يشكّل رفع قانون العقوبات الأميركي المعروف بـ”قيصر” محطة استثنائية في المسار الاقتصادي السوري، بعد سنوات طويلة من العزلة والضغط المالي والتجاري. ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التطور يحمل في طياته فرصة نادرة لإعادة إدماج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي، غير أنهم يتفقون في الوقت نفسه على أن القرار، رغم رمزيته السياسية وأهميته القانونية، لا يمثل بحد ذاته علاجاً للأزمة الاقتصادية العميقة التي تعاني منها البلاد منذ أكثر من عقد.
فبينما يفتح إلغاء القانون الباب أمام استئناف التعاملات التجارية والمصرفية وعودة الاستثمارات المحتملة، تبقى التحديات الداخلية من ضعف الإنتاج وتآكل البنية التحتية إلى الفساد والاختلالات النقدية، العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت مرحلة “ما بعد قيصر” ستتحول إلى نقطة انطلاق لتعافٍ فعلي، أم مجرد انفراج محدود الأثر.
ويأتي هذا التطور بعد تصويت مجلس النواب الأميركي بالأغلبية على إدراج إلغاء «قيصر» ضمن مشروع موازنة الدفاع الوطني لعام 2026، في خطوة أنهت رسمياً واحداً من أكثر أنظمة العقوبات تأثيراً على الاقتصاد السوري منذ فرضه عام 2019، والذي قيّد حركة التجارة والاستثمار والتحويلات المالية، وألقى بظلاله الثقيلة على حياة السوريين اليومية.
قيصر… أكثر من عقوبات مالية
خلال سنوات تطبيقه، لم يكن “قيصر” مجرد إطار قانوني للعقوبات، بل تحوّل إلى عامل ضاغط أعاد تشكيل بنية الاقتصاد السوري. فقد أدى إلى انسحاب الشركات الأجنبية، وتعطيل قنوات التمويل الدولية، ورفع كلفة الاستيراد، وتراجع القدرة الإنتاجية في قطاعات حيوية، ما انعكس بشكل مباشر على مستويات المعيشة وعمّق الفجوة بين الدخل والأسعار.
وغالباً ما جرى تحميل القانون مسؤولية الاختناق الاقتصادي، غير أن اقتصاديين يشيرون إلى أن العقوبات تفاعلت مع عوامل داخلية قائمة أصلاً، من ضعف الإدارة الاقتصادية وتراجع الاستثمار المحلي، لتنتج أزمة مركّبة لا يمكن حلها بقرار سياسي خارجي فقط.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد السوري بعد “قيصر” بلغة الأرقام – 963+
المواطن السوري… انتظار طويل لتحسن ملموس
على المستوى الشعبي، استقبل السوريون خبر رفع العقوبات بمزيج من الأمل والحذر. فالمواطن الذي عاش سنوات من الغلاء وتدهور الخدمات وانخفاض قيمة العملة، ينظر إلى القرار بوصفه بارقة أمل، لكنه يدرك في الوقت نفسه أن التحسن لن يكون فورياً، وأن انعكاساته على الأسعار والدخل قد تتأخر.
الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج يؤكد في تصريحات لـ”963+” أن “رفع العقوبات يشكّل فرصة سياسية واقتصادية، لكنه لا يحمل قيمة عملية ما لم يُستثمر داخلياً بإصلاحات حقيقية”.
ويشدد على أن الأولوية يجب أن تكون لإعادة هيكلة السياسة الاقتصادية، عبر تحديث القوانين الاستثمارية، وتحسين بيئة الأعمال، ومكافحة الفساد، وتعزيز دور المؤسسات المالية.
ويحذر السراج من أن الاعتماد على رفع العقوبات وحده “قد يؤدي إلى خيبة أمل شعبية”، موضحاً أن العقوبات لم تضعف الاقتصاد الرسمي فحسب، بل دفعت شريحة واسعة من السوريين إلى الاقتصاد الموازي والتهريب، ما خلق تشوهات عميقة في السوق. وبرأيه، فإن رفع القيود الخارجية يمنح فرصة لإعادة تنظيم الأسواق والحد من هذه الظواهر، لكنه يتطلب قرارات داخلية جريئة وقدراً من الاستقرار.
ويضيف أن أي خفض محتمل في تكلفة بعض السلع سيظهر على المدى المتوسط، وليس فوراً، في ظل استمرار البطالة وضعف القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات العامة التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
قطاعات قد تقود التعافي التدريجي
رغم التحفظات، يرى خبراء أن بعض القطاعات مرشحة للاستفادة المباشرة نسبياً من رفع العقوبات. ويأتي قطاع الطاقة في مقدمة هذه القطاعات، مع احتمالات بدء مشاورات مع شركات دولية لإعادة تأهيل حقول نفط وغاز متضررة، ورفع القيود عن استيراد المعدات والتقنيات اللازمة.
كما يُتوقع أن يشهد قطاعا الزراعة والصناعات الغذائية تحسناً تدريجياً، نتيجة تسهيل استيراد الأسمدة والبذور والمعدات، ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج المحلي ويخفف الضغط على الأسواق. ويُنظر إلى هذه القطاعات بوصفها رافعة محتملة للأمن الغذائي وفرص العمل، في حال جرى دعمها بسياسات حكومية واضحة.
وفي السياق ذاته، فإن عودة التعاملات المصرفية والتحويلات الدولية، ولو بشكل تدريجي، قد تسهم في زيادة تدفق العملة الصعبة، وتقليل الاعتماد على السوق السوداء، وخفض كلفة الاستيراد، ما يعيد بعض التوازن للأسواق المحلية.
اقرأ أيضاً: “قانون قيصر” بين متغيرات وتعقيدات الداخل السوري – 963+
رفع قيصر… خطوة كبرى لا تعني نهاية الأزمة
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد، في تصريحات لـ”963+”، أن رفع قانون قيصر “يشكّل لحظة تاريخية لفك العزلة الاقتصادية”، لكنه يحذر من التعامل معه بوصفه نهاية الأزمة. ويؤكد أن التعافي الحقيقي يتطلب إصلاحات مؤسسية عميقة، واستقراراً سياسياً، وبيئة مصرفية قادرة على الاندماج في النظام المالي العالمي.
ويوضح مراد أن إلغاء العقوبات يفتح المجال أمام عودة التجارة الخارجية، واستيراد المواد الخام والسلع الأساسية عبر القنوات الرسمية، إضافة إلى دخول شركات أجنبية في قطاعات البناء والطاقة والزراعة والنقل والبنى التحتية، فضلاً عن استثمارات عربية وأجنبية كانت مترددة سابقاً بسبب المخاطر القانونية.
ويشير إلى أن إعادة ربط المصارف السورية تدريجياً بالجهاز المالي الدولي قد تسهّل التحويلات التجارية، وتخفض كلفها، وتقلل الاعتماد على شبكات غير رسمية، غير أنه يحذر من أن هشاشة القطاع المصرفي الحالي وعدم استقرار سعر الصرف ما يزالان يشكلان عائقاً أمام جذب استثمارات واسعة النطاق.
وبرأيه، فإن ضعف البنية التحتية، نتيجة سنوات الحرب والدمار، يمثل تحدياً إضافياً، إذ يحتاج إلى استثمارات ضخمة وإطار قانوني ومؤسسي يضمن استدامتها.
قراءة نقدية أعمق للواقع الاقتصادي
الخبير الاقتصادي اللبناني يوسف كنعان يقدّم قراءة أكثر تشدداً، مشبهاً الواقع السوري بالتجربة اللبنانية، حيث يعتمد المواطن على أكثر من وظيفة وعلى التحويلات الخارجية، في ظل خدمات عامة متدهورة ودخل لا يغطي سوى الاحتياجات الأساسية.
ويقول كنعان لـ”963+” إن الاقتصاد السوري يعاني من ثلاث أزمات بنيوية متداخلة: ضعف الإنتاج، تآكل الطبقة الوسطى، وهجرة الكفاءات، مؤكداً أن الانفراج الإقليمي مهم، لكنه لن ينعكس على حياة الناس ما لم تُعالج هذه الاختلالات من الداخل.
ويحذر كنعان من الاعتقاد بأن رفع قيصر هو “العصا السحرية” لإنقاذ الاقتصاد، مشيراً إلى أن الفساد وسوء الإدارة لا يزالان العائق الأكبر أمام أي إصلاح أو جذب للاستثمار، إضافة إلى التضخم المرتفع وانخفاض قيمة الليرة، والبنية التحتية المدمرة التي تحتاج إلى موارد تفوق قدرات الدولة الحالية.
كما يربط كنعان أي تعافٍ اقتصادي مستدام بضرورة تحقيق استقرار سياسي ومصالحة وطنية شاملة، معتبراً أن المستثمرين لا يدخلون أسواقاً غير مستقرة، وأن أي انتعاش سيبقى جزئياً ومحدود الأثر ما لم تُقدَّم ضمانات حقيقية لحماية الاستثمارات وشفافية العقود.
ويجمع الخبراء على أن الاقتصاد السوري يقف اليوم أمام اختبار حاسم. فمرحلة “ما بعد قيصر” تفتح نافذة نادرة لكسر العزلة الاقتصادية وإعادة بناء الثقة، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم التحديات الداخلية التي لا يمكن تجاوزها بقرارات خارجية فقط.










