مثل غيرها من مدارس الفكر السياسي، تبدو الماركسية عاجزة عن تقديم تفسير ذي قيمة وحصافة لما يجري في سوريا. لكنها الأكثر عجزاً، لأن سوريا نموذجها بمعنى ما، وهي التي كانت تقليدياً الأطول باعاً في تقديم شروح معمقة حول الشعوب والمجتمعات البدائية سياسياً واقتصادياً، العاجزة عن تشييد بنى سياسية واقتصادية سلمية، مستخدمةً ترسانة كبرى من الأدوات النظرية والمؤثرات الاقتصادية/الطبقية والفواعل السياسية التي قد تحول دون تحقيق ذلك، متوقعةً أشكالًا من الحتميات التاريخية المحكمة في حال انتفاء تلك الشروط.
لا ينطبق أيٌّ من ذلك على سوريا الراهنة. فعالم البلاد الداخلي يضم مجتمعًا مؤلفًا من ملايين البشر، يعيشون صخبًا شعبوياً مريعاً، لا يستطيعون إفراز أيّة حركة سياسية أو اجتماعية أو مدنية ذات ثقل ودور ورؤية. وفوق ذلك، يتعثرون تماماً في إيجاد أيّ روابط طبقية أو مهنية أو اقتصادية أو فكرية – اجتماعية فيما بينهم. فالمجتمع السوري يعيش بدائية سياسية تامة مضافة إلى بدائيته الاقتصادية، وفي ظلال نظام سياسي يفتقر إلى أيّة ركائز أو أدوات ضبط عامة. وكان له، لو صحت التفسيرات الماركسية، أن يُشكّل نموذجاً للشيوعية الفطرية المفترضة في بواطن المجتمعات المشابهة له، كما تعتقد الماركسية.
ليس في سوريا اليوم مثلاً أيّ “صراع طبقي”، حتى يُقال إن الطبقات المالكة والمسيطرة تمنع نظيراتها المُهيمن عليها من بلورة وعيها وتنظيم قواها وتأطير مطالبها. فبعض الطبقات التي تملك ثرواتٍ ما بحدٍّ معقول تبدو الأكثر رهبةً ضمن الفضاء العام، تتطلع إلى إحراز نوع من الأمان لنفسها وأعمالها، ولو بالحد الأدنى، تفاديًا لما قد يفيض عليها من غلواء الشعبوية الطافحة في كل أنحاء البلاد.
كذلك فإن سوريا خارج دائرة ما كانت تسميه الماركسية “الفعل الإمبريالي”، إذ ليست هناك أيّة دولة أو قوة دولية تعتبر سوريا بقعةً جديرة بالهيمنة أو الاستنزاف أو التوريط، لا سياسياً ولا أمنياً ولا اقتصادياً، حتى يُفسَّر ذلك كعامل خارجي يعيق السياق الداخلي. فالدولة السورية فقيرة بكل ذلك، وغالباً ما تُرهق تلك المراكز العالمية، فهي أقرب ما تكون إلى كيانٍ يُصدّر أزماته الداخلية، من مهاجرين وحركات متطرفة وساحة صراعٍ إقليمي. ولهذا، يمكن حصر فاعلية القوى الدولية بمساعدة السوريين على لملمة جراحهم الداخلية، لا العكس.
في السياق نفسه، فإن المجتمعات السورية لا تعيش أزماتٍ طبقية أو رأسمالية، فعوامل مثل الإفراط في الإنتاج أو تراكم السلع، التي حددتها الماركسية كعوامل دافعة نحو تعكير الفضاء العام ومنع الطبقات المنتجة من بلورة تنظيماتها ورؤاها، غير متوفرة في المتن السوري. بل على العكس تمامًا، تعاني المجتمعات السورية من أزمة إنتاجية متفاقمة تُفرز عوزًا متراكمًا في القيمة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المضافة.
يمكن سرد كامل سلسلة العوامل التي حددتها الماركسية الفكرية كأدواتٍ مانعةٍ بين المجتمعات وقدرتها على تحقيق ذاتها الجمعية، ككتلةٍ من الأفراد الموحّدين على مصالح بينية مشتركة وواضحة، لكن لا يتوفر أيٌّ منها في التجربة السورية الراهنة. ومع ذلك، لا يحقق المجتمع السوري الشرط الحتمي الذي بشّرت به الماركسية يوماً.
إذ ليس في سوريا اليوم “بنية تحتية” تقريباً؛ فلا اقتصاد ذا قيمة، ولا إنتاج، ولا حتى علاقات ملكية واضحة. وطبعًا لا “بنية فوقية”، فالكيان السوري يعاني عوزاً تاماً في ما يمكن تسميته بالدولة أو السياسة أو الخطاب العام. والأمر نفسه ينطبق على تفاصيل مثل الصراع الطبقي وأدوات السيطرة وغيرها، الغائبة تمامًا عن المجال السوري.
ليس الغرض من هذا التفكيك “التنديد” بالرؤى والتحليلات الماركسية، أو حتى توجيه أية انتقادات لها، بل التأكيد مرة أخرى على استحالة إيجاد أدوات معرفية وسياسية وفكرية خارجية تفسر أحوالنا بالتفصيل.
فنحن، في المحصلة، كتلٌ سكانية شديدة البدائية بكل المعايير، لم نشهد أية تحولاتٍ إنسانية ذات قيمة تراكمية، سواء أكانت اقتصادية أو فكرية أو تعليمية أو سياسية، نكون عبرها قد حققنا الحد الأدنى من المسلمات والأدوات والمقومات السياسية والروابط المجتمعية والوعي الطبقي، التي يمكن البناء عليها لاحقاً.
إذ لا يكفي البؤس العام الذي تحياه مجتمعاتنا، من انتفاء الطبقات الاجتماعية وعزلها عن العالم الخارجي وتفكك أواصر علاقات الهيمنة، لكي تندرج هذه المجتمعات في سياقات تنمية سياسية وإنسانية واضحة. فهذه العوالم قد تفرز أشكالاً من الحرية، وغالباً ما تكون حريةً غير مضبوطة، لا تنتج إلا فيضاً من الصدامات والحروب الأهلية القائمة على آخر وأبسط ما في البشر، أي الهويات والعصبيات البدائية.
لكن إنتاج الوقائع السياسية يحتاج إلى أكثر من الحرية البدائية، يحتاج إلى تجارب وأنواع من المراكمات المديدة، في قطاعات التعليم والثورات الاجتماعية وفائض الإنتاج الاقتصادي والفكري والروحي، لكن أولًا السياسي.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










