تشكّل قضية المقاتلين الأجانب في سوريا، أحد أبرز القضايا المعقدة والتي تتداخل فيها عوامل متعددة محلياً وإقليمياً ودولياً، وتمثل عاملاً بارزاً في كيفية تعامل المجتمع الدولي والدول الغربية على وجه التحديد مع الحكومة السورية الانتقالية، وما ينساق عليه ذلك من رفع للعقوبات والمشاركة في عمليات إعادة الإعمار وإعادة دمجها في المجتمع الدولي والدخول في علاقات ديبلوماسية كاملة، إلا أن الملف لا يزال متشابكاً، ويحتاج إلى حل في ظل التقارير عن وجود الآلاف منهم في مناطق شمال غربي البلاد وحدها.
مرونة أميركية
منتصف حزيران/ يونيو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة أنها وافقت على خطة قدمتها الحكومة السورية الانتقالية لانضمام آلاف المقاتلين الأجانب إلى الجيش السوري الجديد، تتضمن انضمام 3500 مقاتل إلى الفرقة 84 التابعة لوزارة الدفاع السورية، معظمهم من الإيغور وينحدرون من الصين والدول المجاورة لها، وذلك بعد أن كانت واشنطن تطالب باستبعاد المقاتلين الأجانب كشرط لرفع العقوبات عن سوريا وتطبيع العلاقات معها، حيث أبلغ الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، محاورين غربيين أن عدم انضمام هؤلاء المقاتلين للجيش سيدفعهم للانضمام لتنظيمي “داعش” و”القاعدة” بحسب ما نقلت وكالة رويترز، إلا أن الآلاف من الأجانب لا يزال خارج وزارة الدفاع ويتواجد كفصيل مستقل لاسيما بشمال غربي سوريا، وهو ما كشفته الاشتباكات والتوترات الأخيرة بين الأمن الداخلي التابع لوزارة الداخلية بالحكومة الانتقالية و”كتيبة الغرباء” التي يتزعمها الفرنسي عمر أومسين.
واندلعت في 23 تشرين الأول/ أ كتوبر الجاري، اشتباكات بين الأمن الداخلي و “كتيبة الغرباء” التي تضم مهاجرين فرنسيين بعد إطلاق الأمن الداخلي عملية أمنية في “مخيم الفرنسيين” بمدينة حارم بريف إدلب، لاعتقال قائد الكتيبة عمر أومسين المتهم بخطف طفلة وابتزاز عائلتها مالياً، إلى جانب فرض قيود وقوانين على سكان المخيم، وإنهاء نفوذ وسيطرة الكتيبة بشكل كامل، ومنع امتداد التوترات إلى مناطق أخرى”، فيما قالت وزارة الداخلية، إن “الإجراءات التي اتخذت في مخيم الفرنسيين، جاءت استجابة لشكاوى أهالي المخيم بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها”، قبل أن تعلن لاحقاً عن التوصل لاتفاق ينهي الاشتباكات وسلاح السلاح الثقيل وإحالة الملف إلى القضاء الشرعي في وزارة العدل للفصل فيه، وتولي وسطاء متابعة قضية أومسين.
أعداد المقاتلين الفرنسيين في سوريا
وفي أعقاب الاشتباكات، قالت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان، إن “ملاحقة المقاتلين الفرنسيين في إدلب، مسألة تخص الحكومة السورية”، فيما تقول تقارير إعلامية فرنسية، أن عمر أومسين، هو فرنسي سافر إلى سوريا في عام 2013، وانضم إلى “جبهة النصرة” التي تحولت لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام”، قبل أن يؤسس “كتيبة الغرباء” ويصبح قائدها، التي أصبحت تقاتل إلى جانب فصائل المعارضة، وأنشاء “مخيم الفرنسيين” بريف إدلب الذي يضم عشرات المقاتلين الفرنسين وعائلاتهم، ويقيم جداراً عالياً حول المخيم، وتجهيزه بكاميرات مراقبة وحساسات إنذار ضد أي محاولة تسلل، وتنظيم الدخول والخروج وفق نظام أمني محكم”، قبل أن تعتقله “تحرير الشام” في 2020، بتهمة إقامة إدارة مستقلة داخل مناطقها، وتفرج عنه في 2022. حيث تسلّط قضيته الضوء على ملف المقاتلين الفرنسيين في سوريا ومستقبلهم، وموقف الحكومة الفرنسية منهم، وما هي المقاربة الأفضل لحل هذا الملف في ظل كل هذه التعقيدات؟
وبحسب تقديرات الحكومة الفرنسية، فإن ما بين 700 إلى 1000 فرنسي متواجدون في سوريا، وصل معظمهم بين عامي 2012 و 2015، وانضموا إلى فصائل وجماعات إسلامية بينها “هيئة تحرير الشام”، أو تنظيم “داعش”، وأبرزهم فابيان كلان، وماكسيم هوشارد، وعمر أومسين، الذي لا يزال في سوريا ويقود “كتيبة الغرباء” في ريف إدلب.
ملف شديد التعقيد
يقول الباحث والخبير العسكري السوري محمد عباس المقيم في دمشق، إن “المقاتلين الفرنسيين موجودن كما كل الجنسيات الأخرى المتواجدة على الأرض السورية من بريطانيين وبلجيكيين وروس وشيشيان وغيرهم، وبالتالي المسألة معقدة وشديدة التعقيد، خاصةً إذا ما بدر من هؤلاء أو إذا ما ظهر منهم مؤشرات على تمرد على الجيش السوري أو خروج عن بنيته، أو ما إذا كانوا مستمرين بحمل العقيدة الجهادية، حيث أن بعضهم يكفّر من يحاول إخراجه من الوضع الذي هو فيه وإعادته إلى الحياة الإنسانية العادية، لذلك فنحن أمام مشكلة كبيرة في حال استمرار ذلك”.
يضيف عباس في تصريحات لـ”963+”، أنه “لا يعتقد أن الحكومة الفرنسية ستعيد المقاتلين الفرنسيين إلى أراضيها، حيث أن من تخلص منهم هناك لا يرغب في استعادتهم، والآن هم موجودون في سوريا وعلى جغرافيتها ويحمل هوية ولديهم جنسية، وبالتالي فإن فرنسا تخلصت منهم بما في ذلك عمر أومسين، وتفضل عدم عودتهم وإذا ما سألت بشأن ذلك، فإن موقفها منهم سيكون كما عناصر “داعش” المتواجدين في سجون قوات سوريا الديموقراطية (قسد)”، معتبراً ان “الدول التي يحمل هؤلاء المقاتلون جنسياتها، تفضل إبقائهم في سوريا أو داخل السجون لأنهم يشكلون خطراً عليها وعلى الدول الأخرى وعلى المجتمع الإنساني”.
ويؤكد الكاتب السوري حسن النيفي المقيم في فرنسا لـ”963+”، أن “مسألة المقاتلين الأجانب في سوريا باتت من أكثر المسائل إثارة للجدل في الأوساط السورية والعالمية، ولكن يبدو أن هناك ثمة مقاربة غير معلن عنها، كانت قد خططت لها الحكومة السورية، واكتفت بعرضها على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وغالباً أنها أقنعته، بدليل أن إدارته لم تقف كثيراً عن مسألة المقاتلين الأجانب كشرط لرفع العقوبات”، مشيراً إلى أن “الحكومة السورية تتعاطى مع هذا الملف بطريقة تدريجية، بحث يتم دمج من يستجيب من المقاتلين الأجانب في الجيش وأطر الدولة دون أن يكون لهم تأثير مفصلي، ومن يناهض الخطة يمكن تحجيمه ومحاصرته وعزله تدريجياً، وهذه هي الطريقة التي تعاملت من خلالها مع ملف عمر أومسين، إذ أظهرت تمرده على أنه حالة فردية لا علاقة لها بالسياق العام لملف المقاتلين الأجانب”.
هل تعيد فرنسا المقاتلين الأجانب من سوريا؟
ويتفق النيفي مع عباس بشأن موقف الحكومة الفرنسية من إعادة المقاتلين الفرنسيين المتواجدين في سوريا، ويقول: “حتى الآن هناك رأي عام فرنسي يتحفظ على عودة الفرنسيين الذين انخرطوا في تنظيمات جهادية خارج فرنسا، لقد رأينا سابقاً أن الحكومة الفرنسية لم تبد استعدادها لاستعادة رعاياها المقيمين في مخيم الهول شمال شرقي سوريا، كذلك تحفظت عن استعادة عناصر من داعش من أصل فرنسي ما يزالون مسجونين لدى قوات سوريا الديموقراطية، ويعتقد أن هذا الموقف الفرنسي لم يطرأ عليه أي تغيير، علماً أن فرنسا ربما لا تمانع أي تسوية لعودة رعاياها فيما إذا طُرحت هذه القضية على مستوى دولي عام، أي تم الاتفاق على استعادة جميع الدول لرعاياها الأجانب وليس فرنسا فحسب”.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قد قال خلال استقباله الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في باريس مطلع أيار/ مايو الماضي، إن “الإرهاب لا يزال يشكل تهديداً قائماً في سوريا والمنطقة، وتنظيم داعش يبقى أكبر تهديد إرهابي، وفرنسا ملتزمة بالتعاون مع الحكومة السورية في محاربة الإرهاب”، مضيفاً أن “الشرع أكد له أن لن يسمح بأن تكون سوريا ملجأً للمجموعات الإرهابية”.
ويشدد عباس، على أنه “في حال المطالبة بإجراء محاكمات للمقاتلين الفرنسيين، فإنه لا يمكن محاكمتهم في سوريا لأنهم سيحملون الجنسية السورية وربما يتم تغيير أسمائهم ويحملون أرقاماً وطنية، كما أن فرنسا لا تفضل إعادتهم أو إجراء محاكمات لهم، وبالتالي فإننا أمام مسألة معقدة”، لافتاً إلى أنه “في الماضي قدمت أطياف من عدة دول إلى سوريا بما في ذلك اليونان والبلقان وتركيا وأرمينيا، وعاشوا بانسجام داخل المجتمع السوري، لكن هؤلاء المقاتلين الأجانب، لا يمكن ضمان انسجامهم في المجتمع السوري، إذا كانوا يحملون عقلية جهادية”.
وبشأن مدى تأثير كل من تركيا وروسيا بشأن وجود المقاتلين الأجانب في سوريا بما في ذلك الفرنسيين أو إعادتهم إلى بلادهم، يرى عباس أن “تركيا تحاول تقاسم النفوذ مع إسرائيل في سوريا، إن لم نقل إنها تحاول فرض نفوذ كلي بالأراضي السورية، كما أن روسيا تعتبر دولة عظمى ولها مصالح في سوريا، وعليه فإن هناك صراع قائم بسوريا بين روسيا وأميركا وتركيا وإسرائيل، لكن من غير الواضح مدى انعكاسه على ملف المقاتلين الأجانب”، فيما يعتبر النيفي أنه “لا يعتقد أن لروسيا وتركيا تأثير بالغ الأهمية على ملف المقاتلين الأجانب، حيث أن الأمر مناطق بالحكومة السورية، إلا في حال كان هؤلاء المقاتلون روس أو أتراك”، منوهاً إلى أنه “ما يزال هناك الكثير من التحفظ في موقف الرأي العام الفرنسي حيال موضوع المقاتلين الفرنسيين، وذلك في ضوء التداخل الكبير وعدم التمييز بين انتماءات الفصائل الإسلامية وولاءاتها السياسية، إذ ما يزال الكثير من الفرنسيين لا يفرقون بين تنظيم داعش وأي فصيل إسلامي آخر، وهذا كله يعزز من تحفظات الفرنسيين حيال المقاتلين الإسلاميين عموما”.
يشار، إلى أن الحكومة الفرنسية كانت قد أجرت على مدى السنوات الأخيرة، محاكمات لعائدين من سوريا أغلبها لعوائل مقاتلين جهاديين، واستخدمت هيئات الادعاء الفرنسية تهماً مثل المشاركة في جماعات إرهابية، وتجنيد العناصر والتمويل وإهمال الأطفال، وحكمت بالسجن لسنوات وغرامات مالية على العديد منهم.










