في خطوة جريئة من شأنها إعادة تشكيل المشهد الإعلامي الرقمي، فرضت السلطات الصينية مؤخراً قانوناً جديداً يلزم الشخصيات العامة وصناع المحتوى على الإنترنت بتقديم إثبات مؤهل أكاديمي أو رخصة مهنية في التخصص الذي يتحدثون عنه، ويركز القانون بشكل خاص على المجالات الحساسة مثل الصحة، والمالية، والتعليم، والقانون، والهدف المعلن هو مكافحة سيل المعلومات المضللة والنصائح غير المهنية التي قد تضر بالجمهور.
لكن هذا التشريع أثار عاصفة من التساؤلات والنقاشات، فبينما يؤكد مؤيدو القانون على أن الثقة العامة لا يمكن بناؤها إلا على أساس من الكفاءة الموثقة، يرى المعارضون أن هذا الإجراء يقيد النقاش الحيوي ويقوض فكرة أن المعرفة يمكن أن تكون ديموقراطية ومتاحة للجميع، ولكن مع انتظار تغير خريطة المحتوى الرقمي في الصين، يطرح تساؤل بشأن ما إذا كان هذا “السور العظيم” الجديد للمؤهلات سيحقق هدفه في زيادة الموثوقية دون التضحية بروح الابتكار وحرية التعبير، فهل هو إجراء ضروري لحماية الصالح العام، أم أداة جديدة للرقابة تحد من حرية التعبير وتقتل الإبداع؟
مكافحة التضليل وحماية المتلقي
يقول الباحث الاجتماعي صالح خير الدين، إن “هذه اللائحة تأتي في سياق عالمي يشهد تزايداً في المخاوف بشأن الأخبار الكاذبة والتأثير السلبي للمعلومات المضللة على القرارات الشخصية كالاستثمار أو الرعاية الصحية، ومن وجهة نظر الحكومة الصينية، فإن منع غير المتخصصين من تقديم مشورة مهنية، هو إجراء وقائي لحماية المواطنين من الخسائر المالية أو الأضرار الصحية المحتملة، وحماية الصحة العامة من خلال الحد من انتشار العلاجات الوهمية أو النصائح الطبية الخاطئة التي يروج لها خبراء بلا خلفية علمية”.
ويشير صالح خلال تصريحات لـ”963+“، إلى أن “الحكومة الصينية تحاول تحقيق الاستقرار المالي وكبح جماح مروجي الثراء السريع والمستشارين الماليين غير المرخصين الذين قد يعرضون مدخرات الناس للخطر، وأيضاً رفع مستوى المحتوى وذلك عبر إجبار صناع المحتوى على تقديم مادة ذات جودة وموثوقية عالية تستند إلى أسس علمية ومهنية”.
محاولة للسيطرة على الرأي العام
لكن في المقابل، تعتبر الباحثة الاجتماعية سهام مروان، أنه “بقدر ما يبدو الهدف من الخطوة نبيلاً، فقد أثار القانون اعتراضات واسعة النطاق بين صناع المحتوى والمدافعين عن حرية التعبير، حيث يرون في ذلك تضييقاً غير مبرر، ومحاولة للسيطرة على الرأي العام”، موضحةً خلال تصريحات لـ”963+”، أن “منتقدي القانون يرون فيه نوع من الرقابة، ويمنح الحكومة أداةً إضافية لفلترة الأصوات المستقلة والمعارضة، إضافةً لتجاهل الخبرة الحياتية، حيث يتجاهل القانون خبرة بعض الأفراد العملية أو البحثية التي لا تتطلب بالضرورة شهادة جامعية”.
وذكرت، أن “معارضي القانون يؤكدون أنه يقتل الإبداع ويؤدي إلى تجميد المحتوى واقتصار النقاش على وجهات نظر المؤسسات الرسمية والأكاديمية فقط، كما أن بين التداعيات المحتملة له، أن يخلق زلزالاً في عالم صناعة المحتوى الصيني، فقد يضطر الآلاف من المؤثرين غير المؤهلين إلى التوقف عن التحدث في هذه المجالات أو التحول إلى مواضع “أخف” مثل الترفيه ونمط الحياة، وقد يلجأ المشهورون منهم، إلى الشراكة مع خبراء مرخصين لتقديم المحتوى تحت اسم المؤهلين، ما يرفع من تكلفة الإنتاج ويخلق نموذجاً جديداً للعمل”.
وإلى جانب ذلك، هناك تحديات تتعلق بالمنصات، حيث تواجه بعضها مثل “دويين” (تيك توك الصيني) و “ويبو”، تحدياً كبيراً في وضع آليات فعالة للتحقق من مصداقية ملايين الشهادات والمؤهلات، ويضاف إلى ذلك التأثير العالمي للقانون، فقد ينظر إليه كدراسة حالة تلهم دولاً أخرى حول العالم لمحاولة تطبيق قيود مماثلة، خاصةً في الغرب الذي يعاني من أزمة المعلومات المغلوطة، بحسب سهام مروان، التي رأت أن الجانب الإيجابي في القرار بحسب مؤيديه، هو “ضرورة الموثوقية لضمان أن النصيحة تأتي من مصدر مؤهل ومعتمد، وتحميل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية التحقق من المؤهلات، وبالتالي سلامة الجمهور وتقليل مخاطر الاعتماد على معلومات غير صحيحة في مجالات حيوية”.
يشار، إلى أن قانون “المؤهلات أولاً” الذي أصدرته السلطات الصينية بشأن نشر معلومات أو مواضيع تتعلق بمجالات حساسة، كان قد دخل حيز التنفيذ في 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ويفرض القانون على صناع المحتوى والمؤثرين إثبات مؤهلاتهم الرسمية وشهاداتهم العلمية أو تراخيصهم المهنية، أو أي إثبات رسمي عند نشرى محتوى بمجالات منظمة، كما ألزمت السلطات المنصات الرقمية الكبرى بمراجعة المؤهلات وضمان الإشارة إلى المصادر أو التنبيهات اللازمة في المنشورات، وكذلك يتوجب على المستخدمين الإشارة بوضوح إذا كان المحتوى مولَّدًا بتقنيات الذكاء الاصطناعي أو يستند إلى دراسات بحثية، بالتزامن مع حظر الإعلانات الخاصة بالمنتجات الطبية والمكملات الغذائية على هذه المنصات، بهدف منع الترويج غير المباشر الذي يقدم على أنه محتوى تثقيفي.
وعليه، يبقى القانون الصيني الجديد بين أخذ ورد، على اعتبار أن منصات التواصل الاجتماعي فضاء واسع، وأصبحت ساحة كبيرة للنشر وصناعة المحتوى في مجالات متعددة، وتحولت إلى أحد أبرز مصادر المعلومات في ظل سهولة وسرعة الوصول إليها، لكن في المقابل تبقى فضاءً لنشر معلومات مضللة ويصعب التأكد من صحتها ومصداقيتها، قد يقود بعضها إلى تأثيرات سلبية على مجتمعات بأكملها، لذلك لابد من إيجاد ضوابط وقوانين معينة تنظم العمل عليها.










