في كل لحظة وحين كل حدث، منذ سنة وحتى الآن، ينظر السوريون إلى ما يجري في بلدهم، ويتساءلون: أدرب نجاح هذا أم درب فشل!.
يفعلون ذلك، لأن “التأريخ السياسي” تمكن من رصد مجموعة واضحة من الأعمال والترتيبات والقيم والمنجزات التي حققها القادة والأنظمة والتجارب “الناجحة” سياسياً، التي أنتجت سلاماً اجتماعياً وأنظمة عامة مستقرة، أفرزت تنمية إنسانية عامة ومستدامة. إذ يُخبرنا ذاك “التأريخ السياسي” بالذات عن نماذج ناجحة ومبهرة في مراحل تأسيس الدول والأنظمة السياسية، حينما أنجز القائمون أشياء مثل إنتاج وثائق دستورية حديثة وتوافقية، خلقوا منصات حوار وطني عام، واجترحوا مؤسسات حُكم وإدارة شديدة الولاء للمجتمعات لا للسلطة الحاكمة، ومتساوية المسافة من مختلف الجماعات الأهلية وخلافاتهم، وخلقوا آليات تتحلى بالعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة العامة.. وأشياء كثيرة من مثل تلك.
لكن “التأريخ السياسي” يُخبرنا أيضاً عن علامات ومؤشرات متكررة في التجارب السياسية الفاشلة، أعمالٍ وقرارات وتوجهات مهدت سُبل الإخفاق الواضح والمؤكد، بالذات في بلدانٍ كانت قيد التأسيس لنظامها السياسي، وتعيش مرحلة انتقالية من حقبة سياسية لأخرى. فنمذجة الفشل ليست أقل ثباتاً وقدرة على التبوء بالمستقبل، مثلما تفعل نمذجة النجاح.
ففي مختلف المراحل الانتقالية، حينما أصر الحاكمون على مركزية الإدارة والاقتصاد والسياسة والثروة الرمزية والمادية، اندلعت حرب أهلية بالضرورة. فمن أصل 147 حرباً أهلية رصدها المعهد الألماني للاقتصاد DIW، وقعت بين عامي 1944-2001، كانت أقل من 10 بالمائة منها فقط وقعت في بلدانٍ اعتمدت اللامركزية في المراحل الانتقالية. بلد مثل العراق يُقدم نموذجاً عما يُمكن أن تلعبه المركزية من دور في تحطيم وإفشال أية تجربة سياسية ناشئة. فبعد العام 2003، لم يشهد القسم الفيدرالي/غير المركزي من العراق، إقليم كردستان، أي انهيار في السلام الاجتماعي، وشهد تنمية بشرية معقولة، وتأسس نظام سياسي أكثر استقراراً بما لا يُقارن مع باقي المناطق. فيما دخلت المناطق الأخرى منه -المركزية- حرباً أهلية طويلة على أساس طائفي، وصارت ساحة لانتشار تنظيمات بالغة الوحشية مثل داعش.
يحدث ذلك كل مرة، لأن المركزية تعمل كآلة كبرى لتحطيم وشائج الثقة بين أبناء مختلف الهويات الأهلية في البلد الواحد. إذ تدفع الغالبية العظمى منهم نحو الاعتقاد المستبطن بأنه ثمة جماعة أهلية ما، تسعى لأن تنفرد بالسلطة والدولة وحدها، وتستخدمها لاحقاً في سبيل تحطيم وإتباع الجماعات الأخرى. دفعاً وتحسباً لذلك، تؤسس هذه الجماعات آليات دفاعية مناهضة، تصل غالباً إلى لحظة القدرة على الضبط، فتنفجر العلاقات الوطنية.
عامل الفشل المؤكد الثاني هو تدخل المحيط الإقليم في المعادلات والتوازنات الداخلية. أي حينما تسمح السلطة والقوى السياسية الفاعلة للمصالح والتطلعات الإقليمية بالتدفق والتأثير على الحساسيات والخلافات الداخلية.
صحيح يتعلق أمر التدفق الإقليمي بحجم الكيان ونوعية تركيبته الداخلية ونسبة قوته إلى الكيانات المجاورة، لكن كل ذلك أمر نسبي تماماً. حيث الأساس والجوهر في آلية التدفق الإقليمي إلى الداخل الكياني هو نوعية النُخب الحاكمة والفاعلة ضمن هذا الكيان. ففي المحصلة، كل الدول الإقليمية تسعى جاهدة لأن تُهيمن على جوارها، تتلهف لأن يكون لها دور وفاعلية ونفوذ. وشرط التنوع الديني والقومي والطائفي داخل الكيان الواحد موجود بشكل مطلق أيضاً في كل الكيانات. لكن منع الهيمنة الإقليمية هو فعل واعٍ مرتبط بإرادة القائمين على الشأن العام، الممسكين بزمام السيادة والقائمين عليها. فكلما خلقوا سدوداً أمام الجموح الإقليمي، كانت الكيانات التي يقودنها أكثر سلامة وقُدرة على التشييد السليم لداخلها، العكس يؤدي إلى حدوث تمزقات لا متناهية، بفعل وسبب التناقض الأكيد بين مختلف الدول الإقليمية، التي تحول هذا الكيان إلى مجرد ملعب لتصفية الحسابات.
أخيراً، ثمة تفصيل مفصلي متعلق بنوعية خيارات الحاكمين، بالضبط فيما يتعلق بخيالهم لمستقبلهم السياسي داخل هذا الكيان. فكل التجارب الفاشلة كان يقوم عليها أناس طموحون لنوعية من الحكم الأبدي الآمن، المتطهرون من أية أفعال أو آلية قد تؤدي إلى نوعية حُكم مغلق زمنياً ونسبي سلطوياً ومقيد دستورياً وقانونياً.
أياً كانت خطابات وشعارات هؤلاء، لكنهم لو كانوا يستبطنون ذاك النوع من الوعي والإرادة التاريخية للمستقبل السياسي للنفس، فأنهم سيتخذون بالضرورة سلسلة من القرارات وترسانة من السلوكيات التي تؤدي إلى عزل المجتمع عن السياسة واستحواذ السلطة على المجتمع وسعي الحاكم لمحق أي صاعد سياسي. هذه الأفعال التي تصنع بالضرورة عالماً خالياً من السياسة، وتالياً مُتخماً بالعنف.
بعد كل هذا، ينظر السوريون إلى بلادهم راهناً، ويحاولون أن يعرفوا، أما يجري درب النجاح أم درب الفشل!.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










