تتصاعد في الشرق الأوسط التوترات الأمنية والعسكرية، مدفوعةً بجملة من التحولات الإقليمية والدولية التي تعيد رسم خريطة الاصطفافات والتحالفات التقليدية.
وتقف المنطقة أمام مرحلة جديدة تتشكّل ملامحها عبر سلسلة تصريحات متزامنة من واشنطن وتل أبيب ودمشق وبيروت، تشير جميعها إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك وضبط حدود النفوذ. فالولايات المتحدة تدعو إلى “إعادة ضبط” العلاقات الإقليمية ومنع التصعيد بين سوريا وإسرائيل، مع مراقبة التحركات الإيرانية وحلفائها. وفي الاتجاه نفسه، تؤكد إسرائيل أنها ماضية في استراتيجية الضربات الوقائية لمنع أي تهديد من الأراضي السورية، مع التشديد على أن هدفها ليس إشعال حرب شاملة بل منع التمركز العسكري قرب حدودها الشمالية.
في المقابل، ركّزت دمشق على خفض التوتر وتجنب المواجهات، معتبرة أن الأولوية هي الاستقرار الداخلي والانفتاح الديبلوماسي وإعادة الإعمار، مع التأكيد أن أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل سيكون عبر القنوات السياسية فقط. أما لبنان، فشدّد مسؤولوه على ضرورة تجنّب الانزلاق إلى صراع مفتوح وحماية الساحة الداخلية، رغم التعقيدات المرتبطة بسلاح حزب الله والانقسامات الداخلية.
اقرأ أيضاً: اتفاق وقف النار على المحكّ: صراع النفوذ يعيد لبنان إلى دائرة الخطر
إسرائيل تستثمر
يقول البروفيسور حسين الديك، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشأن الإسرائيلي والمقيم في القدس، لـ”963+” إن الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة تُعدّ “نوعاً من الردع الاستراتيجي وإظهار القوة”، وذلك في سياق التحركات الإسرائيلية المرتبطة بتحركات “حزب الله” عبر الأراضي السورية.
ويوضح الديك أن “هذا الملف حُسم سابقاً، وأن الواقع على الأرض بعد سقوط النظام السوري السابق أصبح مختلفاً تماماً، ولم يعد يشبه المرحلة السابقة”.
ويضيف أن المبررات التي تطرحها إسرائيل حول تحركات حزب الله قد تكون مجرد ذريعة لتبرير الوجود والتحركات العسكرية الإسرائيلية، في إطار “الحصول على مكاسب تمكّنها من التخطيط لوجود دائم في تلك المناطق داخل الأراضي السورية”، وفرض سياسة الأمر الواقع.
ويشير إلى أن إسرائيل قد تستغل هذا الوجود كورقة في أي مفاوضات مقبلة مع سوريا، “كونها دائماً تبحث عن الذرائع وتسعى إلى فرض الأمر الواقع”.
كما يلفت إلى أن إسرائيل باتت تعمل وفق استراتيجية “الحرب الوقائية”، أي القتال من داخل أرض العدو وليس من داخل أراضيها، وهو ما ينعكس في سلوكها تجاه دمشق وبيروت.
ويضيف أن التحركات الإسرائيلية تحمل أيضاً رسالة ضغط للحكومة اللبنانية بهدف دفعها لممارسة المزيد من الضغط على حزب الله وسلاحه، سواء في الجنوب أو في الشمال.
وفيما يتعلق بالتقارير التي تفيد بأن الحكومة السورية تغض الطرف عن هذه التحركات، يقول الديك إن سوريا تردّ عبر علاقتها المباشرة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى “الجولات المستمرة للمبعوث الأميركي في المنطقة ودمشق، والتي توّجت بزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة إلى واشنطن”. وكشف أن تسريبات في الإعلام الأميركي تحدثت عن أن “الاتفاق بين دمشق وتل أبيب جاهز ولم يبقَ سوى الإعلان عنه”.
ويعتبر أن هذه التقارير تُستخدم للضغط على دمشق بهدف دفعها لتقديم مزيد من التنازلات في الاتفاق مع تل أبيب. ويؤكد أن سوريا “انتقلت من موقع جيوسياسي واستراتيجي سابق، كان محسوباً على إيران وروسيا، إلى موقع استراتيجي وتحالف سياسي حقيقي مع الإدارة الأمريكية والغرب”، خاصة بعد انضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربة “داعش “كالدولة رقم 90 في هذا التحالف، وهو ما وصفه بـ”نقلة استراتيجية وتغيير حقيقي في ميزان القوى”.
ويضيف الديك أن “المواجهة بين دمشق وتل أبيب مستبعدة وبعيدة تماماً”، لأن سوريا غير مستعدة للدخول في أي نزاع داخلي أو إقليمي، وتفتقر إلى الجاهزية اللوجستية والعسكرية والسياسية لأي حرب، إضافة إلى نجاح الولايات المتحدة في “ضبط الإيقاع المزدوج بين دمشق وتل أبيب تمهيداً لاتفاق قد يُعلن قريباً” بعد زيارة الشرع وما نتج عنها من لقاءات في واشنطن، وما تبعها من مؤشرات أمريكية حول رفع العقوبات وإلغاء قانون قيصر.
اقرأ أيضاً: اتفاق غزة على المحك: عوائق سياسية ولوجستية تعرقل مسار السلام الهش
الاعتداءات الإسرائيلية تخدم أذرع إيران
يقول الباحث والمحلل السياسي عباس شريفة، المقيم في دمشق، لـ”963+” إنه لا يعتقد أن من مصلحة “حزب الله” الدخول في حرب داخل سوريا، وأن تحركاته الميدانية هناك لا تصب في هذا الاتجاه. وأوضح أن إسرائيل “تبحث دائماً عن ذرائع للاعتداء على سوريا أو بيروت”.
ويشير إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا استمرت حتى بعد تغيّر النظام، ومع انسحاب “حزب الله” من بعض المناطق، بل إن “التحركات الإسرائيلية تصب في نهاية المطاف في مصلحة ‘حزب الله’ والمحور الإيراني، لأنها تخلق فراغات أمنية يُمكن للطرفين استغلالها لتنشيط طرق تهريب السلاح عبر سوريا، مستفيدين من الهشاشة الأمنية الناتجة عن الغارات الإسرائيلية”.
وفي ما يتعلق بالسؤال حول تهريب السلاح من سوريا إلى لبنان، نفى شريفة أن يكون هناك تهريب منظم أو كبير، قائلاً: “إذا كان السلاح يأتي إلى سوريا من العراق مثلاً، فإن افتراض أن مسار التهريب الطويل هذا مستمر دون عوائق هو افتراض غير صحيح”.
ويؤكد أن تهريب سلاح فردي ممكن، لكن تهريب سلاح ثقيل أو نوعي عبر الأراضي السورية “غير دقيق”، خاصة بعد انتشار الجيش السوري بأكثر من فرقتين عسكريتين على الحدود السورية–اللبنانية.
ويضيف: “رغم ذلك، فإن ضعف الأدوات والتسليح لدى الجيش السوري قد يخلق بعض الثغرات الأمنية، وهذه مسألة موجودة حتى في الدول المتطورة”.
ويشير شريفة إلى وجود “تجميد لعملية الاشتباك بين سوريا وإسرائيل”، خصوصاً مع الضغوط الأمريكية المتزايدة على تل أبيب للحد من الاعتداء على سوريا، والدفع نحو توقيع اتفاق أمني.
ويؤكد أن سوريا “ليست في وارد الدخول في مواجهة مع إسرائيل في هذا التوقيت، خاصة بعد زيارة الرئيس الشرع إلى الولايات المتحدة ودخول سوريا في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، والدفع باتجاه إبرام اتفاق أمني”.
وفيما يتعلق بالوضع في لبنان، يقول شريفة إن الإجابة على هذا السؤال “يتولاها اللبنانيون أنفسهم”، مؤكداً أن لبنان “لم يستطع حتى الآن تحقيق توازن بين الالتزام بقرارات الأمم المتحدة والضغوط الإسرائيلية”.
ويضيف أن “تحكم حزب الله بالميدان وعجز الدولة اللبنانية عن نزع سلاحه” يجعل سيناريو الحرب هو “السيناريو الأكثر ترجيحاً”.










