رغم المحادثات المستمرة بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من جهة، والحكومة السورية الانتقالية من جهة أخرى منذ أشهر، والرعاية الأميركية والإقليمية لاتفاق العاشر من آذار/ مارس بين الجانبين، يبقى الاتفاق دون تطبيق كلي وتقدم ملموس، في ظل تحديات ومعوقات عديدة تعترض تنفيذه، ابتداءً من الجوانب العسكرية والأمنية وشكل الاندماج المطلوب، وصولاً إلى الجانب المؤسساتي والاتفاق على شكل الحكم وبنود الإعلان الدستوري وغيرها.
أي الملفات يشكل أولوية؟
تصر قوات سوريا الديموقراطية على ضرورة التنفيذ الكلي للبنود الثمانية للاتفاق الموقع بين قائدها العام الجنرال مظلوم عبدي، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في 10 آذار، من حيث الاعتراف بحقوق المكونات وتضمينها في الدستور وعودة المهجرين وغيرها، فيما ترى دمشق على ما يبدو من خلال تصريحات مسؤوليها، أن ملف دمج القوات الأمنية والعسكرية وحلحلة هذا الملف يجب أن يكون مقدماً على جميع الملفات الأخرى، وبين هذا الموقف وذاك يبقى الاتفاق يسير ببطء شديد، رغم الاجتماعات المتكررة بدمشق، وحضوره كملف أساسي خلال زيارة الشرع إلى واشنطن مطلع الشهر الجاري، ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي أحدث تصريحاته بشأن سير تطبيق اتفاق العاشر من آذار، قال قائد “قسد” في كلمة خلال منتدى الأمن والسلام بالشرق الأوسط الذي نظمته الجامعة الأميركية بمدينة دهوك بإقليم كردستان يوم الأربعاء الماضي، إنهم يأملون الانتهاء من تنفيذ الاتفاق بحلول نهاية العام الجاري، وأن هناك تقدماً كبيراً في دمج الملفات الأمنية والعسكرية، ولم يتبق سوى تفاصيل أخيرة قبل الإعلان الرسمي عنها بشكل مكتوب وخطي بين الطرفين، مشيراً إلى أن “مناطق شمال وشرق سوريا تمتلك الإرادة لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار”، مطالباً الحكومة الانتقالية بإبداء خطوات مماثلة.
وأوضح عبدي أن مرحلة الحوار الحالية تواجه معوقات كبيرة، أبرزها انعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار المخاطر على حيي الشيخ مقصود والاشرفية في حلب، إلى جانب إجراءات حكومية أقصت أطرافاً مختلفة، ما ولّد مخاوف إضافية، وكذلك عدم تحقق عودة المهجرين إلى ديارهم مثل مهرجي عفرين، معتبراً أن “سوريا لن تعود إلى النظام المركزي بعد كل ما جرى خلال 15 عاماً من الحرب، وأن هذه المسألة محسومة بالنسبة لشعوب شمال وشرق سوريا”
ومن جانبها، شددت الرئيسة المشاركة للجنة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلهام أحمد في جلسة حوارية خلال المندى، على أن “الحكومة السورية الانتقالية لم تبد أي خطوات عملية لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار، وأن أبرز العراقيل أمام تنفيذه جاءت من قبلها”، معتبرةً أن “أي عملية تفاوضية تحتاج إلى تواصل مستمر وإرادة جادة، وهو ما لم يظهر حتى الآن من جانب الحكومة”، داعيةً إلى ضرورة تعديل الإعلان الدستوري ليشكل أساساً لدستور دائم لسوريا المستقبل، ومشيرةً إلى أن “النقاشات مستمرة حول شكل الحكم في سوريا، سواءً كان مركزياً أو لامركزياً”، معتبرةً أن “الحكومة تتهرب من التغيير عبر الترويج لقانون الإدارة المحلية رقم 107”.
إطار أميركي تركي سوري لتنفيذ الاتفاق
وفي أعقاب زيارة الشرع إلى واشنطن، كشف المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك، أن اجتماع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع وزيري الخارجية التركي هاكان فيدان والسوري أسعد الشيباني خلال الزيارة، وضع إطاراً لدمج قوات سوريا الديموقراطية بالدولة السورية، وأفاد باراك في بيان على منصة “إكس“، أن جلسة محورية جمعت روبيو مع فيدان والشيباني في واشنطن، أعقبت لقاء ترامب والشرع، وضعت خريطة طريق للمرحلة التالية من الإطار الأميركي – التركي – السوري، وهي دمج “قسد” في الهيكل الاقتصادي والدفاعي والمدني الجديد لسوريا.
توقعات بانفراجة
وتعليقاً على المحادثات المستمرة بين الحكومة الانتقالية و”قسد” وحضور ملف دمج الأخيرة بالدولة السورية، يقول رئيس الهيئة السياسية في محافظة إدلب التابعة للحكومة أحمد بكرو لـ”963+”، إن “الديبلوماسية السورية تتجه نحو التركيز على الملفات الأساسية وحلها بشكل مدروس ضمن السياق الدولي والإقليمي، وتسعى دمشق إلى تبريد الملفات الساخنة من خلال تأجيل النقاط الخلافية لإيجاد نقاط توافق يبنى عليها وتكون أرضية مشتركة بمظلة دولية تضمن الاستمرار بالعمل، حيث تكون الأمور مشجعة لكل الأطراف وخادمة لمصالحها دون التضحية بما يتحقق من تقدم الأرض، لذلك فمن المتوقع حدوث انفتاح أكبر بين دمشق ومناطق شمال شرق سوريا، بشكل متواز بين الملفات وعلى رأسها الملف الأمني والسياسي”.
ويؤكد بكرو، أنه “بناءً على ما يجري من توافقات ولقاءات ضمن السياق الدولي والإقليمي وبرعاية أميركية، فإن هناك تطوراً في تطبيق اتفاق العاشر من آذار، وتبريد المواجهة سواءً سياسياً أو عسكرياً او إعلامياً، ولذلك فإن الأمور تتجه نحو الاعتدال ليستقيم الحل والوصول إلى إدارة لا مركزية تحافظ على وحدة سوريا وتمنع الصراعات وتوحد الجهود نحو الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي لإعادة المهجرين والنازحين وإعادة الإعمار، وهذه المطالب أصبحت تفرض نفسها على الجميع داخلياً وتلتف حولها المصالح الإقليمية والدولية”، معتبراً أن “دور قوات سوريا الديموقراطية في مكافحة الإرهاب بعد انضمام سوريا للتحالف الدولي أصبح مكملاً لدور الحكومة،
تحديات عديدة
ومن جانبه، يشدد المحلل السياسي كاميران دلو المقيم في ألمانيا، على أن “هناك العديد من التحديات والعوائق أمام تنفيذ اتفاق العاشر من آذار/ مارس الموقع بين قائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، ولكي ينجح لابد من حل العديد من الملفات على رأسها ملف المهجرين من عفرين ورأس والعين وتل أبيض وعودة الدولة السورية إلى هذه المناطق التي تسيطر عليها فصائل تابعة لتركيا وبسط سيطرتها هناك، وإمكانية حلحلة هذه الملفات”، معتبراً خلال تصريحات لـ”963+”، أن “النوايا الحسنة لدى مسؤولين في الطرفين لردم الهوة وتضييق الفجوة ليست كافية لإنجاح الاتفاق”.
ويؤكد دلو، على أن “الحكومة السورية مطالبة بتقديم ضمانات حقيقية بشأن العديد من الملفات بما في ذلك عودة المهجرين، إلى جانب وجود ملف مهم بحاجة إلى حل يتعلق بتوزيع الثروات بين المركز والأطراف، وعليه فإن إنجاح الاتفاق يعتبر صعب ومعقد ويحتاح إلى خطوات حقيقية خاصةً من طرف الحكومة من حيث الشراكة السياسية الحقيقية لجميع مكونات الشعب السوري، وأن يكون الحوار والقرار سورياً بعيداً عن أي تدخلات خارجية سواءً تركية أو غيرها
وفيما أعلنت وزارة الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية بعد زيارة الشرع إلى واشنطن، أن اجتماع الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحث المضي في تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، بما يشمل دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن صفوف الجيش، قال القائد العام لـ”قسد” الجنرال مظلوم عبدي، إنه بحث مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك نتائج لقاء الرئيس السوري الانتقالي مع الرئيس الأميركي، وأكد أن قواته ملتزمة بتسريع عملية الدمج مع الحكومة السورية، معتبراً أن انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد “داعش” خطوة محورية لتعزيز جهود تحقيق الهزيمة الدائمة للتنظيم.
ويوضح الناشط والكاتب السياسي علي السويد المقيم في الكويت، أن “المؤشرات لا تشي بتنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة الانتقالية، لأن الأهداف تختلف حيث تريد تركيا تفكيك قسد وإنهاء وجودها فيما ترفض الأخيرة ذلك، وتربط اندماجها بالدولة السورية بحزمة من التغييرات الجذرية في الإعلان الدستوري وشكل الدولة القادم”، مشيراً لـ”963+”، إلى أن “زيارة الشرع إلى واشنطن وضعته تحت المجهر بحيث أصبح مطالباً بوضوح أشد بتنفيذ عدة مطالب على رأسها إنهاء حالة اللادولة في سوريا وبذلك كل ما يلزم لتوحيد البلاد”.
ولا يرى السويد، أن “الأمور تتجه إلى الحلحلة بل على العكس تماماً، حيث حدثت بعض المناوشات العسكرية الجانبية بين قوات الحكومة الانتقالية وقسد عدة مرات، ومرجع تعرقل تنفيذ الاتفاق راجع إلى رفض الحكومة الانتقالية المدعومة من تركيا الاستجابة لمطالب السوريين بإعادة تشكيل دولتهم بالشكل الذي يرضيهم”، معتبراً أن “إشراك الحكومة بالحرب ضد الإرهاب هو استخباراتي بحت”.
وتترافق المحادثات بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة الانتقالية مع اشتباكات ومناوشات متقطعة بين فترة وأخرى على بعض محاور التماس، حيث أعلنت “قسد” الأسبوع الماضي عن إصابة ثلاثة من عناصرها في اشتباكات مع وحدات وزارة الدفاع على محور قرية غانم العلي بريف الرقة شرقي البلاد،، وقالت إن عناصر وزارة الدفاع استهدفوا نقاطها بالطائرات المسيرة والأسلحة الثقيلة.
ورغم التباطؤ في تنفيذ اتفاق العاشر من آذار والاشتباكات المتقطعة بين الجانبين، يؤمل في الأوساط السورية أن يتم الوصول لعملية الدمج المرجوة وتطبيق بنود الاتفاق، في ظل التصريحات المتكررة من الطرفين بأهمية الحوار للوصول إلى حلول وتفاهمات لأي مشكلات عالقة، ورفض الاحتكام للعمليات العسكرية والعنف.










