يرى محللون سياسيون أن العلاقة بين القيادة السورية الانتقالية وروسيا تمر اليوم باختبار دقيق بين تحقيق العدالة للمواطنين والحفاظ على المصالح الاستراتيجية. فالموقف من ملف الرئيس السابق المخلوع بشار الأسد، الذي منحته موسكو حق اللجوء لأسباب إنسانية، يمثل تحدياً مزدوجاً: من جهة، مطالبة السوريين بمحاسبته، ومن جهة أخرى، ضرورة الحفاظ على تعاون استراتيجي مع موسكو كعضو دائم في مجلس الأمن.
وكان قد أكد الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، على الحفاظ على حق السوريين في المطالبة بتقديم الأسد للعدالة في إشارة إلى ضرورة محاكمة رئيس النظام البائد الهارب بشار الأسد، الذي هرب إلى روسيا منذ انهيار نظامه في كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي.
وأوضح الشرع في مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، الثلاثاء الماضي، أن “قضية بشار الأسد مزعجة لروسيا”.
اقرأ أيضاً: الشرع: منخرطون بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل وقطعنا شوطاً نحو الاتفاق – 963+
حقوق السوريين والمصالح الاستراتيجية
وفي تحليل للمتغيرات، يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي، في تصريحات لـ”963+” أن المطالبة بتسليم الأسد “حق مشروع للحكومة السورية”، لكنه قد يُستغل بطريقة تفاوضية لتعزيز ملفات استراتيجية أخرى، مؤكداً أن “الرئيس السوري يدرك صعوبة إقناع روسيا بتسليمه، لكنه قد يستفيد من هذه المطالب في ملفات أخرى قيد التفاوض، بما يعيد صياغة العلاقات بين دمشق وموسكو”.
ويضيف: “موسكو لن تسلم بشار الأسد إلا في ظروف استثنائية، وبالتالي يمكن أن تستفيد دمشق من إعادة صياغة علاقاتها مع روسيا، في ظل رغبة موسكو بالحفاظ على الحكومة السورية الحالية وعدم المخاطرة بخسارتها أمام الضغوط الأميركية”.
ويشير علاوي أيضاً إلى أن سوريا ترى “إمكانية امتصاص غضب الشارع وتوجيهه بما يخدم مصالحها السياسية وعلاقاتها الدولية، مستفيدين من ملفات مختلفة قد تساعد في تحقيق مسار عدالة يخدم توجهاتها الاستراتيجية على الصعيدين الداخلي والدولي”.
من جانب الحكومة السورية الانتقالية، يؤكد الشرع أن حقوق السوريين في المطالبة بالعدالة ستظل أولوية: “قضية بشار الأسد مزعجة لروسيا، وعلاقتنا بهم ما زلنا في البداية، سنحافظ على حقوقنا كسوريين في المطالبة بتقديم الأسد للعدالة”.
وأضاف الشرع: “كنا في حرب ضد روسيا لمدة 10 سنوات، وكانت حربًا صعبة وشاقة. أعلنوا أنهم قتلوني عدة مرات… نحن بحاجة إلى روسيا لأنها عضو دائم في مجلس الأمن، ونحن بحاجة إلى أن يكون صوتهم إلى جانبنا في بعض القضايا ولدينا مصالح استراتيجية معهم، لا نريد دفع روسيا لاتخاذ خيارات بديلة أو أخرى في التعامل مع سوريا”.
ومن منظور موسكو، تؤكد القيادة الروسية حرصها على تطوير العلاقات مع القيادة السورية الجديدة بشكل مستقل، في الوقت الذي يمثل فيه ملف الأسد تحدياً ديبلوماسياً.
موقف موسكو
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: “نحن نبني علاقاتنا مع القيادة السورية الجديدة.. كانت هناك مؤخراً زيارة ناجحة ومثمرة للغاية للرئيس السوري إلى موسكو، وجرت محادثاته مع بوتين وكانت مطولة.. نأمل في استمرار تطوير العلاقات الثنائية بين روسيا وسوريا بشكل مستقل”.
وفي تصريح آخر، كان قد كشف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن تفاصيل غير مسبوقة تتعلق برئيس النظام السابق بشار الأسد، موضحاً أن موسكو تدخلت لحمايته ونقله إلى روسيا، وقال: “قررت اعتزال السياسة نهائياً… روسيا تدعم الشعب السوري”، مؤكداً متانة العلاقات مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع.
اقرأ أيضاً: الشرع: نجري مفاوضات مع تركيا وروسيا بشأن التعاون بعدة مجالات – 963+
ويرى الأكاديمي والمحلل السياسي محمود الأفندي من موسكو، أن أي محاولة لتسليم الأسد “أمر مستحيل وفق الدستور الروسي، الذي يحمي اللاجئين الإنسانيين، وأي محاولة تتطلب تعديل الدستور وإجراء استفتاء شعبي قد يستغرق سنوات، وهو ما يجعل هذه الفرضية من سابع المستحيلات”.
ويضيف الأفندي في تصريحات لـ”963+”: “روسيا تعتبر الحرب الأهلية في سوريا مرحلة انتهت، وأن جميع الأطراف، بما فيها روسيا نفسها، مذنبة بالدم السوري؛ الوجود العسكري والسياسي الروسي في سوريا مرهون برغبة الحكومة السورية، وأن روسيا لا تتدخل في الملفات الداخلية، بما في ذلك العدالة الانتقالية، بل إن دورها يقتصر على التواجد العسكري والديبلوماسي ضمن الإطار الذي تحدده الحكومة السورية”.
ويتابع: “موسكو لا تهتم بالعدالة الانتقالية داخلياً في سوريا، وترى أن جميع الأطراف السورية مسؤولة عن الدماء التي أريقَت خلال الحرب، وأن دورها يقتصر على التواجد العسكري والدبلوماسي ضمن الإطار الذي تحدده الحكومة السورية”.
ويؤكد خبراء القانون الدولي أن دمشق تمتلك أدوات قانونية للتصرف، سواء عبر اتفاقيات ثنائية مع روسيا مثل اتفاقية 2022 حول تسليم المطلوبين، أو عبر إحالة الملف إلى مجلس الأمن، الذي يمكنه بدوره إحالة جرائم الحرب إلى المحكمة الجنائية الدولية، بالرغم من عدم توقيع كل من روسيا وسوريا على ميثاق روما.
وفي هذا الإطار، يشدد المحللون على أن ملف الأسد سيظل محوراً للتفاوض بين دمشق وموسكو، حيث يمثّل اختباراً مستمراً بين مصالح الدولة السورية، حقوق المواطنين، والرهانات الاستراتيجية الدولية.










