يعود الجدل مجدداً حول مستقبل “قانون قيصر” الذي فرض بموجبه عدة حزم من العقوبات على سوريا، حيث استهدف القانون بشكل مباشر بنية الدولة الاقتصادية ومفاصلها المالية، رغبة بدفع النظام المخلوع نحو تغيير سياسي شامل، وفي ظل مؤشرات سياسية متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي والانفتاح الديبلوماسي على الحكومة السورية الانتقالية ظهرت مؤشرات جديدة حول إمكانية إلغاء “قيصر”.
كما تطرح التحولات الإقليمية والدولية الراهنة تساؤلات جدية حول مدى صلاحية استمرار “قانون قيصر” بصيغته الحالية، فالمنطقة تشهد إعادة تموضع سياسي، وانفتاحاً ديبلوماسياً حذراً على دمشق، إضافة إلى تغير أولويات القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة، التي باتت تركز على ملفات عالمية أكثر إلحاحاً.
وتشكل هذه المتغيرات أرضية سياسية لإعادة تقييم القانون، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد داخل الأوساط الأميركية عن جدوى العقوبات الشاملة، ومدى فعاليتها في إحداث تغيير سياسي فعلي، في المقابل يؤكد معارضو أي تخفيف للعقوبات أن الشروط التي فُرض على أساسها “قانون قيصر” ما زالت قائمة، وفي مقدمتها غياب عملية سياسية حقيقية، واستمرار الانتهاكات، وعدم تحقيق تقدم ملموس في مسار الحل وفق القرارات الدولية.
منذ تطبيقه، ترك “قانون قيصر” آثاراً عميقة على الاقتصاد السوري، إذ أسهم في شل قطاعات حيوية كالتجارة والطاقة والمصارف، وقيّد قدرة البلاد على استيراد المواد الأساسية، حتى تلك المرتبطة بالقطاعات الخدمية والصحية، ورغم وجود استثناءات إنسانية على الورق، إلا أن الواقع العملي أظهر صعوبة تطبيقها بسبب الخوف من العقوبات الثانوية.
ويجمع اقتصاديون على أن استمرار العقوبات، في ظل بنية اقتصادية منهكة أصلاً بفعل الحرب والفساد وضعف الإنتاج، ساهم في تفاقم الأزمة المعيشية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور قيمة العملة المحلية، ومع ذلك يشير آخرون إلى أن رفع أو تخفيف قانون قيصر وحده لن يكون كافياً لتحسين الواقع المعيشي، ما لم يترافق مع إصلاحات داخلية عميقة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وضمان بيئة قانونية وإدارية وأمنية جاذبة للاستثمار.
ويبدو من الواجب الحذر المبالغة في التعويل على سيناريو الازدهار بعد إلغاء “قانون قيصر”، وأن الذي حدث في سوريا على مدار سنوات الحرب بات أزمة بنيوية، وأن العقوبات ليست سوى أحد عواملها، إلى جانب الفساد، وضعف الإدارة، وانقسام الجغرافيا الاقتصادية، وغياب الاستقرار السياسي والأمني، وعليه، فإن أي تحسن محتمل سيبقى هشاً ومحدود الأثر ما لم يُقترن بمسار سياسي واقتصادي متكامل.
اقرأ أيضاً: من العقاب إلى الاحتواء: ماذا يعني إلغاء “قيصر” لمسار سوريا السياسي؟ – 963+
الإشكالية في الشروط
يقول الدكتور أحمد الزين، كاتب ومحلل سياسي لبناني، إن إلغاء “قانون قيصر” بات مطروحاً بقوة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، وأن السؤال لم يعد محصوراً بإمكانية الإلغاء بحد ذاتها، بل بالشروط المفروضة والاعتبارات السياسية التي تحكم هذا المسار.
ويشير الزين في حديث لـ”963+”، إلى أن التحديات الإقليمية والتحولات التي تشهدها المنطقة تؤثر بشكل كبير على مقاربة ملف إلغاء “قانون قيصر”، وأن الدور السوري متوقع أن يعود إلى الواجهة من جديد في إطار ترتيبات إقليمية ودولية أوسع، إضافة إلى أن الزيارة أجراها الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب اللقاءات الأخرى التي يجريها في المنطقة، تشكل دليلاً واضحاً على حالة الانفتاح الدولي المتزايد تجاه سوريا.
ويضيف أن هذا الانفتاح الدولي، في حال استمر، من المرجح أن يفضي إلى إلغاء “قانون قيصر”، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على الواقع الاقتصادي في سوريا، سواء على مستوى الاستثمارات أو على مستوى تحسين الظروف المعيشية، غير أنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي خطوة من هذا النوع لن تتم من دون مقابل، وأن هناك مجموعة من الشروط التي وضعت في هذا السياق.
ويوضح الزين أن من أبرز هذه الشروط مطالبة الحكومة الأميركية بأن يكون للشركات الأميركية دور كبير وفاعل في عملية إعادة إعمار سوريا، وهو أمر يقول إنه بات واضحاً ومعلناً، وأن أحد الشروط الأساسية يتمثل في قطع إمدادات السلاح عن “حزب الله”، إلى جانب مطالب أخرى تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيقها ضمن أي تفاهم محتمل.
اقرأ أيضاً: رفع عقوبات “قيصر”.. إجراء إنساني أم مناورة سياسية؟ – 963+
براغماتية الشرع
يلفت الزين إلى أنه، بحسب المعطيات المتوفرة، فإن الشرع مرشح للسير في هذا الاتجاه، وأنه أثبت قدراً كبيراً من البراغماتية في التعامل مع الملفات السياسية الحساسة والمعقدة، وأن “قانون قيصر” في جوهره، يشكل أداة ضغط تستخدمها الولايات المتحدة لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية.
ويشدد الزين على أن هذه المكاسب التي ترغب واشنطن في تحقيقها تمتد من وقف إمدادات “حزب الله”، مروراً بملف إعادة الإعمار، وصولاً إلى الدفع باتجاه السلام مع إسرائيل، الذي يصفه بأنه أحد الشروط الثلاثة الأساسية المطروحة مقابل تخفيف الضغط الاقتصادي عن سوريا، ويتوقع أن يشهد هذا المسار تطورات ملموسة خلال عام 2026، مع احتمال تخفيف أو رفع القيود الاقتصادية المفروضة على دمشق في حال تلبية الشروط المطلوبة.
أما الدكتور أوس نزار درويش، الكاتب والباحث السياسي وأستاذ القانون في جامعة السلطان قابوس العمانية، فيرى أن النقاش الدائر حول رفع “قانون قيصر” لا يمكن فصله عن السياق السياسي والأمني العام في سوريا، وأن إلغاء القانون، في حال إقراره، سيبقى إجراء شكلياً ما لم يترافق مع حل سياسي شامل وبيئة آمنة ومستقرة.
ويوضح درويش في حديث لـ”963+”، إلى أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في مسألة إلغاء القانون من عدمه، بل في الشروط الموضوعية التي تتيح له إحداث أثر حقيقي على الأرض، وأن “قيصر” كان يركز بالدرجة الأولى على منع التحويلات البنكية والمصرفية، وأن هذه القيود جرى الالتفاف عليها سواء في المرحلة السابقة أو في المرحلة الحالية، كما ينص القانون على منع الاستثمارات وإعاقة مشاريع إعادة الإعمار، إلا أن هذه الجوانب، بحسب تعبيره، لا يمكن تفعيلها في ظل الظروف السياسية والأمنية القائمة حالياً.
ويشدد، على أن أي حديث عن استثمار أو إعادة إعمار يصطدم بغياب البيئة الآمنة والمستقرة، على اعتبار أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار السياسي والأمني قبل الدخول في أي مشاريع.
ويتابع درويش قائلاً إن المشهد السوري ما زال يشهد تطورات خطيرة، سواء لجهة أحداث العنف التي وقعت في الساحل السوري، أو في محافظة السويداء جنوبي البلاد، إضافة إلى التدهور الأمني ووجود حالات إرهاب متكررة، وأن هذه الوقائع تشكل مؤشراً خطيراً على انعدام البيئة الآمنة والمستقرة.
وتجعل هذه الظروف الحديث عن استثمارات أو مشاريع إعادة إعمار، سواء كانت استثمارات كبيرة أو متوسطة أمراً مستحيلاً، وأن إلغاء “قانون قيصر” يتطلب استيفاء شروط أساسية، في مقدمتها الوصول إلى حل سياسي شامل، وتوفير بيئة أمنية مستقرة، إضافة إلى الالتزام بالاتفاقات الموقعة، وفقاً لما يراه درويش.
ويضيف أن تطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس المبرم بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة الانتقالية يعد أحد الشروط الجوهرية لأي مسار جدي نحو إلغاء “قانون قيصر”، وأن هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق دون وجود بيئة آمنة ومستقرة، ودون حل سياسي حقيقي يراعي جميع مكونات الشعب السوري.
ويرى أن استمرار رفض إشراك المكونات السورية بإدارة البلاد يجعل من إلغاء “قانون قيصر” إجراء شكلياً لا أكثر، ولن ينعكس بأي شكل من الأشكال على حياة السوريين أو على الواقع الاقتصادي، ما لم يترافق مع حل سياسي يلبي تطلعات جميع المكونات.
ويخلص درويش إلى أن أي حديث عن استفادة السوريين من رفع القانون سيبقى نظرياً، ما لم يقترن بحل سياسي شامل، وبيئة أمنية مستقرة، ونظام حكم يضمن حقوق جميع المكونات، بعيداً عن الإملاءات الخارجية ومنظومات الفساد.










