على أطلال ما في بلادهم من أهوال، يجد السوريون أنفسهم عُراة من أية أدوات تنظيمية سياسية قادرة على تفسير ما جرى في بلادهم، وبلورة مطالبهم وتطلعاتهم الحاضرة، والسعي الدؤوب لتحقيقها مستقبلاً، عبر مجموعة من الأدوات والممارسات السلوكية الميدانية العامة، التي تُسمّى عرفاً “الأحزاب السياسية”.
عوزُ سوريا إلى الأحزاب “مرضٌ قديم”، إذ كان هذا البلد نموذجاً عالمياً في خواء عالمه الداخلي من حيث الحزبية والسياسة والوطنية، منذ تأسيسه. فمجموع ما شهدته سوريا من أحزاب، حتى في أوج ما عرفته من حياة ديمقراطية، لم تكن أحزاباً “سورية الهوى” قط. كانت شيوعيةً أو عروبيةً أو إسلاميةً أو قوميةً سورية، وحتى الليبرالية منها كانت بمثابة ممثلياتٍ للمصالح الإقليمية ضمن الفضاء السوري، كالكتلة الوطنية وحزب الشعب.
إذ لم تشهد سوريا أي تنظيمٍ سياسي ذي روحٍ وبرامج وآليات تنظيم ومجال انشغالٍ سوريٍّ محض طوال تاريخها المعاصر. بل على العكس تماماً، كانت الروح العامة تعتبر مثل تلك الانحيازات السياسية هتكاً لـ”الشرف السياسي العام” المُفترض.
الطبيعة التكوينية لسوريا، وشكل علاقتها التاريخية مع ضفافها الجغرافية والسياسية — لبنان، الأردن، فلسطين، لواء الإسكندرونة، والجزء العربي من ولاية الموصل العراقية — كانت سبباً موضوعياً لذلك. أضيف إلى ذلك الجرح الإسرائيلي/الفلسطيني كعاملٍ معزّز ومحفّز، ومعه الشروخ الطائفية والدينية والقومية الداخلية كمسبّبٍ إضافي.
فالنخب السورية كانت ميّالةً على الدوام للاعتقاد بأن الأحزاب الوطنية غير قادرة على تغطية مجموع تلك التناقضات والجروح التاريخية، وأنّ تجاوزها لا يكون إلا بتنظيماتٍ وإيديولوجياتٍ ما فوق وطنية، شكّلت الأحزابُ الشعبوية السورية بنيتها التنظيمية.
لكن غير المفهوم في الحالة السورية عاملان شديدا الغرابة: استمرار هذه الظاهرة حتى الآن، رغم كل ما أفرزته من نتائج كارثية. فالسوريون طوال تجربتهم السياسية المعاصرة، ولا سيما خلال العقد ونصف الأخيرين، كانوا — هم وبلادهم — ضحايا ما مارسته تلك الأحزاب “العابرة للوطنية” بحقهم خلال كامل التجربة.إذ عزلتهم عن الحداثة السياسية والتعليمية والتقنية، من خلال ما أحدثته من صراعٍ وظيفي مختلَق بينهم وبين العالم الخارجي، الغربيّ منه تحديداً، عبر خطابٍ شعبويٍّ فوقيٍّ مستمر. كذلك كانت تلك الأحزاب الأبَ الروحيَّ المستدام لعددٍ من النُّظم الديكتاتورية التي شهدتها سوريا في مختلف مراحلها، تلك الديكتاتوريات التي ارتكبت جرائم يُندى لها الجبين بحق السوريين، بلغت في آخر مراحلها مئات الآلاف من الضحايا، ومثلهم من المدن والحواضر والاقتصاديات، ولم تسلم منهم حتى البيئة السورية.
لكن، ومع كل هذه النتائج التي لا تعني سوى خرابٍ عميم، فإنّ السوريين لا يجدون في ذلك فداحةً تُذكر، بدلالة عدم اجتراحهم لما هو بديل.
المؤشر الغريب الآخر هو ما حدث سياسياً في الدول والكيانات التي يفترضها السوريون جزءاً تقليدياً واعتيادياً من جغرافيا بلادهم. فما كانت بالنسبة للسوريين “أراضيَ مستقطعةً منهم” استطاعت أن تُحدث وتُجترح وطنيتها الخاصة، فيما فشلت سوريا “الوطن الأم” في تشكيل مجالها الوطني.
ففي تجربة بلدٍ مثل العراق، وإن وُجدت أحزابٌ وحركات مطابقة لنظيرتها السورية من حيث الطابع الشعبوي العابر للحدود، إلا أنّ أحزاباً سياسيةً أخرى كانت عراقيةً تماماً. فالتنظيمات السياسية العراقية الأولى حملت أسماء وبرامج شديدة الحرص على الفضاء الوطني، مثل “حزب الاستقلال العراقي” (1924)، و”جمعية الدفاع الوطني” (1925)، و”الحزب الوطني العراقي” (1925)، الذي أسّسه أبُ الوطنية العراقية “جعفر أبو التمن”.
فهذه التنظيمات السياسية كانت تستميت في سبيل قضايا مثل “استقلال العراق، الدفاع عن كيان الأمة العراقية، ونهضة العراق دون تفريقٍ في الدين أو العرق”.
وفي مراحل لاحقة تأسست أحزاب مثل “جمعية النهضة العراقية” برئاسة أمين الجرجفجي، و”الحزب الحر العراقي” برئاسة محمود النقيب.
الأمر نفسه ينطبق على الحالة اللبنانية؛ فأحزابٌ مثل “الكتائب”، و”الحزب الاشتراكي التقدمي”، و”تيار المستقبل” وإن كانت تعتمد على بُنى طائفيةٍ أو مناطقية، إلا أنها كانت لبنانيةً تماماً، أي أن رؤاها وبرامجها لم تكن تتجاوز الحدود اللبنانية.
وليس من قبيل الصدفة أن الأحزاب اللبنانية العابرة للحدود، مثل “حزب الله” و”الحزب القومي السوري الاجتماعي” و”الحزب الشيوعي اللبناني”، كانت — لغير صدفة أيضاً — أحزاباً منبعثة من الفضاء السوري.
دون شك، ثمّة أسباب ومناخات موضوعية أدّت إلى كلّ ذلك، لكنّ الوقائع السورية بالغة القسوة، ولا تترك مجالاً إلا لاجتراح تنظيماتٍ شديدة الاعتداد والتمركز حول القضية السورية.
فإذا كان “الوجود يسبق العدم ويؤسس له” — حسب القول الفلسفي الحصيف — فإنّ الخراب السوري لا بدّ له أن يؤسس لتنظيماتٍ سوريةٍ تماماً، تحاول انتشال السوريين من مأساتهم، على الأقل.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










