اللحوم نتيجة كثرة المعروض في الأسواق، بعدما أصبح همّ معظم المربين التخلص من قطعانهم خشية استهدافها أو تكبد المزيد من الخسائر”.
ويتابع: “كنت أمتلك نحو 250 رأساً من الأغنام و10 رؤوس من الأبقار، ولم يتبقَّ لدي اليوم سوى قرابة 50 رأساً من الأغنام، بعدما اضطررت إلى بيع البقية بسبب الظروف الراهنة. كما توقف الراعي الذي يعمل لدي عن ممارسة عمله بعد تعرض المناطق القريبة من الشريط الحدودي للاستهداف المباشر، فضلاً عن اعتقاله مرتين، ما دفعه إلى رفض العودة إلى العمل نهائياً”.
ويشير إلى أن تراجع القدرة على الرعي أجبر المربين على الاعتماد بصورة أكبر على الأعلاف، موضحاً أن ارتفاع أسعارها أدى إلى زيادة تكاليف التربية بشكل يفوق العائد المالي، الأمر الذي دفعهم إلى تقليص أعداد المواشي والاعتماد على إنتاج الحليب والألبان والأجبان والسمن كمصدر دخل محدود.
ويؤكد أن نشاطه لا يقتصر على تربية المواشي، بل يشمل أيضاً الاتجار بها، قائلاً: “أعمل في شراء وبيع المواشي، وأقوم بتوزيعها في درعا وريفها وريف دمشق وحمص ومنطقة القلمون، إلا أن حركة البيع أصبحت أضعف بكثير مقارنة بالسنوات الماضية بسبب الظروف الراهنة”.
ويضيف أن مواشيه تعرضت للاستهداف أربع مرات، ما تسبب بخسارة نحو ثمانية رؤوس من الأغنام، موضحاً أنه تمكن من الاستفادة من بعضها، بينما فقد البعض الآخر بالكامل، وهو ما فاقم حجم الخسائر التي تكبدها.
ويختم حديثه بالقول: “إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، فقد أضطر إلى التوقف عن العمل في تجارة المواشي بشكل كامل، لأن هذا القطاع يشهد تراجعاً متواصلاً. ونأمل في إيجاد حلول حقيقية تكفل حماية الرعاة والمربين، وتعيد الاستقرار إلى المنطقة، بما يتيح لنا مواصلة عملنا وتأمين مصدر رزقنا.”
ويوضح أن الرعي الطبيعي يشكل أحد أهم الوسائل لتخفيض تكاليف تربية الأغنام، في حين يؤدي حرمان المربين من الوصول إلى المراعي إلى زيادة الاعتماد على الأعلاف، الأمر الذي يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر في أسعار اللحوم ومشتقات الحليب.
اقتصاد محلي تحت الضغط
وتُعد تربية الأغنام من أبرز الأنشطة الاقتصادية في القنيطرة، حيث تعتمد عليها أعداد كبيرة من الأسر في تأمين دخلها السنوي، سواء من خلال بيع الأغنام أو إنتاج الحليب ومشتقاته.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن استمرار التضييق على الرعاة قد يؤدي إلى تراجع أعداد القطعان في المنطقة مع اضطرار بعض المربين إلى بيع جزء من مواشيهم لتغطية النفقات المتزايدة.
ويقول المهندس محمد رحال المكلف بتسيير مديرية الزراعة والإصلاح الزراعي في محافظة القنيطرة لـ”963+”: إن قطاع تربية الأغنام يُعد من أهم القطاعات الإنتاجية في محافظة القنيطرة حيث يعتمد عليه عدد كبير من المربين ولا سيما في المناطق الجنوبية والقرى القريبة من خط وقف إطلاق النار مشيراً إلى أن تربية الأغنام تشكل مصدراً أساسياً أو مكملاً للدخل بالنسبة للكثير من الأسر الريفية إلى جانب النشاط الزراعي.
ويوضح أن المربين يعتمدون بشكل رئيسي على المراعي الطبيعية لتغذية قطعانهم نظراً لارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف التربية لافتاً إلى أن الأغنام توفر منتجات أساسية تشمل اللحوم والحليب ومشتقاتهما ما يجعلها جزءاً مهماً من الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي في المحافظة.
ويضيف أن التوغلات الإسرائيلية التي شهدتها مناطق واسعة من ريف القنيطرة منذ سقوط النظام السابق أثرت بشكل مباشر على قطاع الرعي حيث شملت مساحات واسعة من الأراضي الحراجية والزراعية والمراعي الطبيعية التي يعتمد عليها المربون بشكل أساسي لتأمين الغذاء لقطعانهم.
ويبيّن أن خروج أجزاء واسعة من المراعي عن الخدمة وصعوبة وصول الرعاة إليها أدى إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على المربين نتيجة اضطرارهم للاعتماد على الأعلاف التجارية مرتفعة الثمن الأمر الذي دفع عدداً منهم إلى بيع جزء من قطعانهم لعدم قدرتهم على تحمل التكاليف المتزايدة.
ويشير إلى أن هذه الظروف ترافقت مع موسم جفاف أثر سلباً على الغطاء النباتي في المنطقة ما ضاعف من حجم الخسائر التي تعرض لها مربو الثروة الحيوانية وأدى إلى تراجع ملحوظ في أعداد الأغنام خاصة في القرى والبلدات الواقعة بالقرب من خط وقف إطلاق النار.
ويلفت إلى أن مديرية الزراعة رصدت أضراراً طالت المراعي الطبيعية في عدد من المناطق كما تابعت آثار عمليات رش مبيدات الأعشاب التي شهدتها بعض الأراضي خلال الفترة الماضية مؤكداً أن المديرية أعدت تقارير فنية حول حجم الأضرار ورفعتها إلى الجهات المعنية.
ويضيف أن المديرية تواصلت مع عدد من المنظمات والجهات الداعمة بهدف تأمين برامج مساندة للمربين وتقديم مساعدات تخفف من الخسائر التي لحقت بهم سواء عبر دعم الأعلاف أو تنفيذ مشاريع تستهدف الحفاظ على الثروة الحيوانية في المحافظة.
ويختم بالقول إن أبرز التحديات التي تواجه قطاع تربية الأغنام في القنيطرة تتمثل في عدم قدرة المربين على الوصول إلى مساحات واسعة من المراعي التي كانوا يعتمدون عليها سابقاً إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الغطاء النباتي الطبيعي مؤكداً أن استمرار هذه الظروف يهدد بتراجع أكبر في أعداد القطعان ويؤثر على مصدر رزق مئات العائلات التي تعتمد على تربية الأغنام في المحافظة.
ويشير إلى أن الثروة الحيوانية في المحافظة تواجه أصلاً تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية البيطرية وتراجع الدعم المقدم للقطاع، ما يجعل أي قيود إضافية على الرعي عاملاً يزيد من هشاشة هذا النشاط الاقتصادي.
الخوف يغيّر حياة القرى الحدودية
في القرى القريبة من الشريط الحدودي، يتحدث الأهالي عن تغيّر ملحوظ في نمط حياتهم خلال الفترة الأخيرة، حيث أصبحت بعض المناطق الزراعية والرعوية أقل استخداماً مقارنة بالسنوات السابقة.
ويقول محمد أحد وجهاء القرى الحدودية في ريف القنيطرة لـ”963+”: “تعتمد غالبية العائلات في القرى الحدودية على الزراعة وتربية الأغنام والأبقار كمصدر رئيسي للرزق، ولذلك فإن أي تضييق على حركة الرعاة أو المزارعين ينعكس بشكل مباشر على حياة الناس ومعيشتهم اليومية. خلال الفترة الأخيرة أصبح الأهالي يعيشون حالة من القلق بسبب تكرار الأحداث في المناطق القريبة من الشريط الحدودي، ما دفع الكثيرين إلى تجنب الوصول إلى بعض الأراضي والمراعي التي كانوا يعتمدون عليها منذ سنوات طويلة”.
ويتابع: الرعاة هم الأكثر تأثراً لأن طبيعة عملهم تتطلب التنقل اليومي في مساحات واسعة، ومع تضييق الوصول إلى المراعي ارتفعت تكاليف التربية بشكل كبير نتيجة الاعتماد المتزايد على الأعلاف، وهو ما أثقل كاهل المربين وأدى إلى تراجع واضح في قدرتهم على الاستمرار بنفس المستوى السابق.
كما اضطر عدد من المربين إلى بيع جزء من قطعانهم بسبب ارتفاع التكاليف وصعوبة الاستفادة من المراعي الطبيعية كما كان يحدث في السابق، وهذا لا ينعكس فقط على أصحاب المواشي بل على اقتصاد القرى بأكملها لأن الثروة الحيوانية تمثل مصدر دخل أساسي لعدد كبير من العائلات.
ويضيف محمد: “نطالب الحكومة بدعم المزارعين ورعاة الأغنام والأبقار بشكل عاجل، للحفاظ على الثروة الحيوانية التي يبدو أنها تتجه نحو التراجع بشكل خطير، وربما إلى الزوال إذا استمرت هذه الظروف دون تدخل حقيقي يخفف من الأعباء عن الأهالي ويعيد لهم القدرة على العمل والإنتاج”.
ويقول إن استمرار هذه الأوضاع دون حلول عملية قد يؤدي إلى خسارة كبيرة في قطاع الثروة الحيوانية، وهو قطاع أساسي في القرى الحدودية ويشكل عماد الاقتصاد المحلي للكثير من الأسر.
ويضيف أن الأهالي باتوا يفضلون الابتعاد عن بعض الأراضي المفتوحة رغم حاجتهم إليها، نتيجة المخاوف من التعرض للمساءلة أو الاحتجاز أو إطلاق النار.
ويرى سكان أن هذه الظروف لا تؤثر فقط على الرعاة، بل تنعكس على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القرى الحدودية التي تعتمد بشكل كبير على الزراعة وتربية المواشي.










