في بيئة اقتصادية غير مستقرة، أصبحت مخاطر أسعار الصرف هاجساً يومياً، إذ يواجه السوريون تذبذبات كبيرة في سعر صرف الدولار والعملات الأجنبية مقابل الليرة. الفارق بين السعر الرسمي الذي يحدده مصرف سورية المركزي وبين السعر في السوق الموازية كبير وغالباً ما يتغير بشكل يومي. وتظهر فروقات واضحة بين ما يعلنه المركزي وما يُطبَّق في الأسواق ومكاتب الصرافة الخاصة.
وجود عدد كبير من مكاتب الصرافة غير المنظمة يعني أن العرض والطلب على الدولار والعملات الأجنبية لا يخضعان فقط لسياسات المركزي، بل أيضاً لتصرفات الصرافين والمضاربين وطلبات السوق الفورية. وهذا يفاقم التذبذب في سعر الصرف رغم ثباته في نشرات المصرف المركزي منذ عدة أشهر. وتشير الأخبار إلى اختلافات يومية، وأحياناً حتى ساعية، في الأسعار المعروضة في السوق الموازية.
ولم يعد مشهد “بسطات الصرافة” في شوارع المدن السورية غريباً على المارّة؛ شبان يجلسون أمام مكاتب صغيرة أو محال تجارية جانبية، يلوّحون بأوراق نقدية أجنبية أو يدوّنون أسعار الصرف بخط اليد. في بلد يعيش واحدة من أعقد أزمات النقد في تاريخه، أصبحت هذه المشاهد عنواناً لـ”فوضى نقدية” تهدد استقرار سعر الصرف وتزيد من الأعباء المعيشية على السوريين.
اقرأ أيضاً: وزارة الخزانة الأميركية تعدّل لوائح العقوبات على سوريا – 963+
لماذا تنتشر الصرافة العشوائية؟
انتشار مكاتب الصرافة العشوائية ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل له تأثيرات عميقة على سعر الصرف، والقدرة الشرائية، والاستقرار الاقتصادي. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، وفقاً لما قاله الدكتور عبدالله الظاهر أكاديمي اقتصادي يعمل في البورصة، لـ”963+” أبرزها: “غياب الثقة بالقنوات الرسمية: كثير من السوريين يرون أن السعر الذي يحدده مصرف سورية المركزي غير واقعي مقارنةً بسعر السوق. القيود على التعامل بالقطع الأجنبي: قيود التحويل والسحب دفعت المواطنين والتجار للبحث عن طرق بديلة للحصول على الدولار. والحاجة اليومية للعمليات المالية: مثل شراء العملة، استقبال الحوالات، وتسديد التزامات الاستيراد، في ظل نقص السيولة أو تأخر البنوك الرسمية. التضخم وفقدان الثقة بالليرة: ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة العملة المحلية يدفعان الناس لتحويل مدخراتهم إلى عملات أكثر استقراراً. ضعف الرقابة: غياب أجهزة رقابية فعّالة جعل من هذه الظاهرة نشاطاً شبه معلن، فتحولت مكاتب الصرافة العشوائية إلى جزء من الاقتصاد الموازي الذي يضغط على الليرة ويقوض أي سياسة نقدية رسمية، مع تفشي ممارسات غير قانونية مثل التلاعب بالنشرات أو تداول عملات مزورة أو التحايل على القوانين”.
الواقع الميداني
يصف كابي شكرو، صاحب متجر ألبسة في دمشق، تجربته مع تقلبات سعر الصرف قائلاً لـ”963+”: “إذا أردت شراء بضاعة مستوردة، لا أستطيع الاعتماد على السعر الرسمي، لأنه ببساطة لا يعكس الواقع. ألجأ دائماً إلى أحد الصرافين في السوق الموازية، ورغم أن سعره غالباً يكون أعلى بكثير، إلا أنه أقرب إلى السعر الحقيقي المتداول. بالنسبة لي، الاعتماد على السعر الرسمي يعني الخسارة، لأنه غير متاح ولا أحد يبيعك على أساسه”.
أما فارس الأحمد، صاحب مطعم شعبي، فيتحدث لـ”963+”: “المشكلة أننا نعيش في دوامة يومية، فالسعر يتغير أحياناً بين الصباح والمساء، وهذا يجعلنا عاجزين عن تثبيت قائمة أسعار للأطباق. كلما أردت شراء مواد غذائية، أجد أن تكلفتها تغيرت بسبب الدولار، وبالتالي أضطر لرفع الأسعار أو أتكبد خسارة. نحن نعمل في قطاع حساس مرتبط بالمستهلك مباشرة، وأي تقلب يربكنا بشكل كبير”.
ومن جانب آخر، تروي منى سعيد، طالبة جامعية، معاناتها مع هذه الفوضى النقدية بقولها لـ”963+”: “حتى أبسط الأشياء مثل شراء الكتب أو الأجهزة الإلكترونية لم تعد مسألة عادية. كل شيء صار مرتبطاً بسعر الدولار في السوق الموازية. عندما أذهب لشراء جهاز لابتوب مثلاً، لا أحد يتعامل بسعر المصرف، بل بسعر السوق السوداء. أشعر أن حياتنا الدراسية وحتى احتياجاتنا الشخصية أصبحت مرهونة بلعبة الصرافة”.
وتضيف ريهام علي، ربة منزل تتلقى حوالات من ابنها في أوروبا، معبرة عن إحباطها: “المصرف يعطينا الحوالات بسعر منخفض جداً مقارنة بالسوق، والفارق قد يصل إلى آلاف الليرات. لهذا السبب أغلبنا يلجأ إلى مكاتب الصرافة العشوائية رغم المخاطر الكبيرة، لأننا ببساطة لا نستطيع تحمل الخسارة. قد تكون هذه المكاتب غير مرخصة، لكن بالنسبة لنا هي الخيار الوحيد الذي يضمن لنا قيمة عادلة للحوالة”.
وبحسب تقارير إعلامية محلية، فقد ازداد انتشار “بسطات الصرافة” بشكل غير مسبوق في الشوارع والأسواق، الأمر الذي دفع السلطات إلى تنفيذ حملات ملاحقة وضبط عملات مزورة. لكن هذه الحملات لم تُنهِ الظاهرة، بل دفعتها إلى العمل في الخفاء بشكل أكبر، ما جعلها أكثر تعقيداً وصعوبة في السيطرة.
اقرأ أيضاً: سوريا.. رفع العقوبات الأميركية فتح نافذة أمل لكن الطريق طويل – 963+
كيف يُساهم الانتشار العشوائي لمكاتب الصرافة في تقلبات سعر الصرف؟
يؤكد الدكتور الظاهر أن وجود هذه المكاتب غير المرخصة يؤدي إلى نشوء سوق موازية لا تخضع للرقابة الرسمية، ما يفتح الباب أمام المضاربات واستغلال الشائعات والتسعير المتفاوت من مكتب لآخر. وهذا يزيد من الفجوة بين السعر الرسمي والسعر غير الرسمي، ويجعل تقلبات الأسعار شبه مستمرة.
ويضيف: “بعض الصرافين يرفعون أو يخفضون السعر بناءً على شائعات أو توقعات في غياب تدخل فعّال من المصرف المركزي. ورغم إعلان الأخير عن توحيد نشرات الصرف في محاولة لتقليص الفجوة، فإن السوق الموازية استمرت بأسعار أعلى، ما قوّض مصداقية السعر الرسمي”.
وييشير إلى أنه “نتج عن ذلك ارتفاع التضخم، إذ كلما ارتفع الدولار في السوق السوداء ارتفعت أسعار المواد المستوردة، وانعكس ذلك مباشرة على الغذاء والدواء والطاقة ومعيشة المواطنين. كما أن تقلب السعر يمنع المستوردين من التنبؤ بتكاليف بضائعهم، ما ينعكس على الأسعار المحلية ويضر بالمستهلكين وأصحاب المدخرات”.
ويحذر الظاهر من أن الانتشار العشوائي لمكاتب الصرافة يعمل كعامل مضاعف للتقلبات، لأنه يشجع المضاربة والسلوكيات الانتهازية، ويُهمّش المؤسسات النظامية، ويخلق فجوات سعرية تزيد الضبابية وتُضعف الثقة بالعملة الوطنية.
دور المصرف المركزي
يبين الدكتور الظاهر أن المصرف المركزي يحاول ضبط سوق الصرف عبر نشرات رسمية موحّدة، لكن الصرافين غير المرخصين غالباً يستخدمون أسعاراً أعلى تعكس المخاطر والطلب الفوري، ما يضعف مصداقية العملة ويعقّد الأمور بالنسبة للمواطن.
ويشير إلى أن تقارير إعلامية في حزيران/ يونيو 2025 ذكرت أن المركزي يدرس تطبيق نظام “التعويم المدار” للعملة، أي السماح بتقلبات ضمن هامش محدد مع التدخل عند الحاجة، بهدف تقليص نفوذ الصرافين العشوائيين. لكن نجاح هذا التوجه يتطلب تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، وجذب الحوالات عبر القنوات الرسمية بأسعار عادلة، واستعادة ثقة المواطنين بالسوق النظامية.
أما في حال استمرار الطلب المرتفع على الدولار وشح السيولة الأجنبية وضعف الرقابة، فإن الوضع قد ينزلق نحو مزيد من الانهيار والتضخم.










