تطور غير مسبوق شهدته العاصمة القطرية الدوحة باستهداف قيادات من حركة “حماس”، ما اعتُبر امتداداً لمسار التصعيد بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع دخوله نطاقاً جديداً يرتبط بتوسيع قواعد الاشتباك. العملية جرت في سياق يُصنف “فضاءً دبلوماسياً”، بالنظر إلى أن الدوحة، إلى جانب القاهرة، تُعد إحدى العواصم التي تقوم بدور الوساطة، وهو ما اعتُبر خرقاً لمعادلة الوساطة الدولية.
ويرى مراقبون أن هذه العملية تعكس اتجاهاً إسرائيلياً نحو سياسة توصف في الأدبيات العسكرية بأنها “إلغاء زمن الإنذار”، أي حرمان الطرف المقابل من القدرة على الاستعداد المسبق أو التحوط، وإبقائه في حالة انكشاف أمام الضربات المباغتة. في هذا السياق، لا يقتصر الأمر على تقليص خيارات حركة “حماس”، بل يرتبط كذلك بطرح معادلة إقليمية جديدة وإعادة رسم حدود الصراع.
ويُنظر إلى الحدث باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى إلى إعادة تعريف قواعد المواجهة في المنطقة، مع تعزيز حضور القوة العسكرية على حساب القنوات الديبلوماسية. منذ هجوم حركة “حماس” في تشرين الأول/أكتوبر 2023، برز توجه لدى الحكومة الإسرائيلية نحو تقليص قدرة الفاعلين في الصراع، ولا سيما “حماس” ووكلاء إيران في المنطقة، على المناورة أو كسب الوقت، بما يمنح تل أبيب فرصة لفرض إيقاعها الأمني والسياسي وتعزيز نفوذها الإقليمي.
اقرأ أيضاً: جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن الهجوم الإسرائيلي على قطر – 963+
“مكان العملية”
إلى ذلك يشير عمر الرداد، خبير الأمن الاستراتيجي، في حديثه لـ”963+” قائلاً: “لا يمكن اعتبار تحرك إسرائيل تصعيداً استثنائياً وخطيراً في المنطقة من زاوية اغتيال قيادات حركة حماس فقط. فالاغتيالات وقعت سابقاً في ساحات تُصنَّف ضمن فضاء “الممانعة”، سواء في بيروت أو طهران أو دمشق وغيرها. غير أن ما يجعل العملية الأخيرة مختلفة هو وقوعها في قطر تحديداً؛ الدولة التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع حركة حماس وتوفر لها الحاضنة السياسية والمكان الآمن عبر مكاتبها في الدوحة”.
وفي حين قدّمت الدوحة رواية تؤكد أن العملية جرت من دون علمها، مشيرة إلى أنها نُفِّذت بالتنسيق بين الولايات المتحدة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية. لكن توصيف رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني للعملية بأنها “غدر” يحمل دلالة بالغة الأهمية؛ فالغدر لا يكون إلا بين أطراف تربطها تفاهمات أو اتفاقات، ما يوحي بوجود تفاهم أميركي–إسرائيلي من جهة، وتفاهم موازٍ مع قطر من جهة أخرى، وأن إسرائيل هي من أخلّت بهذا التفاهم. ومن هنا تنشأ الشكوك حول حقيقة الموقف الأميركي.
كما أن قطر تمتلك أدوات نفوذ داخل إسرائيل، وهو ما كشفته تسريبات عديدة حول علاقات مكتب نتنياهو والمقربين منه بالدوحة. بل إن هذه القضية باتت تُعرف داخل إسرائيل باسم “قطر غيت”، على غرار “إيران غيت” في الولايات المتحدة إبّان الحرب مع العراق. ومع ذلك، تراجعت قدرة قطر على التأثير مقارنة بما كانت عليه في السابق، فيما تسعى بعض القوى التي تعاونت معها إلى التنصل من ذلك التعاون وأي التزامات سابقة.
اللافت بحسب الرداد أن العملية، رغم طابعها الدرامي وما يحيط بها من غموض وتساؤلات، جاءت في خدمة نتنياهو بالدرجة الأولى؛ إذ أضعفت موقف المعارضة الإسرائيلية، التي وجدت نفسها مضطرة لتأييد استهداف قادة “حماس” أينما كانوا، حتى لا تُتهم بالتساهل مع “الإرهاب”. وقد استثمر نتنياهو هذا السياق بالربط بين هجوم 7 أكتوبر وهجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، في محاولة لترسيخ صورة إسرائيل كجزء من المعسكر الغربي في مواجهة “الإرهاب الداعشي”.
بالمحصلة، يبدو أن نتنياهو واليمين الإسرائيلي أرادوا من هذه العملية أيضاً، بحسب الرداد، “التنصل من الاتهامات السابقة بشأن العلاقات مع قطر، وإظهار أن الدوحة نفسها ليست بمنأى عن الاستهداف. غير أن العملية، في نهاية المطاف، تثير من الأسئلة أكثر مما تقدّم من إجابات واضحة”.
نحو ذات التوجه، يذهب اللواء أحمد الميموني، مدير الدراسات والأبحاث في مركز رصانة الدولي، مقره الرياض، في حديثه إلى “963+” بالقول إنه “التحرك الإسرائيلي بضرب قيادات حماس في الأراضي القطرية يمثّل نقطة تحوّل كبيرة وتصعيداً نوعيّاً، وخطوة قد يكون لها تأثير عميق على بنية الوساطة وميزان القوى في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي”.
ويوضح الميموني أن “هذا الخرق غير المسبوق يشكّل أولاً انتهاكاً صارخاً للسيادة القطرية، إذ إنها المرة الأولى التي تنفّذ فيها إسرائيل ضربة من هذا النوع داخل قطر، وهي دولة لعبت دوراً محورياً كوسيط في ملفات حساسة، سواء ما يتعلّق بالملف النووي الإيراني أو بملف حماس، فضلاً عن كونها ذات علاقات وثيقة بالولايات المتحدة والقوى الغربية”.
ويلفت الخبير السعودي إلى أن هذه التطورات تثير أيضاً “غيوماً من الشك حول الموقف الأميركي، الذي يبدو وكأنه متماهٍ مع إسرائيل من دون إبداء اعتبار كافٍ للعلاقات التي كانت دول الخليج تسعى لترسيخها مع شريك استراتيجي يُقدّر تضحياتها”. واستنتج أن استمرار هذا النهج قد يجعل من “التردد” العنوان الأبرز للتعاون الخليجي–الأميركي، ما لم تُبادر واشنطن سريعاً إلى وضع حدّ لمثل هذه الممارسات المتهورة”.
ويخلُص الميموني إلى أن من المرجّح أن يكون التصعيد القطري في الساحة الدولية، “عبر تحريك الملفات أمام المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية، للتركيز على انتهاك السيادة واستهداف المدنيين، وذلك من أجل رفع التكلفة السياسية والأخلاقية على إسرائيل”.
اقرأ أيضاً: إسرائيل تستهدف قادة “حماس” في قطر – 963+
“ورقة سياسية”
أما بشأن الداخل الإسرائيلي، فيوضح أن “حالة الانقسام الحاد التي تعيشها إسرائيل ستجعل أي رد قطري ورقة سياسية بيد الأطراف المختلفة؛ حيث ستوظّفه الحكومة كدليل على “الحزم” والمسؤولية الأمنية في مواجهة ما تعتبره تهديدًا من حماس وداعميها، ولتبرير سياسات أكثر تشدداً مستقبلاً، بينما قد يستغل المعارضون هذه العملية للتحذير من مخاطر التصعيد وتكاليفه الأمنية والدبلوماسية، خصوصًا إذا أثّر الأمر على العلاقات مع الدول الحليفة للولايات المتحدة.
وحول ما إذا كان يمكن اعتبار ذلك توتراً جديداً بين تركيا وإسرائيل على خلفية العلاقات مع حركة “حماس”، يؤكّد الميموني أنه “لا توجد مؤشرات على أن أنقرة ستتجه نحو مواجهة عسكرية أو رد مباشر ضد إسرائيل”.
ويبيّن أن العلاقات بين الطرفين معقدة ومتشابكة، فهي تتضمّن تعاوناً أمنياً واقتصادياً من جهة، وتوترات سياسية بسبب ملفات إقليمية كسوريا من جهة أخرى. ويشير إلى أن “التوتر الحالي يُصنّف ضمن خانة التوتر السياسي والديبلوماسي الكبير، الذي قد ينعكس على استراتيجيات التعامل مع ملف حماس، وربما يغيّر من مستوى التعاون أو الضغوط التي تمارسها تركيا وقطر على إسرائيل في الساحة الدولية”.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر مطلعة أن قطر أبلغت حركة “حماس” بسلامة وفد التفاوض المتواجد على أراضيها، بعد أن أغلقت الدوحة المنطقة التي يقيم فيها الوفد بالكامل أمام الدخول والخروج.
ووفقاً للمصادر، فإن قيادة الحركة في الخارج تلقت خلال الفترة الماضية تحذيرات من محاولات إسرائيلية لاستهداف عدد من مسؤوليها، ما دفع وفد التفاوض إلى نقل إقامته من قطر إلى تركيا قبل نحو شهرين. إلا أن أنقرة واجهت صعوبة في تأمين قادة الحركة على أراضيها، ما أدى إلى اتصالات مباشرة مع القاهرة لترتيب نقل مؤقت لبعض القيادات إلى مصر.
وفي السياق نفسه، أشارت المصادر إلى أن زياد النخالة، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، انتقل من بيروت إلى القاهرة، في ظل ما وصفته المصادر بـ”صعوبة تأمينه” داخل العاصمة اللبنانية التي أصبحت مكشوفة أمام إسرائيل.
من جانبه، يقول السفير علاء الحديدي، مساعد وزير الخارجية المصري السابق، في حديثه إلى “963+”: “الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطر، مستهدفاً قيادات حماس الموجودة في الدوحة، يُعدّ تصعيداً غير مسبوق، وضرباً بعرض الحائط لكل التفاهمات والأعراف الديبلوماسية وغير الديبلوماسية بين الدول، خصوصاً حين تكون هناك مفاوضات، سواء مباشرة أو غير مباشرة، بهدف التوصل إلى تفاهم أو اتفاق لحل نزاع معيّن”.
ويشير السفير المصري السابق إلى أن “هذا التطور يمثّل تحدياً خطيراً، ليس فقط للإرادة الدولية في احترام سيادة الدول، وإنما أيضاً لأمن المنطقة، وخاصة دول الخليج”.
ويبيّن أن “إسرائيل تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها، بما في ذلك دول الخليج، مستندةً إلى تصريحات عدد من قياداتها”.
ويضيف أن المنطقة قد دخلت، بهذه الضربة، مرحلة جديدة من المبكر جداً التنبؤ بتداعياتها أو معرفة كيف ستنعكس على علاقات إسرائيل مع دول الخليج أو دول أخرى مثل مصر وتركيا”.
ويوضح الحديدي أن إسرائيل، في هذه المرحلة، لا تعبأ بمثل هذه الاعتبارات، معتقدة – خطأً – أنها قادرة وحدها، وبدعم أميركي كامل، على فرض هيمنتها ومنهجها في المنطقة. غير أن هذه، بحسب قوله، “نظرة قصيرة المدى”. أما على المدى البعيد، “فإننا أمام لحظة تاريخية يمكن أن يُؤرَّخ لها كبداية فقدان الثقة في التعاملات الديبلوماسية بين الدول، ولا سيما مع إسرائيل وأميركا، حيث أثبت الواقع أن الوعود والضمانات لم تكن سوى حبر على ورق”.
ومع ذلك، “ليس من المرجح أن يصل الأمر إلى مواجهة مفتوحة بين تركيا وإسرائيل كما يذهب البعض؛ فكلا الطرفين له حساباته الخاصة ويحرص على وجود توازنات معينة تحكم العلاقة بينهما، وهو ما يسمح بقدر من التصعيد، لكن دون الوصول إلى صدام كامل”.
بدوره يؤكد الدكتور كمال الزغول لـ”963+” أن ما جرى يُعدّ تصعيداً استثنائياً من جانب إسرائيل، يحمل في طياته رسالة واضحة إلى جميع الدول العربية: أي دولة عربية تحتضن أي قائد من حماس ستتعرّض للضرب. وهذه رسالة خطيرة وغير منطقية على الإطلاق. فإسرائيل التي عجزت عن تهجير الشعب الفلسطيني إلى الخارج، تريد أن تُجبر الدول العربية على القيام بهذه المهمة نيابة عنها.
إذ يرى الدكتور الزغول أن أفضل رد قطري يجب أن يتجه نحو الضغط على الجانب الأميركي، عبر تحرّك ديبلوماسي منظم يبين أن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط بدأت تتأثر بعد هذه الضربة. فكل ما يمكن فعله عبر مجلس الأمن أو الأمم المتحدة لا يوازي في تأثيره ضغطاً مباشراً على إدارة ترامب.
أما على صعيد الدول العربية، فيدعو الدكتور الزغول إلى عقد اجتماع عربي موسّع يخرج بقرارات ملموسة: المقاطعة، وقف تبادل السفراء، وقطع العلاقات الديبلوماسية. فإسرائيل لن يردعها إلا عمل عربي جماعي، لا بالمعنى العسكري – لأنها تمتلك ترسانة هائلة – بل بمعنى العزلة السياسية والديبلوماسية، بما يؤدي إلى محاصرتها إقليمياً.










