يشهد لبنان حالة من الارتباك السياسي والأمني على خلفية الشروع في تنفيذ بندٍ أساسي من اتفاق وقف إطلاق النار، القاضي بنزع السلاح غير الشرعي، وإحكام قبضة الدولة واحتكارها للسلاح داخل البلاد. فبينما أُقِرّ الاتفاق رسميًا في شهرَي أكتوبر/تشرين الثاني الماضيين، وصدرت عنه مواقف حكومية ورئاسية تُعلن الالتزام به، اصطدمت خريطة التنفيذ بتناقضات الواقع وتبايناته، سواء على المستوى السياسي بين القوى المحلية، أو في تقاطع المصالح والرؤى فيما بينها، الأمر الذي أفرز فراغًا بين القرار وآليات التنفيذ.
في هذا السياق، دعا الموفد الأميركي إلى الشرق الأوسط، توم باراك، السبت الماضي، لبنان إلى الانخراط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على خلفية تصاعد التوترات الحدودية وتكثيف الغارات الإسرائيلية على مواقع “حزب الله” في الجنوب، بعد مرور نحو عام على اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال باراك، في تصريحات للصحفيين على هامش منتدى “حوار المنامة” الذي ينظمه المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في البحرين، إن: “الحوار يجب أن يكون مع إسرائيل، فقط مع إسرائيل، وإسرائيل مستعدة… اسلكوا هذا الطريق إلى إسرائيل وأجروا محادثة، فهذا لن يضرّ”.
وأوضح الموفد الأميركي أن القادة اللبنانيين “متوترون بحق” إزاء فكرة المفاوضات المباشرة، بسبب “البيئة الخطيرة” التي تعيشها البلاد، لكنه شدّد على أن واشنطن “ستساعد وتضغط على إسرائيل لتكون معقولة إذا قرر لبنان المضي في هذا المسار”.
وأضاف أن بلاده ترى أن لبنان يعيش أزمة عميقة، في تصريحات تعكس استياء واشنطن من “شلل الحكومة اللبنانية” في التعامل مع ملف سلاح “حزب الله”.
وتابع باراك، بلهجة لافتة، قائلاً: “إنها الدولة الوحيدة في المنطقة التي لا تصطف مع التحولات الجديدة في الشرق الأوسط”.
وأضاف: “الدولة هي حزب الله”، مشيراً إلى أن الجماعة المدعومة من إيران تؤمّن لمناصريها ومقاتليها ما تعجز الدولة اللبنانية عن توفيره، في بلد تعاني فيه الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه من ضعف مزمن.
وشدد باراك على أن الولايات المتحدة لن تتدخل في النزاعات الإقليمية، لكنها ستدعم حليفتها إسرائيل إذا صعّدت عملياتها تجاه لبنان.
واختتم مؤكداً أن على القيادة اللبنانية التحرك بوتيرة أسرع لحصر سلاح “حزب الله”، داعيًا اللبنانيين إلى “الالتحاق بركب المفاوضات والحفاظ على حدودهم”.
اقرأ أيضاً: برعاية عربية.. مبادرة مصرية لتسوية الأزمة في لبنان – 963+
وهم القوة
من جانبه، يرى الكاتب اللبناني حنا صالح، في حديثه لـ”963+”، أن الأمين العام السابق لـ”حزب الله”، حسن نصرالله، ظلّ خلال حرب الإسناد متمسكاً بقناعة راسخة مفادها أن “إسرائيل لن توسّع نطاق الحرب على لبنان”. لكن هذه القناعة – برأي صالح – “كشفت عجز حزب الله، ومن خلفه النظام الإيراني، عن قراءة التحوّل الكبير الذي طرأ على الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر”.
ويبدو الحزب اليوم – من خلال مواقفه وتصريحات مسؤوليه – “مطمئناً إلى التقارير الغربية والإسرائيلية التي تضخّم قوته وتبالغ في صورته، مصدقًا ما تروّجه تلك التقارير، في سياق سعيه إلى خداع بيئته الداخلية”.
ويشير صالح إلى أن هذه القناعة الزائفة تُترجم في حالة من الاتكال المريح على فرضية أن ما يعدّ له بنيامين نتنياهو مجرد تهويل سياسي، وأن الحرب مستبعدة. فها هو الشيخ نعيم قاسم يصرّح قائلاً إن “التهويل لن يغيّر مواقفنا من المقاومة والصمود”، من دون أن يوضح ما المقصود بالصمود، أو ما هي المقاومة التي يمكن ممارستها في ظل العجز القائم. ثم يعود ليؤكد: “لسنا من دعاة الاستسلام والانهزام”، متوجهاً إلى جمهوره بخطاب عاطفي يكرّر فيه مقولات “العزة والكرامة”، قبل أن يضيف أن “إسرائيل لا تستطيع أن تستمر في احتلالها”.
الواقع اليوم، وبعد حربي “المشاغلة” و”الإسناد”، يتمثل في عودة إسرائيل فعلياً إلى الجنوب، حيث يشهد لبنان تعديات متكررة وقتلاً مجانياً واستهدافاً مباشراً لعناصر الحزب، وسط عجز كامل عن الدفاع. وتواصل الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التحليق من سماء الجنوب إلى البقاع وبيروت، حتى فوق السراي الحكومي ومحيط قصر بعبدا، في مشهد يؤكد أن لبنان يعيش واقعاً أمنياً جديداً بات فيه صاحب الأرض ينتظر موافقة العدو ليقطف موسم الزيتون.
ويشدد صالح على أن السلاح غير الشرعي استدرج إسرائيل إلى لبنان بعدما دمّر الدولة ومؤسساتها، وأن ما وصل إليه البلد من انهيار ما كان ليحدث لولا تواطؤ الطبقة السياسية المتحالفة مع “حزب الله” ضمن منظومة الفساد والنهب.
ورغم اتساع الحديث عن المسؤوليات والمحاسبة، يؤكد الكاتب أن لا أولوية اليوم تفوق أولوية حصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية، وهو المبدأ الذي وافق عليه حزب الله نفسه في اتفاق وقف النار الأخير.
ويضيف أن لبنان، في سعيه لتحرير أرضه، لا يملك سوى الخيار الديبلوماسي المسؤول القائم على قرار واضح بالخروج من الحرب، والتكاتف مع المجموعة العربية والدولية حول حلّ الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو الحل الذي بات يحظى باعتراف متزايد في الشرق والغرب، مع تحوّل تدريجي في الموقف الأميركي نحو تأييده.
ويرى صالح أن هذا المسار يتناقض تماماً مع الإصرار على إبقاء الوضع الراهن: دولة معلّقة، ومقاومة صوتية، وسلاح فقد قيمته، لأن أي محاولة لإبقاء الأمور على ما هي عليه تصبّ في مصلحة استمرار الاحتلال وإطالة أمده.
وفي ختام حديثه، يشير صالح إلى أن رئيس الجمهورية أعلن أن لبنان ينتظر رداً أميركياً على مبادرة التفاوض، لكن لا مؤشرات حتى اللحظة على تجاوب إسرائيل مع ما طرحته بيروت، رغم موافقتها على الطلب الأميركي بتوسيع إطار لجنة “الميكانيزم” لتضمّ سياسيين، في خطوة نحو مشروع بناء الدولة الحقيقية عبر سحب السلاح غير الشرعي، تطبيقاً للدستور واتفاق الطائف، والمضي في إصلاح فعلي يضع حداً لقبضة المافيا التي تتحكم بمصير البلد.
في الوقت نفسه، ترتفع مؤشرات التهديدات الإقليمية، إذ تُظهر إسرائيل دلائل متزايدة على ارتفاع احتمالات استمرار حزب الله في إعادة تشكيل بنيته العسكرية بعيداً عن سلطة الدولة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات من “السيولة الميدانية” على مسرح الأحداث في لبنان.
اقرأ أيضاً: إسرائيل: “حزب الله” مستمر بتهريب السلاح من سوريا – 963+
خيارات المرحلة
من جانبه، يطرح اللواء أركان حرب سيد غنيم تصوراته لخيارات “حزب الله” خلال المرحلة المقبلة، مستعرضاً عدداً من السيناريوهات المحتملة على المستويين العسكري والسياسي في ضوء التعقيدات الأمنية الراهنة.
ويرى غنيم، في حديثه لـ”963+”، أن أمام “حزب الله” ثلاثة سيناريوهات عسكرية مباشرة ترتبط بعوامل الحرب والتصعيد: “أن يبادر الحزب إلى تسليم سلاحه للدولة اللبنانية طوعاً، في خطوة تُعد تنازلاً استراتيجياً يعيد للدولة هيبتها ويفتح باب الثقة مع المجتمع الدولي، إلا أن هذا الخيار يظل ضعيف الاحتمال في المدى القريب. أن يستغل الحزب عامل الوقت، ساعياً إلى كسب المزيد منه عبر المناورة السياسية والإعلامية، ليحتفظ بسلاحه بانتظار تغيّر موازين القوى أو بلورة تسويات إقليمية جديدة. أن يلجأ إلى مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، رفضاً للإقرار بالهزيمة، وسعياً لإعادة صياغة عقيدته القتالية واستعادة ما يسميه “رد الاعتبار”، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على لبنان ككل”.
وعلى الصعيدين السياسي والأمني، يعرض اللواء غنيم أربعة مسارات متداخلة يمكن أن تحدد مستقبل العلاقة بين “حزب الله” والدولة اللبنانية: “الأول: استمرار الوضع الراهن مع تغييرات محدودة، حيث يحتفظ الحزب بسلاحه ونفوذه مقابل تنازلات شكلية، وقد تُفتح حوارات حول نزع السلاح دون تنفيذ فعلي، مما يبقي التوازن هشًا بين الدولة والحزب ويُبقي احتمالات التصعيد قائمة. والمسار الثاني: الاندماج التدريجي في الدولة اللبنانية، حيث يتحول الحزب إلى فاعل سياسي أكثر منه عسكريًا، ويقبل بتقليص دوره المسلح مقابل شرعية سياسية ودعم لإعادة الإعمار. ويتطلب ذلك دولة قوية واستقراراً إقليميًا وضمانات خارجية، لكنه يصطدم بهوية الحزب العقائدية كـ”حركة مقاومة” وارتباطه المستمر بالدعم الإيراني”.
وتابع: “المسار الثالث: “تجدد الصراع والتصعيد، في حال اندلاع مواجهة واسعة بين حزب الله وإسرائيل وربما أطراف إقليمية أخرى، ما قد يؤدي إلى انهيار داخلي خطير وتدهور اقتصادي وإنساني، واحتمال انزلاق لبنان إلى الفوضى إذا حاولت الدولة نزع سلاح الحزب بالقوة. والرابع: نزع سلاح جزئي أو انتقال تحت السيطرة، بحيث يتخلى الحزب عن جزء من ترسانته أو يجمّد توسعها ضمن اتفاق إقليمي أو بإشراف دولي، مقابل ضمانات سياسية واقتصادية تشمل دعم إعادة الإعمار وتعزيز دور الجيش اللبناني”.
ويخلص اللواء سيد غنيم إلى أن المسار الأقرب للتحقق في المدى القريب هو مزيج بين السيناريوهين الأول والرابع، أي استمرار الوضع الراهن مع تقديم تنازلات محدودة قيد التفاوض، دون الوصول إلى نزع سلاح شامل أو اندلاع حرب كبرى.فالظروف الداخلية الصعبة، إلى جانب الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة، تجعل الخيار العسكري مكلفاً ومفتوحاً على مخاطر جمّة، بينما تبقى التسويات الجزئية والمناورات السياسية أكثر واقعية في المرحلة الحالية التي يمر بها لبنان والمنطقة.
ومن تحليل الموقفين الإقليمي والدولي، يتضح أن على لبنان أن يُدرك خطورة الانزلاق إلى مواجهة جديدة، الأمر الذي يستوجب موقفاً واضحاً من السلطات اللبنانية كافة، لقطع الطريق على التصعيد المقبل وحماية الدولة والمجتمع.
اقرأ أيضاً: غارات وتوغل بري.. قتيل بنيران إسرائيلية جنوبي لبنان – 963+
تحذير عسكري
بدوره، قال العميد الركن خالد حمادة لـ”963+” إنّه من الضروري استعراض جميع الخطوات التي قامت بها الدولة اللبنانية، مشيراً إلى أنّ الحكومة السابقة كانت قد وافقت على هذا الاتفاق الذي وقّعه عن الجانب اللبناني دولة الرئيس نبيه بري.
وأوضح الخبير اللبناني أنّ نص الاتفاق يؤكد التزام الدولة اللبنانية بعدم وجود أي سلاح غير شرعي في أي منطقة من لبنان، وأن يبقى السلاح حصرًا في يد المؤسسات الأمنية الشرعية.
وأضاف أنّه بعد تشكيل الحكومة الجديدة وانتخاب رئيس الجمهورية، جاء خطاب القسم والبيان الوزاري ليؤكدا الالتزام التام ببنود الاتفاق، كما وضعت قيادة الجيش خطة ميدانية لتنفيذه.
وبيّن حمادة أنّ المرحلة اللاحقة شهدت تباينًا في المواقف السياسية، إذ تمسّك “حزب الله” بسلاحه بدفعٍ واضحٍ من إيران، ما أدى إلى انقسام سياسي داخلي بين فريقٍ يرفض تسليم السلاح (يضمّ رئيس الجمهورية والرئيس نبيه بري وحزب الله)، وفريقٍ آخر يرى وجوب تنفيذ القرار بالكامل.
وأشار إلى أنّ هذا الانقسام أدخل القرار السياسي اللبناني في حالة من الارتباك، حيث بدا أنّ قرار الحكومة شيء، وما يُنفذ على الأرض شيء آخر، رغم أن خطة الجيش تنصّ على استلام السلاح جنوب نهر الليطاني واتخاذ إجراءات لمنع تحريكه شمالاً.
وأكد العميد حمادة أنّ تعثّر التنفيذ يعود إلى تشابك المصالح السياسية، لافتاً إلى أنّ هذا المحور السياسي يسعى إلى الالتفاف على القرار، بالرغم من المخاطر المحدقة بلبنان، وبالرغم من الوساطات العربية والدولية التي توجّه نصائحها يوميًا لتجنّب الانزلاق إلى المجهول.
وأضاف أنّ بعض الأطراف تلوّح من حينٍ إلى آخر بعناوين تهديدية، كإثارة موضوع الحرب الأهلية أو الادعاء بأنّ نزع السلاح بالقوة سيهدد الاستقرار الداخلي، وهي عناوين تُستخدم لتبرير بقاء السلاح خارج سلطة الدولة.
وشدّد حمادة على أنّ هناك أكثرية لبنانية ساحقة، شعبية وسياسية، تطالب بإنهاء ملف السلاح غير الشرعي وتسليمه إلى الدولة اللبنانية، ورفض استمرار وجود أي بنية عسكرية مستقلة داخل البلاد، مؤكّداً أنّ هذا مطلب وطني بحت قبل أن يكون استجابة لأي ضغوط أو تسويات خارجية.
وحذّر من أنّ التهديد الإسرائيلي جدي للغاية، مشيراً إلى أنّ النموذج الذي طُبّق في غزة قد يُعاد تطبيقه في لبنان عبر استخدام القوة المفرطة والتدمير الواسع لإرغام الدولة اللبنانية على تنفيذ الاتفاق.
وأوضح أنّ المؤشرات الميدانية والتصريحات السياسية والوساطات المتكرّرة تؤكد خطورة المرحلة المقبلة، سواء على الصعيد الأمني أو السياسي.
وختم العميد الركن خالد حمادة تصريحه قائلاً: “إنّ إسرائيل تبدو جادّة في هذا الملف، ولا خيار أمام الدولة اللبنانية سوى الالتزام الكامل بالاتفاقات الدولية، أياً تكن التحديات والتضحيات. فلا يمكن للبنان أن يغامر بمستقبله من أجل الإبقاء على سلاح حزب الله، سواء لاستثماره في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة أو في تشكيل محاور سياسية جديدة. نحن أمام مرحلة بالغة الخطورة، ولا مفرّ للبنان من تطبيق التزاماته الدولية، وإلا فإنّ البلاد مقبلة على تصعيدٍ مفتوحٍ لا يُعرف مداه ولا توقيته”.










