في الوقت الذي تبحث فيه سوريا عن مسارات واقعية للخروج من أزمتها الاقتصادية الممتدة منذ أكثر من عقد، تعود مشاريع الطاقة العابرة لأراضيها إلى الواجهة كأوردة اقتصادية قد تعيد لها شيئاً من حيويتها الجيوسياسية والمالية المفقودة، ومن بين تلك المشاريع يبرز خط النفط كركوك – بانياس وخط الغاز المصري إلى لبنان عبر الأراضي السورية، بوصفهما محورين رئيسيين في معادلة الطاقة الإقليمية الجديدة، حيث تترقب الأوساط الاقتصادية الإقليمية والدولية مسارين استراتيجيين قد يعيدان لسوريا جزءاً من دورها المحوري كـ”بوابة عبور الطاقة” إلى البحر الأبيض المتوسط، وستستعيد دورها “كعقدة ترانزيت” للطاقة شرق البحر المتوسط، ما يمنحها وزناً تفاوضياً أكبر أمام اللاعبين الإقليميين والدوليين.
ويكسر جزءاً من العزلة السياسية والاقتصادية، مشروع خط كركوك-بانياس لنقل النفط العراقي الذي أنشئ عام 1952 بطول 800 كم لنقل النفط من شمال العراق إلى الساحل السوري وتوقف لأكثر من عقدين من الزمن بسبب التوترات السياسية والأمنية، وخط الغاز المصري إلى لبنان عبر الأراضي السورية، وفي ظل التحديات الهائلة التي تواجه عملية التعافي الاقتصادي، لا يمثل هذان المشروعان مجرد صفقات تجارية، بل هما رهان على تثبيت الاستقرار، وجذب الاستثمار، وتوليد موارد صعبة تشتد الحاجة إليها، وتعزيز العلاقات الاقتصادية الإقليمية، فمن المتوقع أن يمثل المشروعان عامل تقارب بين سوريا والعراق ومصر والأردن ولبنان وهو ما قد يفتح الباب لمشاريع مشتركة وتبادل تجاري أوسع.
خط (كركوك–بانياس): أنابيب الأمل وعودة الشريان القديم
خط كركوك–بانياس ليس مشروعاً جديداً بل يعود تاريخه إلى خمسينيات القرن الماضي حين كان أحد أهم مسارات تصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط، وتوقف الخط منذ عام 2003 إثر الحرب على العراق، ثم تضرر بشدة خلال الأزمة السورية، لكن إعادة إحيائه اليوم تحمل أبعاداً اقتصادية كبيرة كما يرى الخبير الاقتصادي عدنان الجاسم.
ويضيف في تصريحات لـ”963+”: “إعادة تشغيله يمنح سوريا فوائد كبيرة كدولة مصب مثل رسوم العبور التي تُقدر بحوالي 150-200 مليون دولار سنوياً، فضلاً عن فرص العمل التي تخلقها والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل التي تنشطها، رسوم العبور ستحقق سوريا إيرادات مباشرة من رسوم مرور النفط عبر أراضيها، وهي عوائد ثابتة من العملة الصعبة يمكن أن تسهم في تمويل الخزينة العامة، ويساعد الخط سوريا في الحصول على النفط العراقي بأسعار تفضيلية مما يقلل فاتورة استيراد الطاقة ويعزز السوق المحلي ويدعم تطوير وتكرير النفط في مصفاة بانياس.
ومن خلال هذا الخط سيتم تأمين الطاقة بأقل التكاليف ويتيح إمكانية الحصول على حصة من النفط العراقي مباشرة عبر الخط، وهو ما سيوفر على دمشق فاتورة الاستيراد الباهظة ويقلل تكاليف نقل النفط، مما يخفف الضغط على احتياجاتها من المشتقات النفطية الضرورية لتشغيل المرافق، بحسب الجاسم.
كما تعزز إعادة التشغيل موقع سوريا كممر حيوي للطاقة في المنطقة وتنشيط مرافئها وتعزيز العلاقات التجارية مع أوروبا، وإنعاش قطاع الموانئ والتخزين، فإحياء الخط سينعش مرفأ بانياس وقدرات التخزين المرتبطة به، ويخلق نشاطاً استثمارياً وتوظيفاً محلياً في مناطق عبور الخط ومحطات الضخ والصيانة، وسيعيد الحيوية إلى ميناء بانياس الذي يمتلك بنية تحتية جاهزة نسبياً لتصدير النفط وتخزينه، ما يعزز موقع سوريا كممر بحري للطاقة.
ويضاف إلى ذلك، وفق الجاسم، تعزيز الدور الجيواقتصادي، فمن المتوقع أن يعيد المشروع لسوريا دورها التاريخي كمعبر استراتيجي للطاقة، ويمنح العراق منفذاً تصديرياً إضافياً أكثر كفاءة وأقصر مسافة من الطرق البديلة، مما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين، ومن الجانب العراقي، يساهم الخط في تنويع منافذ التصدير وتأمين صادرات النفط بتكلفة وكفاءة أعلى، خصوصاً مع زيادة إنتاج العراق النفطية.
أهمية خط الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا
الأكاديمي المصري محمد صلاح في تصريحات لـ”963+” يؤكد أن الاتفاق على إيصال الغاز المصري إلى لبنان عبر سوريا هو جزء من تعاون عربي مشترك لدعم الاستقرار والطاقة في لبنان وسوريا، حيث يقدم مصدر غاز طبيعي مستدام ومتواصل، ويسهم المشروع في مساندة لبنان بتلبية حاجات الطاقة ويعد خطوة فعالة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدول المشاركة، كما ينفتح أمام سوريا دور محفز في إعادة إحياء مشروع خط الغاز العربي، مما قد يدعم الاقتصاد السوري عبر رسوم العبور والتنشيط الاقتصادي المرتبط بالبنية التحتية للغاز، ويخفف هذا المشروع من أزمات الطاقة في لبنان، ويعزز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة.
ويرى صلاح أن للمشروعين تأثير على الاستثمار والتنمية والتعافي الاقتصادي في سوريا فكلا المشروعين يشكلان رافداً اقتصادياً مهماً لدعم خطط إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في سوريا، لما لهما من آثار إيجابية في تنشيط قطاع الطاقة وتوفير فرص العمل وتعزيز الإيرادات الحكومية، وتحسن توافر الطاقة يسهم في تحسين بيئة الاستثمار ويحفز المشاريع الجديدة في مجالات الصناعة والخدمات اللوجستية، وتنشيط مرافئ بانياس والمناطق الصناعية المرتبطة بها يعزز من قدرة سوريا على أن تكون مركزاً للتجارة والطاقة في المتوسط، إضافة إلى التكامل مع دول الجوار في هذه المشاريع يعزز من استقرار الاقتصاد السوري ويقوي علاقاته الاقتصادية الإقليمية.
أبرز المعوقات
يحذر الجاسم من أن التوترات السياسية والأمنية في المنطقة، خاصة في سوريا والعراق تحد من استقرار تنفيذ المشاريع وتطوير البنية التحتية، تهديدات خارجية من ضربات عسكرية محتملة داخل الأراضي السورية والعراقية تفرض حالة عدم استقرار، وهناك بعض الأطراف الإقليمية لا تزال تعارض إعادة دمج سوريا في شبكة الطاقة الإقليمية وتفرض شروطاً سياسية مقابل التعاون، وكذلك العقوبات الدولية مثل قانون قيصر على سوريا، والتي تؤثر على تمويل وشحن المعدات والخدمات اللازمة، وهناك حاجة إلى تنسيق فني وتقني لكن متقدم جداً بين الدول المعنية لضمان جاهزية البنية التحتية والاتفاق على الجداول الزمنية.
بالإضافة إلى أن هناك حاجة ماسة إلى استثمارات كبيرة في إعادة بناء الطرق، والسكك الحديدية والموانئ ومحطات النقل المختلفة مع نقص في المعدات والكوادر ذات الخبرة الفنية، وتحويل بعض المحطات الحيوية إلى مواقع عسكرية خلال النزاع أدى إلى تدمير منشآتها، إضافة إلى مخاطر الاعتماد الكبير على مصادر واحدة للأنابيب أو خطوط النقل، مما قد يعرض المشاريع لمخاطر الانقطاعات.
ويشير الجاسم إلى ضرورة إعادة التفاوض على رسوم العبور والتكاليف، خصوصاً في ما يتعلق بخط كركوك-بانياس بين العراق وسوريا لتعزيز الربحية والاستمرارية، وبالتالي، يمثل هذان المشروعان شريانين اقتصاديين حيويين لسوريا في مرحلة التعافي الاقتصادي، بفضل مكوناتهما من تزويد طاقة استراتيجية وفرص استثمارية وتجارية، مع تحديات سياسية وتقنية ينبغي التغلب عليها لضمان استدامة المشاريع وتحقيق الفوائد المرجوة منها على التنمية والاستقرار الاقتصادي في سوريا والمنطقة، ومع ذلك، تبقى هذه المشاريع حلقة في سلسلة أطول تتطلب إصلاحات مالية وإدارية وتشريعية حقيقية لجذب الاستثمارات وضمان استدامة العوائد.
بالمقابل يرى صلاح وجود التحديات الأمنية والجيوسياسية، فغموض الوضع السياسي والأمني في سوريا ينعكس على عدم استقرار بيئة التنفيذ الأمنية للمشروع، وخطر عودة نشاط تنظيمات إرهابية مثل “داعش” في المناطق التي تمر بها شبكات النقل، مما يهدد سلامة المشاريع والعمال أثناء التنفيذ والتشغيل.
ويمر خط كركوك-بانياس، تحديداً، عبر مناطق شهدت توتراً أمنياً، مما يثير مخاوف بشأن حماية الخط وضمان استمرارية ضخ النفط، وكذلك التوازنات الإقليمية بين أطراف المشروع (العراق، سوريا، لبنان، مصر، الأردن)، حيث تتقاطع مصالح سياسية متباينة، وهناك التحديات الفنية والمالية من حيث تقييم وتأهيل الخطوط، فيحتاج خط كركوك-بانياس، المتوقف منذ سنوات طويلة، إلى تقييم فني شامل وقد يتطلب إنشاء خطوط بديلة أو جديدة بتكلفة أولية ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات.
ويضيف: كما تتطلب أعمال التأهيل والتشغيل تمويلاً ضخماً قد يصعب تأمينه في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، والحاجة إلى إبرام عقود طويلة الأجل ومطمئنة لضمان الجدوى، وبالمحصلة إن إحياء خط كركوك-بانياس واستكمال خط الغاز المصري لا يمثلان حلاً سحرياً لكافة مشاكل سوريا، ولكنهما يوفران رافعة قوية لعملية التعافي الاقتصادي، ويتوقف نجاح المشروعين على قدرة الأطراف المعنية على تجاوز التحديات الأمنية والمالية والسياسية، وخاصة العمل على إيجاد آليات تفاهم إقليمية ودولية تضمن استثناء مشاريع الطاقة الإنسانية والتنموية من تداعيات التوترات السياسية والعقوبات، لتحويل الفرصة التاريخية إلى واقع ملموس، وفي النهاية، ربما تكون هذه الأنابيب أكثر من مجرد خطوط لنقل الطاقة… إنها أنابيب للأمل، إذا ما أُحسن توجيهها في مسار التنمية لا في دهاليز السياسة.










