أثار تقرير لوكالة رويترز نشر الشهر الماضي، بشأن عمليات استثمار ونشاط تجاري لجمال الشرع، شقيق الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، واتخاذ الأخير إجراءات معينة إزاء ذلك، مخاوف بين السوريين من العودة إلى “ثقافة النفوذ والمتنفذين” وانتشار سلطة الشخصيات والمقربين من السلطة، على غرار ما كان يحدث في عهد النظام المخلوع، الذي وثقت عشرات التقارير تمتع شخصيات مقربة من العائلة الحاكمة فيه لا تملك أي صفة رسمية، بنفوذ واسع في مؤسسات الدولة وتأسيسها ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الظل” الموازي للاقتصاد الرسمي الحكومي أو الخاص، وما رافق ذلك من سن تشريعات وإصدار قرارات تشرعن أعمال معينة، واحتكار هؤلاء مجالات معينة من الاقتصاد الوطني.
الشرع يتخذ إجراءات
وكالة رويتزر، كشفت في التقرير الذي نشر أواخر الشهر الماضي، أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، أمر بإغلاق مكتب تجاري في العاصمة دمشق، يعتقد أنه لشقيقه جمال الشرع، وأصدر أوامر بمنع الجهات الحكومية السورية من التعامل معه، وأعقب ذلك عقد الشرع لقاءً مع أفراد العائلة حضره والده حسين الشرع، وحذرهم من استغلال اسم العائلة لتحقيق مكاسب شخصية، بحسب ما نقلت الوكالة عن أحد أقاربه الذين حضروا الاجتماع، إلا أن شقيق الرئيس الانتقالي أصدر لاحقاً بياناً على حسابه الشخصي في “فيسبوك”، نفى فيه إغلاق أي مكتب له في دمشق، وقال إنه “لا يملك مكتباً خاصاً هناك، وليس له أي أنشطة تجارية، ولا يشغل منصباً أي منصب رسمي في الحكومة، وأن لكل مواطن الحق بممارسة أعماله التجارية في إطار القوانين، وهو حق لا ينبغي استخدامه كذريعة للتشهير”، كما نشر والده بياناً مماثلاً نفى خلاله “استغلال نجله لمنصب شقيقه لتحقيق مكاسب”، موضحاً أنه “يعمل في التجارة منذ صغر سنه ولديه أعماله الخاصة قبل سقوط نظام بشار الأسد”.
واشار تقرير الوكالة أيضاً، إلى أن “الشرع عقد اجتماعاً مغلقاً في محافظة إدلب شمال غربي البلاد أواخر آب/ أغسطس الماضي، حضره أكثر من مئة مسؤول مدني وصل كثير منهم بسيارات فارهة، حيث وجّه لهم الرئيس الانتقالي انتقادات لاذعة بسبب مظاهر الثراء، قبل أن يأمر بتسليم مفاتيح السيارات الفارهة أو مواجهة تحقيقات في الكسب غير المشروع”، لكن مدير الشؤون السياسية في محافظة ريف دمشق، محمد ديب طعمة، ذكر في منشور على “فيسبوك”، أن “المعلومات التي وردت في تقرير رويترز مغلوطة، وأنه حضر اجتماع الشرع في باب الهوى بريف إدلب، ولم يتم التطرق إلى الجانب الذي تحدث عنه التقرير”.
اقرأ أيضاً: هل تكفي القوانين لإعادة بناء الدولة السورية دون عقولها؟ – 963+
لكن وبغض النظر عن مدى دقة المعلومات الواردة في تقرير رويترز من عدمها، فإن القضية تسلط الضوء على ملف الاقتصاد في مرحلة ما بعد الحرب، الذي يعتبر أبرز الملفات خلال هذه المرحلة، لانعكاسه المباشر على جميع المجالات الأخرى بما فيها السياسي والأمني، وارتباط ذلك بعمليات الاستثمار الأجنبي وعمليات إعادة الإعمار، ومدى ثقة المستثمرين في القوانين الاقتصادية وحماية استثماراتهم، إلى جانب أهمية الحوكمة لقطع الطريق على أي استغلال للسلطة من قبل أطراف أو شخصيات، في هذه المرحلة الحساسة التي يتم خلالها إعداد قوانين اقتصادية وبلورة الرؤية بشأن المسار الاقتصادي للبلاد.
موروث سوري ثقيل
يؤكد سكرتير المكتب السياسي في حزب “اليسار الديموقراطي السوري” سامر كعكرلي، على أنه “من الطبيعي أن يكون في سوريا ما يعرف باقتصاد الظل، فهو موروث ثقيل منذ زمن النظام المخلوع ومن سنوات الحرب الطويلة، حيث سادت تجارة المخدرات وتهريب المحروقات والسلع والسيطرة على المعابر، وبيع المواد الغذائية وتهريب القمح إلى الأسواق السوداء وتجارة العملات وفوضى التراخيص وضعف تطبيق القانون الاجتماعي”، مشيراً خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “هناك مؤشرات على تمركز بعض الصفقات والاستثمارات الكبرى حول مقربين من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع خلال المرحلة الانتقالية”.
لكن كعكرلي، يشدد على “ضرورة التمييز بين الشائعات والوقائع على الأرض، إذ لا توجد حتى الآن أدلة دامغة على تورط مباشر، لكن مجرد تداول هذه الأحاديث يثير القلق، فاقتصاد الظل ينمو عادةً في البيئات التي تغيب عنها الشفافية ويضعف فيها القانون، وهو ما يؤدي إلى تشويه المنافسة، وإفقار الطبقة الوسطى وتقويض الثقة العامة، ولكي تثبت الحكومة الانتقالية اختلافها عن النظام المخلوع، فعليها أن تخضع جميع الصفقات والعقود للمراقبة العلنية، وتلزم المسؤولين بإعلان ذممهم المالية، لأن غياب الشفافية هو الطريق الأقصر لعودة الماضي بثوب جديد”.
اقرأ أيضاً: بناء مؤسسات الدولة: معركة سوريا الأخطر – 963+
المال والسلطة رديفان
ويعتبر السياسي السوري كمال اللبواني المقيم في السويد، أن “نظام الحكم في سوريا، والذي لم يتغير منذ الاستقلال، هو أن المال والسلطة شيء واحد، ومن يملك السلطة يملك المال وبالعكس، وفي البداية حكمت الرأسمالية العقارية ثم انقلب عليها الجيش الذي غلب عليه أبناء الطبقات الأخرى، واحتكر السلطة ومد يده لاحتكار الثروة، وهكذا حاول حافظ الأسد الذي أسس لحكم الطائفة ثم الأسرى أن يهيمن على الثروة من خلال نظام اقتصاد الظل، عبر صهره محمد مخلوف أو مباشرةً عبر أولاده، الذين أقاموا شبكة علاقات وشراكات ومحاصصة مع كل الفاعلين اقتصادياً، وهذا ما يعيد تجديده النظام السوري الجديد”.
ويقول في تصريحات لـ”963+”، إن “النظام الشمولي يسعى دائماً لمركزة الثروة بشكل طبيعي وأوتوماتيكي بحكم طبيعة وبينة النظام، وليس هناك أمل في محاولة الفصل بين مركزية السلطة ومركزية المال”، لافتاً إلى أن “مشكلة الاقتصاد السوري مشكلة سياسية أساساً تكمن في نظام الحكم وآلية الحكم وآلية انتاج السلطة ومحاسبتها، ومحاولة فصل الاقتصاد عن السياسة في نظام شمولي محاولة محكومة بالفشل سلفاً، حيث سيتهرب الحاكم وسيقيم اقتصاد ظل سري”.
وسادت ثقافة “اقتصاد الظل” في عهد النظام المخلوع منذ وصول حافظ الأسد إلى الحكم وصولاً إلى حكم ابنه بشار، حيث تسيد محمد مخلوف صهر حافظ الواجهة الاقتصادية واحتكر الاستثمارات الكبرى في جميع مؤسسات الدولة، قبل أن ينتقل الأمر إلى نجله رامي مخلوف، الذي أصبح رجل الاقتصاد الأول بالبلاد، وسيطر على شركات الاتصالات وغيرها، وصولاً إلى تصدر أسماء الأسد زوجة الرئيس المخلوع للمشهد، رفقة رجال أعمال ظهروا خلال سنوات الأزمة كمحمد حمشو وسامر فوز وغيرهم.
ويرى الناشط السياسي والحقوقي نزار الصمادي المقيم في ريف دمشق، أنه “في أي دولة بالعالم عندما يوجد اقتصاد الظل، فإن ذلك يعني تكريس الفساد وتجميع رؤوس الأموال لدى أشخاص مقربين من السلطة، وهذا يؤدي بطبيعة الحال إلى عزوف المستثمرين عن البلاد وهو ما كان يحصل في عهد النظام المخلوع”، مشيراً إلى أن “اقتصاد الظل يشكل مخاوف لدى الشعب والمستثمرين الأجانب، والشعب السوري لن يسمح بعودته وعودة الفساد والمتنفذين للمشهد بعد سقوط النظام وانتصار الثورة عليه”.
ويلفت الصمادي خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “الأنظمة الاستبدادية تكرس الفساد واقتصاد الظل، حيث أنه منذ استلام حافظ الأسد للسلطة كرّس الفساد وجعله منظومة متكاملة وقرّب أقرباءه والمتنفذين من السلطة”، موضحاً أنه “لوحظ أن هناك جدية لدى السلطات السورية لمواجهة المتنفذين والمقربين من السلطة، حيث أغلق الرئيس أحمد الشرع مكتب شقيقه جمال الشرع في دمشق، كما نبّه العديد من المسؤولين بشأن الاقتصاد والاستثمارات والاستفادة من قربهم للسلطة”.
ويشدد كعكرلي، على أن “هناك مخاوف بين السوريين من عودة المتنفذين واقتصاد الظل، لأنهم عاشوا عقوداً تحت سلطة جعلت الولاء أهم من الكفاءة، مما يفسح الطريق أمام نمو اقتصاد الظل وأيضاً نمو الفساد بشكل كبير”، معتبراً أن “السلطة في دمشق إذا كانت تعتمد على مبدأ الولاء وليس مبدأ الكفاءة، فإنها ستكون غير جادة أو غير معنية في مكافحة هذا النوع من الاقتصاد، لكن يبدو أن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، معني أكثر بسمته لأنه اتخذ قرارات تخص اقتراب أفراد من عائلته لهذا النوع من الاقتصاد، كما حدث عندما أغلق مكتب شقيقه جمال”، مؤكداً على أن “إقامة حكومة اقتصادية حقيقية ممكنة لكنها تحتاج إلى وقت وشجاعة سياسية”.
وينوه اللبواني، إلى أنه “عندما تفرض السلطة حصة الثلث على كل مستثمر أو منتج ، سينمو فقط اقصاد ذو دورة سريعة لا يمتلك قاعدة ثابتة انتاجية، أي اقتصاد التعهدات السريعة ذات الربح الفاحش، وهذا سيعمق الأزمة الاقتصادية ويعقدها، فتظهر الدول غير قادرة على النهوض الذي يتطلب الاستثمار الطويل في إعادة بناء البنية التحتية للانتاج، والتي تتطلب مناخ مختلف جذرياً”.
وكانت وكالة رويترز قد كشفت في تقرير مطلع العام الجاري، عن إعادة هيكلة جذرية للاقتصاد السوري يقودها فريق غير معلن يُعرف باسم “لجنة الظل”، يترأسها حازم الشرع، الشقيق الأكبر للرئيس السوري الانتقالي، بمشاركة الأسترالي إبراهيم سُكّريّة، المعروف بلقب “أبو مريم” والخاضع للعقوبات الأسترالية، حيث استحوذت اللجنة على أصول تُقدّر بأكثر من 1.6 مليار دولار عبر عمليات شراء ومصادرة، من بينها حصة كبيرة من مشغّل الاتصالات الرئيسي في البلاد، وتهدف اللجنة إلى تفكيك شبكة المصالح والاحتكارات التي تركها النظام المخلوع، وإعادة توزيع الموارد ضمن خطة إعادة هيكلة شاملة.
وأشارت الوكالة، إلى أن اللجنة أدارت المفاوضات مع رجال الأعمال الكبار، بما في ذلك شخصيات خاضعة لعقوبات أميركية وأوروبية، حيث تم التوصل إلى تسويات تقضي بالتنازل عن نسب من الشركات أو دفع مبالغ مالية مقابل السماح لهم بمواصلة نشاطاتهم، ومن أبرزها تنازل رجل الأعمال سامر فوز عن نحو 80% من أصوله التجارية، التي تصل قيمتها إلى مليار دولار، مقابل الحصانة. كما سلّم محمد حمشو معظم شركاته بما يتجاوز 640 مليون دولار، بينها مصنع لصهر المعادن في مدينة عدرا الصناعية.
وقالت الوكالة، إن الرئيس السوري أعلن في 9 تموز/ يوليو الجاري، عن إنشاء صندوق سيادي بإشراف مباشر من شقيقه حازم، إلى جانب صندوق للتنمية، ضمن خطة تهدف إلى خصخصة بعض الشركات أو طرحها بشراكات بين القطاعين العام والخاص، وأضافت، أن النفوذ الواسع للجنة أثار قلق رجال الأعمال والديبلوماسيين، الذين يخشون استبدال الأوليغارشية السابقة بنخبة اقتصادية جديدة تعمل خلف الأبواب المغلقة.










