وصلت المفاوضات الأمنية بين سوريا وإسرائيل إلى جمود واضح، وفق تقارير إعلامية إسرائيلية وسورية، بسبب تمسك دمشق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب والجولان، مقابل إصرار تل أبيب على ربط أي انسحاب بمعاهدة سلام شاملة لا تبدو قريبة. وفيما تدعم الولايات المتحدة اتصالات أمنية محدودة بين الطرفين لإحياء بعض بنود اتفاق فصل القوات لعام 1974، تؤكد إسرائيل أنها لن تتفاوض على مصير الجولان، بينما تعتبر دمشق الحديث عن سلام شامل سابقاً لأوانه دون انسحاب كامل والتزام بالاتفاقات السابقة.
في المقابل، تواصل الحكومة السورية الانتقالية، عبر وسطاء، محادثات غير مباشرة تهدف إلى خفض التوتر في الجنوب، لكن دون تقدم في ملف الانسحاب. وتشير مختلف المصادر إلى أن جوهر الخلاف يكمن في تباين أهداف الطرفين: سوريا تريد استعادة أراضيها وسيادتها، وإسرائيل تسعى لترتيبات أمنية أو تطبيع محدود من دون تقديم تنازلات استراتيجية. هذا التباين يعمّق حالة الجمود، ويجعل أي خطوة لاحقة رهناً بشروط سياسية وأمنية معقدة تتجاوز مجرد ترتيبات ميدانية.
اقرأ أيضاً: قصف صاروخي بدمشق.. واقع أمني هش ورسائل عسكرية وسياسية
الإشكالات الجوهرية في مسار التفاوض
يقول الدكتور محمد عباس، الباحث والخبير العسكري المقيم في دمشق، لـ”963+”: “الخلافات الجوهرية في طبيعة التفاوض بين سوريا وإسرائيل قد تم تجاوزها، ولا سيما أن أهم نقطة خلافية تتعلق بالسؤال: هل تكون سوريا مصدر عدالة لإسرائيل؟ القيادة السورية تؤكد أنها لن تكون مصدراً لأي من دول الجوار، وبالتالي إذا كان هذا أحد عناصر الاختلاف الجوهرية، فيبدو أنه قد تم تجاوزه”.
ويشير عباس إلى أن طبيعة تشابك العلاقة تبقى مطروحة للنقاش، ويتساءل: هل يمكن لسوريا أن تتنازل عن الجولان بشكل معلن؟ وأن تتنازل عن سيادتها على جبل الشيخ بشكل واضح؟ وما حجم هذا التنازل؟ وما الثمن الذي يمكن أن تقبضه سوريا مقابل التنازل عن الجولان أو جبل الشيخ؟
ويؤكد: “الشعب السوري لن يتنازل بهذه البساطة عن أرضه وعن حقه التاريخي في الجغرافيا والأرض. وبالتالي فإن هذه مسألة جوهرية وهامة وحساسة تستحق أن يقف عندها المفاوض السوري. ويستمد المفاوض السوري عناصر قوته من الدعم الشعبي، الذي سيكون إلى جانبه. لكن يبقى السؤال: هل يتجرأ المفاوض السوري على تقديم تنازل جوهري أو توقيع صك التنازل لإسرائيل عن هذه الأرض؟ أعتقد أنها مسألة بالغة التعقيد من حيث المبدأ”.
ويتابع موضحاً: “فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية، ستكون قد أصبحت أكثر وضوحاً، لا سيما أن الطرفين يعملان على إنجاز ترتيبات أمنية تؤسس لعلاقات لاحقة بين سوريا وإسرائيل وتنهي هذا الصراع القائم منذ عقود طويلة”.
ويلفت إلى أنه “فيما يتعلق بالسيادة، لا توجد سيادة مطلقة لأي دولة في العالم. السيادة علاقة نسبية تمتلكها الدول والشعوب، والسيادة المطلقة غير متاحة. وتشابك العلاقات والمصالح يفرض على الدول تقديم تنازلات متبادلة، وهذا أمر طبيعي. ويبقى حجم ومستوى التنازل خاضعاً لطاولة التفاوض وأوراق القوة التي يمتلكها كل طرف في مواجهة الآخر”.
ويوضح أن مطالب دمشق حددتها القيادة السورية وتكررها باستمرار القيادات السياسية والعسكرية: السعي لتحقيق الأمن والأمان والاستقرار، والتطلع إلى إعادة الإعمار والبناء، وأن تكون الدولة السورية الخارجة من الحرب جزءاً من الأمن والاستقرار الإقليميين، مع التعاون مع دول الجوار فيما يتعلق بالمسائل الأمنية المشتركة. وكما قال سابقاً، فإن التنازلات الخطيرة في السيادة قد تكون مقبولة عندما يتحقق الأمن المستدام، وقد تشكل صمام أمان لاكتساب عناصر قوة لاحقة عبر علاقات تفاوضية بدل الصراعية.
ويشرح عباس أن الوصول إلى مبدأ “رابح – رابح” بين الطرفين يعد ضرورة، إذ يربح الطرفان دون أن تكون المكاسب على حساب أحدهما. ويضيف أن رؤية سوريا للسلام لا تقتصر على ترتيبات أمنية مؤقتة، بل إن سوريا – بحسب تصريحات القيادة السياسية – جاهزة لتنفيذ إجراءات سلام واضحة ومستعدة للسير في طريق السلام إلى أبعد الحدود، بما يشير إلى استعدادها لتوقيع معاهدة سلام تستعيد من خلالها حقوقها وأرضها وسيادتها. ويؤكد أن الداخل السوري سيقبل بتحقيق السلام وعودة الأرض، ولن يُنظر إلى التنازلات على أنها مساس بالسيادة الوطنية.
وعن ضمان الالتزام الإسرائيلي، يلفت عباس إلى أن إسرائيل تمتلك أوراق التفاوض الأقوى وتسعى لاستغلال قوتها العسكرية لفرض شروط تتعلق بالمناطق العازلة ونزع السلاح وحصر الطيران. ويشير إلى أن هذه الشروط تروج عبر الإعلام قبل أن تكون مطروحة رسمياً.
ويتابع: “لا يمكن الجزم بالتزام إسرائيل، غير أن الضمانات الدولية والإشراف الأممي وآليات المراقبة الأميركية – الروسية المشتركة قد تفرض التزاماً واضحاً، وتلعب دوراً محورياً في ضمان اتفاق أمني أو صيغة سلام تساهم في الاستقرار الإقليمي. كما يوضح أن موقع السعودية وموقفها، إلى جانب دول الخليج العربية، قد يجعلها طرفاً ضامناً لهذا الاتفاق”.
ويستطرد قائلاً: الحديث عن “الفرص” اليوم مشابه لما كان في الماضي، فحين تم تقسيم فلسطين عام 1947 رُفضت خطة التقسيم رغم أنها كانت تمنح الفلسطينيين 35–40% من الأرض، بينما نتحدث اليوم عن حل الدولتين على أقل من ربع الجغرافيا المتبقية.
ويشير إلى أنه في الماضي كان الحديث يدور عن شريط صغير من بحيرة طبريا، بينما خسرنا اليوم طبريا وجبل الشيخ والجولان ومساحات واسعة من الجغرافيا السورية. ويسأل: هل نتحدث اليوم عن الفرص الضائعة أم عن الفرص الممكنة أمام المفاوض السوري أو العربي؟
ويؤكد أن سوريا اليوم لا تملك عناصر قوة قادرة على فرض ما تريد، نتيجة حرب استنزفتها وهددت سيادتها. لذلك، إذا جاءت الفرص بشكل يعيد الأراضي المحتلة فقد تكون فرصة إيجابية لتحقيق شروط السلام.
ويضيف مستدركاً: هل يمكن أن تكون هناك هدنة طويلة أو ترتيبات أمنية تمهد لسلام تفاوضي؟ مشيراً إلى أن المنطقة، تحت المظلة الأميركية، قد تشهد سعياً نحو فرض شروط جديدة للسلام، وقد يسجل ذلك للرئيس الأميركي إذا تحقق.
ويخلص إلى أن الدول الضامنة سيكون لها دور كبير في تحقيق هذا السلام، وأن الشروط قد تحول تفاهماً أمنياً إلى سلام دائم تتمثل في الاعتراف بالحقوق والسيادة، وعدم التدخل في شؤون الدول، والانسحاب من المناطق المحتلة، والتعاون في تحقيق الأمن الإقليمي.
ويؤكد أن الأمن المستدام حاجة ملحة لتجاوز الصراعات والحروب، وأن المنطقة بحاجة للاتجاه نحو التنمية المستدامة، وحل قضية الشعب الفلسطيني واللاجئين، وإنهاء صراع طال أكثر من سبعين عاماً.
اقرأ أيضاً: بين العدالة والمصالح: اختبار العلاقة بين الشرع وموسكو في ملف تسليم الأسد
الموقف الإسرائيلي واحتمالات السلام
يقول عصمت منصور، الصحفي المتخصص في الشأن الإسرائيلي والمقيم في القدس لـ”963+”: “لم يعلن رسمياً عن تجميد العلاقة أو طبيعة الاتفاقيات، لكن ما رشح جاء عبر الإعلام الإسرائيلي الذي ينقل عادة عن مصادر دقيقة. ووفق ما ظهر، فإن الخلاف يتعلق بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل وسيطرت عليها في قمة جبل الشيخ، وهي تقول إنها لن تنسحب إلا في إطار سلام شامل وتطبيع، وليس مقابل اتفاق أمني فقط. وأعتقد أن هذا هو السبب الظاهري، لكن السبب الحقيقي هو أن إسرائيل – بعد 7 أكتوبر – لا تريد البقاء في نقاط دفاعية متقدمة داخل أراضي الدول الأخرى”.
ويضيف منصور أن تركيبة الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي لا تزال تشكك في قدرة سوريا على الاستمرار والصمود.
ويشرح أن إسرائيل تريد التأكد من توجهات الدولة السورية وقدرتها على البقاء والسيطرة على كامل الأراضي السورية، ولذلك فإن السلام ليس أولوية الآن، وحتى الاتفاق الأمني لن يتم إلا وفق أفضلية تمنحها لنفسها على حساب السوريين، وهذا مرتبط بالعقيدة الأمنية بعد 7 أكتوبر وتركيبة الحكومة والمنظومة الأمنية ورؤيتها لاستقرار سوريا.
ويلفت إلى أنه كلما ترسخت الحكومة الانتقالية وثبتت وجوده وفرضت سيطرتها على الجغرافيا السورية، وحلت مشاكلها الداخلية، وأصبحت أكثر قبولاً دولياً، ازدادت قدرتها على التفاوض، وقد يتغير الموقف الإسرائيلي، خصوصاً إذا جرت انتخابات خلال السنة القادمة.
ويواصل موضحاً أن إسرائيل تريد اتفاقاً أمنياً يتضمن تنازلات جوهرية لا تقتصر على السيادة أو الوجود الأمني على الأرض، بل يشمل أيضاً تدخلاً في الشأن السوري، خصوصاً فيما يتعلق بالدروز وحمايتهم والوصاية التي تحاول فرضها. وهذا يجعل الاتفاق أكثر تعقيداً.
ويوضح منصور أنه في ظل ميزان القوى الحالي والظروف المعقدة في سوريا وإسرائيل، لا يوجد إمكانية لعقد اتفاق سلام. ويضيف أنه ربما إذا تغيرت الحكومة الإسرائيلية وحدث تقدم في الملف الفلسطيني مع السعودية أو دول عربية أخرى – ولو بخطوات جزئية – فقد تنشأ أجواء تتيح الحديث عن انسحابات وترتيبات تخص الجولان.
لكنه يؤكد أن الظروف الحالية “لا تسمح باتفاق سلام، وحتى الاتفاق الأمني لم تنضج شروطه بعد رغم الضغط الأميركي”.










