في ريف دير الزور الشرقي، تقع بلدة الباغوز التي كانت يوماً ما تاجاً على رأس سلة الغذاء السورية. تشتهر بتمورها التي لا تضاهى، لكن السنوات الأخيرة الماضية محوت معالم الجمال والخضرة لتحل محلها هندسة الحرب والدمار. يقدر مسؤولو البلدة أن أكثر من 70% من أشجار النخيل، القلب النابض للمنطقة، قد دمرت.
المزارع حسين العلي (70 عامًا) يتحدث لـ”963+” عن الباغوز وهو يتنهد وينظر إلى الأفق: “الباغوز لم تكن أرضاً، كانت جنة. كنا نسير تحت ظلال النخيل ولا نرى الشمس، وكان الهواء يعبق برائحة الطلع والرطب. كل نخلة كانت كابن لنا، نعرف عمرها وموعد تلقيحها ونوع تمرها، مثل الخلاص والحلاوي والبرحي والتفاحي، الذي كان يُصدر إلى كل أنحاء سوريا والخليج. كانت سلة غذاء حقيقية، والمزرعة الواحدة تعيش منها مئات الأفراد”.
ويضيف: “الحرب جاءت كآفة حولت بساتيننا إلى ساحات قتال. القذائف كانت تقصم النخيل كما تقصم الأجساد. احترقت المئات من الأشجار، واختلعت أخرى بالجرافات. هربنا أكثر من مرة، وكنا نعود لنجد دماراً قد طال ما تبقى. فقدت أكثر من 80% من نخيلي، وهو مصدر رزقي الوحيد. فقدنا الشجرة، فقدنا الظل، فقدنا الكرامة. أحلم يومًا وأنا عجوز، ولكن حلمي أن أرى أحفادي يزرعون النخيل من جديد. نطالب الجهات الحكومية والمنظمات وأصحاب الخير بأن يساعدونا. لا نريد طعامًا مجانيًا، نريد فسائل نخيل، نريد أنظمة ري، نريد أن تعود الباغوز خضراء كما كانت. الجذور ما تزال حية تحت الأرض، ونحن ما زلنا أحياء. النخيل صبر ونحن أهل الصبر”.
اقرأ أيضاً: مبادرة “مكتبة المجد” في دير الزور.. نافذة للشباب على القراءة والإبداع – 963+
وتقول المزارعة أم منسي من بلدة الباغوز لـ”963+”: “النخيل لم يكن للرجال فقط، كنا نساعد في التلقيح وجني المحصول وتنظيف التمر وفرزه. كانت المواسم أوقات فرح وعمل جماعي. كنا نخرج مع نساء العائلة، نعمل ونغني ونضحك. الدخل كان جيدًا وكنا نعلم أن تعبنا له ثمرة حلوة. كانت الحياة كريمة”.
وتضيف بصوت حزين: “الدمار كان مضاعفًا؛ فقدنا شجرة آمنة وفقدنا الأمان. أصبح الهم الأكبر هو تأمين الماء والخبز وليس جني التمر. كثير من العائلات هاجرت وتركوا أراضيهم. النساء تحمل أعباء أكبر، أصبحنا نبحث عن أي عمل لإعالة أسرنا بعد أن فقد الرجال مصدر دخلهم. أحزن عندما أفكر أن أولادي قد لا يعيشون تلك الذكريات الجميلة التي عشتها أنا”.
وتقول: “نحن لسنا أرقاماً في تقرير، نحن نساء وأطفال وشيوخ نريد أن نعيش بكرامة. ساعدونا لنتعلم من جديد لزراعة الأرض وإنشاء مشاريع صغيرة من منتجات التمر. نريد أن نعيد الحياة ليس فقط للأشجار بل لمجتمعنا الذي تشتت”.
ويقول المهندس الزراعي جمال الحمد من أبناء بلدة الباغوز لـ”963+”: “الكارثة بيئية واقتصادية على حد سواء. فقدان 70% من أشجار النخيل يعني تدمير نظام إيكولوجي كامل. النخيل كان يحمل التربة من التصحر ويوفر ظله للمحاصيل الأخرى. اقتصادياً، الخسائر بالمئات الملايين من الدولارات، والأكثر هو فقدان الأصول الوراثية حيث كانت الباغوز موطنًا لأصناف نادرة متميزة من التمور”.
اقرأ أيضاً: دمار واسع… مسؤولان يكشفان حجم تضرر قطاعي الصحة والتعليم بدير الزور – 963+
ويضيف: “التحديات هائلة؛ تطهير الأرض من المخلفات الحربية والألغام يجعل العمل خطراً. بالإضافة إلى الماء، فإن تدمير أنظمة الري التقليدية والحديثة يحتاج إلى استثمار ضخم لإعادة تأهيلها. بالإضافة للفسائل وزراعة نخيل جديد تحتاج إلى خمس إلى سبع سنوات لتبدأ بالإنتاج. نحتاج إلى برنامج ضخم لتأمين فسائل سليمة ومناسبة للمنطقة وأيضًا الخبرة؛ فكثير من المزارعين الشباب هاجروا وهناك فجوة في نقل المعرفة”.
ويؤكد أن الأمل موجود دائمًا في الزراعة لكنه يحتاج إلى خطة استراتيجية طويلة الأمد لإعادة تأهيل البنية التحتية ودعم المزارعين واستخدام تقنيات ري موفرة للماء. يجب أن تكون إعادة إعمار الباغوز أولوية وطنية؛ فهي استثمار في الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
ويقول السيد مشاري أحد مسؤولي الزراعة في دير الزور لـ”963+”: “قضية الباغوز هي في صلب أولويات خطط الزراعة لدينا. لدينا خطة متعددة المراحل تركز على المرحلة الطارئة وهي تقديم الدعم العيني للمزارعين من فسائل وأسمدة بالتنسيق مع بعض المنظمات الدولية ومحاولة إعادة تأهيل المشاريع الرئيسية وري حديث موفر للمياه، بالإضافة إلى خطط لإنشاء مشاتل محلية لإنتاج الفسائل لتكون مركزاً لإعادة التوطين وتشجيع الاستثمار في الصناعة التحويلية القائمة على التمر”.
ويضيف: “نواجه عدة عقبات أبرزها التكاليف المادية الكبيرة التي تفوق إمكانياتنا بسبب ضخامة حجم الدمار الذي يفوق الإمكانيات المتوفرة لدينا. نحن بحاجة إلى دعم دولي حقيقي ليس فقط على شكل مساعدات ذاتية ولكن على شكل مشاريع تنموية مستدامة”.
ويشدد على أنهم يواصلون العمل على تأمين الدائم لهم وأنها خلال وقت ستعود الباغوز كما كانت معروفة بخيرها رمز الصمود وستعود أحياؤها تزهر ويعود السلام إلى أرضها.
وبين ذاكرة الماضي الجميل وواقع الحاضر المؤلم، يبقى أهالي الباغوز متمسكين بأمل المستقبل. قصتهم هي قصة شعب يؤمن بأن جذور النخيل مثل جذوره في أرضه أعمق من أن تقتلعها قذيفة الدعم الذي يحتاجونه اليوم.










