شهدت الآونة الأخيرة تسريبات وتقارير عن عقد اجتماعات رفيعة المستوى بين تركيا وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، ما أثار تساؤلات عديدة حول إمكانية حدوث تغييرات فعلية ومستدامة في واقع مناطق شمال شرق سوريا، بعد أن شكلت هذه المناطق أحد أبرز الملفات المعقدة في الصراع السوري.
وكان المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك قد أكدّ الأسبوع الفائت، أن مباحثات مباشرة تجري بين قائد “قسد” مظلوم عبدي ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، بدعم من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبمشاركة مسؤولين بارزين كإبراهيم كالن، بهدف بناء الثقة وتفادي صراعات متجددة.
وكشفت تقارير أميركية أن الحوار يشمل ملفات حساسة، من أبرزها معتقلي تنظيم “داعش”، ومستقبل الوجود الأميركي في شمال شرق سوريا، إضافة إلى بحث إمكانية دمج “قسد” في الجيش السوري الجديد.
اقرأ أيضاً: توماس باراك: مباحثات متواصلة بين الجنرال عبدي وهاكان فيدان ومسؤولين أتراك
دوافع وانعكاسات
وفي هذا السياق، يوضح مدير مركز ‘‘جي إس إم’’ للأبحاث والدراسات، الدكتور آصف ملحم، في تصريحات لـ”963+”، أن “تركيا تلوّح باستخدام القوة إذا لم تنفذ قسد اتفاق 10 آذار، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي خطوة عسكرية واسعة النطاق ستواجه رفضاً أميركياً واضحاً، خاصة مع مؤشرات المرونة الأخيرة في الموقف الأميركي”.
ويرى أن هذا الإدراك التركي هو ما دفع أنقرة للتفكير الجدي بالحوار المباشر مع قسد، تفادياً لتوترات ميدانية قد تعقّد علاقاتها ليس فقط مع الأكراد، بل مع واشنطن أيضاً.
ويضيف ملحم أن “أنقرة تحاول تصوير مسألة عدم اندماج قسد في الجيش السوري الجديد كعائق رئيسي أمام أي حل سياسي في سوريا، غير أن هذا في جوهره تكتيك تركي للضغط، إذ إن قسد لن تقبل الاندماج دون ضمانات حقيقية بعد ما عانته بعض المكونات السورية من مجازر في السنوات الماضية، خصوصاً بحق الدروز والعلويين”.
كما يلفت ملحم إلى أن “دمشق تتابع بحذر هذه المباحثات، وقد تسعى لاستغلال أي خلاف بين أنقرة وقسد لصالحها، لكنّها تبقى الحلقة الأضعف في المعادلة التي تتحكم بها قوى كبرى مثل واشنطن وموسكو وتل أبيب إلى جانب تركيا”، موضحاً أن هذه القوى الأربع تحاول الحفاظ على نفوذها في الملف السوري، مشيراً إلى “اهتمام روسي متزايد بشرق سوريا بعد أحداث القوقاز، وهو اهتمام قد ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية، لكنه يتعارض مع المصالح الأميركية والتركية”.
اقرأ أيضاً: أنقرة تسلح الجيش السوري.. الدعم مقابل التبعية!
ويخلص ملحم إلى أن “لا تغيّر جوهرياً في الموقف التركي تجاه المسألة الكردية، فتركيا لا تزال تسعى إلى تجريد الكرد من السلاح وإضعافهم سياسياً، باعتبار أن أي قوة كردية منظمة في سوريا ستنعكس بالضرورة على الداخل التركي. وهي، من وجهة نظر أنقرة، تستخدم شعار الحل السياسي والاستقرار في سوريا كغطاء لتحقيق هذا الهدف الاستراتيجي”.
ومع ذلك يرى أن “الحوار القائم لن يصل إلى الفشل طالما أن واشنطن منخرطة فيه بشكل مباشر أو غير مباشر، إذ تملك القدرة على ممارسة ضغوط على جميع الأطراف، بما في ذلك دمشق، لتقريب وجهات النظر وتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة”.
في المقابل، يقدّم الباحث السياسي السوري إياس الخطيب قراءة مغايرة، إذ يرى في تصريحات لـ”963+” أن تركيا باتت مضطرة أكثر من أي وقت مضى للجلوس على طاولة المفاوضات مع قسد، نتيجة عاملين أساسيين: “الأول هو الضغط الإسرائيلي المتصاعد الذي يضع أنقرة أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التوصل إلى حل نهائي سلمي، أو مواجهة عسكرية مباشرة لا تستطيع تحمل تبعاتها. أما العامل الثاني فهو فشل أدوات تركيا في الداخل السوري، من مجموعات وهياكل إسلامية مسيطرة على دمشق، بعد خسائرها الأخيرة في السويداء، ما جعل أنقرة تدرك أن ورقة الوكلاء قد احترقت وأن المجتمع الدولي يميل للتخلص منهم في القريب العاجل”.
ويضيف الخطيب أن “تركيا تدرك تماماً أن المماطلة لم تعد ممكنة، وأن أنصاف الحلول لم تعد تنفع، لكن مشكلتها أنها لا تزال تدخل المفاوضات من موقع الاستعلاء، ملوّحة بخيار التدخل العسكري إذا فشلت. وهذا السلوك قد يعيدها سريعاً إلى مربع الصفر ويفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع قسد المدعومة من التحالف الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل”.
اقرأ أيضاً: سردية النفوذ التركي في سوريا بين الأمن القومي والمطامع
هل نحن أمام ‘‘واقع جديد’’؟
ويرى الخطيب أن “قسد”، في المقابل، ليست كما كانت في السابق، بل أصبحت أكثر نضجاً سياسياً وعسكرياً من خلال مؤسساتها السياسية “مسد” والعسكرية “قسد”، ولم تعد تقبل بالحلول الجزئية أو الوقتية، بل تطالب بضمانات فعلية لتثبيت مكتسباتها واعتراف بإدارتها الذاتية.
ويؤكد أن “الحلول الآنية لم تعد قادرة على حماية المشروع الكردي، ما يجعل من الحسم النهائي خياراً لا مفر منه، بينما يستمر الأتراك في الاعتماد على أساليب المراوغة والضغط التي لم تعد تناسب المرحلة”.
ويحذّر الخطيب من أن “إصرار تركيا على الصيغة الاستعلائية في المفاوضات، مع التلويح بعمل عسكري ضد قسد، سيؤدي في النهاية إلى خسارات متتالية على الأرض السورية، بل وربما إلى انهيار مشروعها بالكامل”.
ويضيف: “في حال عادت أنقرة إلى مربع الصفر، فإنها ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوة عسكرية منضبطة ومدعومة من التحالف الدولي، وسط صمت متعمّد من القوى الدولية الأخرى التي باتت تتطلع إلى التخلص من أدوات تركيا في دمشق، ما قد يفتح الباب أمام تغيير واسع في الحكم السوري وتكريس واقع تقسيمي جديد”.
وبذلك، يبدو أن مسار المفاوضات بين أنقرة وقسد يتأرجح بين فرص التسوية وضغوط المواجهة، حيث تتفق معظم القراءات على أن المآلات النهائية ستعتمد على قدرة تركيا على التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة، أو إصرارها على سياسات قد تدفعها إلى الخسارة الكبرى في الملف السوري.










