تعرضت العاصمة السورية دمشق الأسبوع الماضي لقصف صاروخي من أطرافها الغربية في تطور لافت سلط الضوء مجدداً على الوضع الأمني في البلاد ومدى القدرة على تحقيق الاستقرار اللازم لبدء المرحلة الجديدة، وأثار التكهنات بشأن استمرار وجود أطراف قادرة على تنفيذ مثل هكذا هجمات، وقضية انتشار أسلحة ثقيلة خارج سيطرة وزارة الدفاع بالحكومة الانتقالية، ومن هي الجهة التي تقف وراء ذلك؟
الهجوم الذي أعقب زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى العاصمة الأميركية واشنطن وإجرائه مباحثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لفت الأنظار مجدداً للواقع الميداني في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، رغم مرور أكثر من ستة أشهر على تشكيل وزارتي الدفاع والداخلية بالحكومة الانتقالية، ومدى نجاح آلية ضبط السلاح الثقيل، ومدى قدرة جماعات معينة على التحرك في مناطق حيوية كالعاصمة وغيرها، وما يتبع ذلك من حدوث هجمات مشابهة.
إطلاق من منصة متنقلة
وأصيب عدد من الأشخاص الأسبوع الماضي، نتيجة سقوط قذيفة صاروخية على مبنى سكني مؤلف من طابقين في حي المزة فيلات، فيما سقطت قذيفة أخرى قرب طريق قصر الشعب بحي المزة، وفق ما أكد مراسل “963+“، في حين أكدت وزارة الدفاع بالحكومة السورية الانتقالية ببيان في أعقاب الهجوم، أن العاصمة تعرضت لاعتداء تمثل بسقوط صاروخين من نوع “كاتيوشا” أطلقا من محيط المدينة باتجاه الأحياء السكنية في منطقة المزة، ما أدى لإصابة عدد من المدنيين وحدوث أضرار مادية في المكان، فيما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن مصدر عسكري، أن الهجوم نفذ باستخدام صواريخ أطلقت من منصة متنقلة، فيما لا تزال الجهة المنفذة غير معروفة.
وقالت وزارة الدفاع إنها بدأت بالتعاون مع وزارة الداخلية بالتحقيق في الحادثة، وجمع البيانات اللازمة لمعرفة مصدر إطلاق الصواريخ وخلفيات الاعتداء، مشيرةً إلى أنها ستتابع القضية حتى الوصول إلى منفذي الهجوم واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، قبل أن تنفي في وقت لاحق إلقاء القبض على خلية تابعة لـ”حزب الله” اللبناني متورطة في الهجوم.
اقرأ أيضاً: لقاء الشرع وترامب.. انفتاح مدروس أم هندسة لعلاقة جديدة؟
وضع أمني غير مستقر
يرى الباحث في الشؤون الأمنية العميد ناجي ملاعب، أن “الوضع الأمني في سوريا بشكل عام غير مستقر، وصحيح أن الحكومة الجديدة وضعت يدها على العديد من الثكنات العسكرية في سوريا، لكن الكثير من العسكر بمن فيهم التابعين للنظام السابق لم يلتحقوا بالسلطة الجديدة، وهم يعرفون أين مخازن الأسلحة ومخابئ الصواريخ وكيفية استخدامها، حيث أن كل شخص في سوريا كان قد خضع للتجنيد الإجباري وكان جزءاً من الجيش، وعليه فإن ما حصل من قصف للعاصمة دمشق بالصواريخ، لم يكن أمراً مستغرباً”.
ويشير ملاعب المقيم في العاصمة اللبنانية بيروت في تصريحات لـ”963+”، إلى أن “توقيت الهجوم بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى واشنطن، هو للرد عليه بأنه ليس كل الأمور بيدك وأنك لا تسيطر على كل شيء، ولا تستيطع إعطاء تعهدات للولايات المتحدة والإيفاء بها، لأن الأمور ليست كلها تحت سيطرتك، وأننا نستطيع الوصول إلى العاصمة وإرباك الوضع هناك”.
جماعات تزعزع الاستقرار
ويقول الخبير العسكري والاستراتيجي العميد جلال العبادي المقيم في الأردن في تصريحات لـ”963+“، إن “الهجوم بصاروخين كاتيوشا على العاصمة السورية دمشق، والتي من المعروف أن مسافتها بين 8 إلى 12 كيلومتراً، يكشف أن الأوضاع في سوريا لم تستقر بعد، وأن القوات الأمنية لا تسيطر بشكل كامل على الأوضاع هناك، وهناك جماعات كبيرة متطرفة لا تريد للبلاد الاستقرار، أو أن يكون هناك تقارب سوري أميركي أو سوري بريطاني، ولا حتى عقد بعض التفاهمات مع إسرائيل، كالجماعات الإسلامية والدرزية وغيرها”.
وبعد ساعات على الهجوم، أفادت هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مسؤول في الحكومة الإسرائيلية، أن تل أبيب تنفي أي صلة لها بالانفجار الذي وقع بدمشق، وذلك بعد تداول أنباء بعد القصف أنه ناجم عن غارة من مسيرة إسرائيلية استهدفت مناطق بالعاصمة، لكن هذه المرة الأولى التي تنفي بها تل أبيب تنفيذها هجمات داخل الأراضي السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد.
ويشدد الباحث في الشؤون الاستراتيجية علي حمية في تصريحات لـ”963+“، على أن “ما جرى في دمشق من إطلاق صواريخ على أحياء داخلها من مسافة قريبة، هو نتيجة ما بثته الولايات المتحدة من فرقة بين السوريين، إلى جانب محاولة إسرائيل إيصال رسائل بأنها المنقذة للأقليات في سوريا، بينما في الواقع هي تسعى لتدميرها وفق ما تقوله تل أبيب بأن سوريا لن تعود كما كانت ويجب أن تقسم”.
وإلى جانب العديد من مراكز وحواجز الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية في محيط العاصمة دمشق، تنتشر فرق عسكرية تابعة لوزارة الدفاع أبرزها “الفرقة 90” التي يقودها العميد عبد الرحمن الخطيب المعروف بأبو حسين الأردني، وتنتشر بشكل أساسي بدمشق، إلى جانب “الفرقة 70” بقيادة العميد عمر جفتشي وتضم عناصر من فصائل “جيش الإسلام” و “فيلق الرحمن” و “فيلق المجد” و “جيش سوريا الحرة”، وتنتشر بريف العاصمة، إضافةً لـ”الفرقة 44” بمنطقة الكسوة جنوب غربي دمشق.
اقرأ أيضاً: إسرائيل تنفي علاقتها بانفجار دمشق
مخاوف من هجمات مشابهة
ويؤكد جلال العبادي، أن “بعض الجماعات التي لا تريد لسوريا الاستقرار، قد يكون مرتبطاً بإسرائيل، وما يهمه هو إثارة عدم الاستقرار وإعطاء انطباع عن ذلك خلال المفاوضات بين سوريا والولايات المتحدة الأميركية، والإبقاء على المنطقة مزعزعة، لذلك يمكن القول إن هناك أطرافاً كثيرة بعضها داخلي وآخر خارجي يهمها عدم الاستقرار في الأراضي السورية”.
ويرى العبادي، أنه “خلال الفترات القادمة ستكون هناك هجمات مشابهة في مناطق متفرقة من سوريا من قبل جماعات متعددة، على اعتبار أن هناك العديد من الجهات المتناحرة والتي لا تريد لسوريا الاستقرار”، فيما يعتبر علي حمية أن “ما جرى من إطلاق صواريخ في دمشق، هو نوع من صراع بين الفصائل كنتيجة لزيارة الشرع إلى واشنطن، وهي بداية عمليات استخباراتية أميركية إسرائيلية”.
وأمس الإثنين، أعلنت مديرية الأمن الداخلي بمحافظة حمص وسط سوريا، عن ضبط عدد من الصواريخ المضادة للدروع ضمن أحد البساتين الزراعية بقرية المسعودية في منطقة المخرم الفوقاني بريف المحافظة الشرقي، وذكر مصدر أمني، أن “القوى الأمنية صادرت الصواريخ، ونظمت الضبط اللازم أصولاً، وذلك ضمن الجهود المتواصلة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة”، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وأواخر أيلول/ سبتمبر الماضي، ذكرت وزارة الداخلية بالحكومة الانتقالية في بيان، أن قوى الأمن الداخلي التابعة لها ضبطت نحو 200 صاروخ “غراد” داخل مستودع في منطقة القصير بريف محافظة حمص الغربي، كانت في طور التجهيز لتهريبها إلى إحدى دول الجوار، وأضافت، أنها صادرت المضبوطات ونظمت الضبط اللازم، واتخذت الإجراءات القانونية، فيما تواصل الجهات المختصة ملاحقة المتورطين بتخزين الصواريخ.
ويعتبر محللون، أن الهجوم الصاروخي في العاصمة دمشق، لا يمكن النظر إليه على أنه حدث عابر، بل يشير إلى ضعف الاستقرار الأمني، وإلى انتشار السلاح لدى شبكة واسعة من الجماعات والفاعلين الذين يمكن تسميتهم بـ”ما دون الدولة” سواءً كانوا منخرطين فيها أم لا، والذين باتوا يملكون القدرة على التحرك دون رقابة مشددة، إلى جانب أن إمكانية استخدام السلاح المتوسط والثقيل لم تعد أمراً يمكن ضبطه كلياً من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية.










