مع بداية الخريف، تتبدّل ملامح البادية السورية التي تمتد على مساحات مترامية بين الشرق والوسط، لتغدو مسرحاً حياً لهجرة الطيور القادمة من الشمال نحو الدفء الجنوبي. في هذه الرقعة الواسعة من الأرض القاحلة، التي تغفو معظم أيام السنة على سكون الرمال وصفير الرياح، تستيقظ الحياة فجأة مع انطلاق موسم الهجرة، فتمتلئ السماء بأجنحة الطيور المهاجرة، وتتحول الصحراء إلى محطة مؤقتة في رحلتها الطويلة نحو الجنوب الإفريقي. غير أن هذا الموسم الذي يحمل معه بهجة الطبيعة وتحولات المناخ، بات في السنوات الأخيرة موسماً مزدوج الوجه: يحمل بين جناحيه الشغف والتراث من جهة، والخطر البيئي والتجاري من جهة أخرى.
يشهد هذا العام تزايداً ملحوظاً في أعداد الصيادين الذين يتوافدون إلى البادية السورية من مختلف المناطق ومن دول الخليج العربي على وجه الخصوص. فمع تشديد القوانين البيئية في بلدانهم، وجد كثير من الصيادين الخليجيين في البادية السورية متنفساً لممارسة هوايتهم القديمة في صيد الطيور النادرة، خاصة الصقور التي تعدّ جزءاً من الموروث الثقافي الخليجي. وفي المقابل، يعبّر خبراء البيئة في الداخل السوري عن قلق متصاعد من تزايد عمليات الصيد غير المنظم، التي تهدد التوازن البيئي وتضع العديد من أنواع الطيور على حافة الانقراض.
البادية تتحول إلى خلية حياة مؤقتة
في عمق البادية، من تدمر إلى دير الزور مروراً بريف حمص، تتغير المشاهد كأنها لوحة حية تُعاد رسمها كل عام. فحيث كان السكون سيد المكان، تنتشر فجأة الخيام والمركبات الرباعية ومعدات الصيد الحديثة.
تتحول الرمال إلى مخيمات صغيرة تحاكي المدن المؤقتة، تضم صيادين، وتجاراً، وعمالاً محليين يخدمون الزوار الوافدين. تمتد هذه الحركة الحيوية لقرابة ثلاثة أشهر، من منتصف سبتمبر وحتى أواخر ديسمبر، في مشهد يجمع بين روح المغامرة وعبق التراث.
يقول خليل الحسين، صياد من مدينة البوكمال شرق دير الزور لـ”963+”: “منذ طفولتي كنت أرافق والدي وأعمامي إلى البادية خلال موسم الصيد. كنا نعتبرها أياماً مقدسة للتعلّم والمتعة. تعلّمت كيف أتعقب الطيور، وأتعرف على أنواعها، وأصطاد الصقور النادرة التي يمكن أن تدرّ أرباحاً كبيرة. بعض الصقور تباع بآلاف الدولارات، لكنها قبل كل شيء جزء من تراثنا الذي نحافظ عليه”.
ويتحدث خليل بشغف عن مهنته التي توارثها عن أجداده، وعن لحظة الفخر حين أمسك لأول مرة بطير “حر” باعه لاحقاً لتاجر في تدمر بمبلغ سبعة آلاف دولار. يرى الصيد مزيجًا من المغامرة والرزق والانتماء للطبيعة، إذ يقول: “في كل مرة أخرج فيها إلى الصحراء أشعر أنني أعود إلى نفسي. هي ليست هواية فحسب، بل جزء من ثقافتنا وهويتنا، ووسيلة للاقتراب من الأرض التي نعيش عليها”.
رحلات خليجية في قلب الصحراء
على الطرف الآخر من المشهد، يتحدث عبد الله القحطاني، صياد خليجي جاء من السعودية خصيصاً للمشاركة في الموسم، عن شغف لا يمكن كبته رغم القيود المفروضة في بلاده، فيقول لـ”963+”: “البادية السورية من أجمل المناطق لصيد الصقور والطيور النادرة. الطبيعة هنا متنوعة، والمناخ ملائم، والأعداد كبيرة. كثير من الصيادين الخليجيين يأتون سنوياً لأن الصيد في بلداننا أصبح محدوداً بقوانين صارمة. بالنسبة لنا، الصيد ليس ترفًا، بل جزء من موروث ثقافي قديم نمارسه بفخر”.
ويتحدث القحطاني عن الرحلة وكأنها مغامرة روحية أكثر منها مادية، رغم التكلفة العالية التي قد تصل إلى آلاف الدولارات شاملة السفر والإقامة والتجهيزات. يقول إن حياة الصحراء تمنحهم “إحساسًا بالنقاء والحرية، بعيدًا عن صخب المدن”. ومع ذلك، تبقى هذه الرحلات مثار جدل بين المدافعين عن البيئة الذين يرون فيها مصدر تهديد خطير للحياة البرية.
تجارة مزدهرة على حساب الطبيعة
في تدمر، المدينة العريقة التي تقع على تخوم البادية، تنتعش سوق غير رسمية لتجارة الطيور خلال موسم الهجرة. يوضح محمد الحاوي، أحد أبرز تجار الطيور في المنطقة، أن الموسم يمثل ذروة العمل بالنسبة له وللعشرات من التجار المحليين.
ويقول لـ”963+”: “نشتري الطيور من الصيادين عبر مناديب منتشرين في دير الزور وتدمر وحمص. الأسعار تختلف بحسب النوع والحجم والندرة. هناك طيور تباع بمئة دولار، وأخرى تصل إلى عشرين ألف دولار، خصوصًا طيور الحر والشاهين”.
ويؤكد الحاوي أن الطلب تزايد في السنوات الأخيرة مع ارتفاع عدد الصيادين الخليجيين، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار ونقص في الأنواع النادرة. يقول بأسف: “زاد الربح لكن قلت الطيور. هناك أنواع كانت متوفرة بكثرة، اليوم لا نكاد نراها”.
ويشير إلى أن أغلب الزبائن من الأثرياء الذين يشترون الطيور للفخر بها أو لتدريبها على الصيد، في ممارسة تراثية تعود جذورها إلى قرون طويلة من تاريخ الصحراء العربية.
بيئة مهددة وصوت الخبراء
من زاوية أخرى، ينظر البيئيون بقلق إلى ما يحدث. يقول أحمد ناصر، خبير بيئي متخصص في الطيور لـ”963+”: “الطيور المهاجرة التي تمر عبر البادية السورية جزء من نظام بيئي عالمي متكامل، وحمايتها مسؤولية مشتركة. الصيد الجائر واستخدام المصائد والشباك العشوائية أديا إلى انخفاض كبير في أعداد بعض الأنواع النادرة مثل الصقور والبوم، بنسبة تصل إلى 80% في بعض المناطق”.
ويضيف ناصر أن التهريب عبر الحدود بات من أخطر التحديات، إذ تُنقل الطيور الحية بطرق غير قانونية إلى الخارج، مما يعمّق الأزمة البيئية ويقوض الجهود الدولية لحماية الأنواع المهددة.
وتشير الدراسات البيئية إلى أن اختفاء هذه الطيور لا يعني فقط فقدان جمال طبيعي أو مورد اقتصادي، بل تهديداً حقيقياً لتوازن النظام البيئي. فالصقور والنسور تلعب دوراً حيوياً في السلسلة الغذائية، إذ تسيطر على تكاثر القوارض والحيوانات الصغيرة، وتحافظ على توازن بيئات الصحراء الهشة. غيابها يؤدي إلى خلل متسلسل يؤثر في التنوع الحيوي بأكمله.
الحاجة إلى توازن بين التراث والحماية
تظهر معضلة البادية السورية اليوم في تداخل معقد بين الموروث الثقافي والمعيشة والبيئة. فالصيد بالنسبة لكثير من العائلات المحلية ليس مجرد هواية، بل مصدر رزق وحيد في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. وفي المقابل، يؤدي استمرار هذه الممارسات دون ضوابط إلى استنزاف مورد طبيعي يصعب تعويضه.
يرى الخبراء أن الحل يكمن في تحقيق توازن عادل بين الحفاظ على التراث وضمان استدامة البيئة. يمكن ذلك عبر تنظيم موسم الصيد بترخيص محدد ومناطق معينة، وتدريب الصيادين على أساليب غير مؤذية للأنواع المهددة، إضافة إلى إنشاء محميات طبيعية تتيح مراقبة الهجرة وحماية الطيور النادرة.
كما يدعون إلى حملات توعية تشارك فيها المجتمعات المحلية لرفع الوعي البيئي وتحويل الشغف بالصيد إلى شغف بالحفاظ على الطبيعة.
بين الشغف والخطر
بين الرمال الذهبية الممتدة بلا نهاية، تتقاطع الحكايات؛ صياد يبحث عن رزقه، وتاجر يطارد الربح، وبيئي يحاول إنقاذ كائنات لا صوت لها. هنا في البادية السورية، يلتقي الإنسان والطبيعة في مشهدٍ تتنازع فيه الرغبة في الامتلاك مع نداء الحماية. فموسم هجرة الطيور ليس مجرد حدث بيئي موسمي، بل مرآة لعلاقة الإنسان ببيئته، بين من يراها كنزاً مؤقتاً، ومن يراها أمانة للأجيال القادمة.










