منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، لعبت بعض القوى الإقليمية والدولية أدواراً مختلفة في دعم أطراف الصراع، ومن بين هذه القوى تركيا التي تشترك في حدود بامتداد 911 كيلومتراً مع سوريا. فكانت تقدم دعماً عسكرياً رئيسياً من تمويل وتدريب وتسليح للمعارضة المسلحة وخاصة للجيش الوطني السوري الذي شنت معه منذ عام 2016 عدة عمليات عسكرية عبر الحدود ضد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) الذين تعتبرهم أنقرة تهديداً لأمنها القومي.
ولكن بعد سقوط النظام السوري السابق تغيرت الاستراتيجية التركية فبدلاً من التعامل مع فصائل باتت اليوم تتعامل مع الجيش الرسمي للحكومة السورية، حتى وصل الأمر إلى حد توقيع اتفاقية تعاون عسكري معها تشمل تسليح الجيش وتدريبه، وهي خطوة يرى فيها مراقبون أنها تمثل محاولة تركية لإعادة التموضع في الساحة السورية بطريقة مؤسساتية مستدامة، ويمكن أن تُخضع الحكومة السورية لمعادلة الدعم وإعادة بناء الجيش مقابل التبعية للقرار التركي إذا لم تستطع دمشق إعادة تثبيت السيادة الوطنية وإدارة العلاقة مع أنقرة بما يحفظ استقلال القرار السوري.
مذكرة تفاهم دفاعية
وقالت وكالة أنباء “رويترز“، عن مصادر في وزارة الدفاع التركية أن أنقرة ستوفّر أنظمة تسليح ومعدات لوجستية وستقدّم تدريب واستشارات عسكرية للجيش السوري الجديد في إطار اتفاق تعاون عسكري تم توقيعه الأربعاء 14 آب /أغسطس الجاري في تركيا، بين وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة ونظيره التركي يشار غولر.
وتتضمن الاتفاقية برامج تدريب على المهارات المتخصصة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، والدفاع السيبراني، والهندسة العسكرية، واللوجستيات، وعمليات حفظ السلام، وفق أفضل الممارسات الدولية. كما تنص الاتفاقية أيضاً على تقديم مساعدة فنية، من خلال إرسال خبراء مختصين لدعم عملية تحديث الأنظمة العسكرية والهياكل التنظيمية وقدرات القيادة في الجيش السوري، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية )سانا).
وتأتي هذه الخطوة بعد طلب رسمي من دمشق في منتصف تموز/يوليو الفائت، للحصول على دعم عسكري وفني من أنقرة لتعزيز القدرات الدفاعية السورية، عقب سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع في العاصمة دمشق منها مقر هيئة الأركان السورية، وسط تصاعد أعمال العنف الطائفي في السويداء.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد زار في مطلع شباط/فبراير الفائت، تركيا واجتمع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث نوقشت حينذاك سبل إنشاء قواعد عسكرية تركية في سوريا (تدمر، مطار حماة، مطار تي 4 في حمص، معبر منغ بريف حلب) وتدريب الجيش الجديد واستخدام المجال الجوي السوري لأغراض عسكرية، إلاّ أن الأمر حينها قوبل بقصف إسرائيلي على تلك القواعد العسكرية، وقالت إسرائيل أنها ‘‘رسالة مباشرة لأنقرة، لن نسمح لها بتعزيز نفوذها العسكري في سوريا’’.
اقرأ أيضاً: تركيا تتعهد بتقديم أنظمة أسلحة وتجهيزات عسكرية للحكومة السورية
الدوافع التركية
في تصريحات لـ”963+”، يوضح الصحفي والباحث المتخصص في الشؤون التركية، سيد عبد المجيد، المقيم في أنقرة، أن الدوافع التركية من وراء مذكرة التعاون العسكري مع الجانب السوري، هي إرسال رسالة للشعب التركي بأنها لا تزال قوية وتملك نفوذاً قوياً في سوريا بعد فشل سياستها الاقتصادية في الداخل، وكذلك إرسال رسالة للإقليم بأنه لا يمكن تجاهل تركيا في رسم مستقبل سوريا.
ويتابع قائلاً: “لا يمكن وصف التعاون الحاصل الآن بشراكة استراتيجية عسكرية، وإنما الهدف من تدريب أنقرة للجيش السوري هو إثبات وجود من جانب ومن جانب آخر النظر لبعيد أي ضمان حصة معتبرة من إعادة الإعمار”.
بينما يرى الخبير العسكري والاستراتيجي نضال أبو زيد، في تصريحات لـ”963+”، أنه ‘‘من مصلحة تركيا بناء جيش سوري قوي لحماية حدودها الجنوبية، لأنها تدرك مدى المخاطر والتحديات على حدودها، ليس فقط لحماية أمنها القومي من التواجد الكردي كما يعتقد الأتراك، بل من امتدادات بعض الفصائل اليمينية المتطرفة الراديكالية مثل بقايا داعش’’.
من جهته، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي آلان بيري، أن تركيا تسعى إلى زيادة تأثيرها على كل ما هو مفصلي وحيوي في سوريا ما بعد سقوط الأسد، ولكن هذه المرة ليس بشكل تقليدي أو بشكل وقتي، وإنما تثبيت هذا التأثير من خلال ربطه بتفاهمات واتفاقيات مُلزِمة للجانب السوري، لشرعنة دخولها في سوريا.
ويضيف بيري في تصريحات لـ”963+”، قائلاً: ‘‘لعل أن منظومة الجيش التي لم تتشكل بعد، تشد تركيا في الوقت الحالي أكثر من أي أمر آخر، لا سيما وأنها شكّلت مجموعات قتالية تقاتل مقابل المال (فصائل مرتزقة)، لما لهذه المنظومة من تأثير محوري خصوصاً في الدول الهشة والتي تعاني من صراعات داخلية مثل سوريا’’.
اقرأ أيضاً: سردية النفوذ التركي في سوريا بين الأمن القومي والمطامع
معادلة ‘‘الدعم مقابل التبعية’’
وحول ما إذا كانت اتفاقية التعاون العسكري تشكّل فرصة لإعادة بناء الجيش السوري أم مدخلاً للتبعية التركية، يعقّب بيري، أن التمويل والتدريب والإسناد العسكري الذي ستقدمه تركيا للجيش السوري، بكل تأكيد سيضع الأخير في موضع تبعية عملية، كما كان الأمر مع الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا في الشمال السوري حيث أصبح مرتبطاً بقرارات تركية ويعمل وفقاً لأجنداتها.
ويوضح بيري أن تركيا ستستثمر في هذه التبعية بحيث تحولها إلى صيغة قانونية من خلال توقيع مجموعة من الاتفاقيات والتفاهمات، حتى تتمكن من تجاوز العقبات التي قد تعترض طريقها في حال ظلت تتعامل مع سوريا وكأنها مُستعمرة تركية، تشكل فيها تركيا سلطة انتداب، وفق تعبيره.
وينوه المحلل السياسي السوري إلى أن الحكومة السورية لن تستطيع إدارة علاقتها مع تركيا بما يحفظ استقلالية القرار السوري، قائلاً: ‘‘الصراعات السورية الداخلية تحول دون تشكيل قرار سوري موحد موجه للخارج، فكل قوة مؤثرة في سوريا تمتلك علاقات عابرة للحدود، وتركيا تريد أن تستثمر هشاشة الدولة السورية لتحقيق سياساتها الخارجية مروراً أو على الأراضي السورية’’.
ويوافقه الرأي الباحث في الشؤون التركية، الذي يرى أن الحكومة السورية لا تسيطر على مجمل التراب السوري وبالتالي لا يمكن الحديث عن استقلالية القرار السوري في السياق العام، لذا ستكون مسلوبة الإرادة أيضاً أمام أنقرة حتى بدون تسليح الجيش السوري فهناك انصياع واضح من قبل دمشق لأنقرة.
بينما يرى أبو زيد أن الأمر لن يصل لحد التبعية التركية، ويعتقد أن الجانب السوري قد يقبل بدور محدود لتركيا، خاصة وأن الأخيرة ساعدت الحكومة الحالية في إسقاط نظام الأسد، ولكن تعلم الحكومة السورية أن بعض القوى الداخلية ودول جوار سوريا وإسرائيل ترفض إحلال الدور التركي في سوريا محل الدور الإيراني في السابق، موضحاً أن ‘‘أي خطوة في هذا المجال قد تدفع بإسرائيل إلى التحرك نحو دمشق لذا توازن الأخيرة خطواتها بدقة في هذا الخصوص’’.
اقرأ أيضاً: فرنسا وتركيا تتصارعان في سوريا!
الانعكاسات: السياسية والعسكرية والإقليمية
ويرجح الخبير العسكري والاستراتيجي أن تكون انعكاسات التعاون العسكري إيجابية وستساعد في ترتيب البيت السياسي والأمني والعسكري السوري، ويضيف قائلاً: ‘‘تركيا دولة قوية وعضو في حلف الناتو، وتملك إمكانيات تمكنها من رسم المشهد الأمني والسياسي السوري، لذا العقيدة القتالية للجيش السوري السابق والتي كانت عقيدة شرقية من الممكن أن تتحول إلى أن تكون أقرب إلى عقيدة الناتو سواء في إعادة بناء الجيش أو حتى في الشكل العام للجيش’’.
بالنسبة لموقف الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وروسيا يعتقد أبو زيد، أنها ستقبل بتسليح وإعادة بناء الجيش السوري لأن هناك توافق دولي على وجود سوريا مستقرة وهناك حراك دبلوماسي دولي وليس فقط إقليمي في هذا الشأن. في ذات السياق يوضح عبد المجيد أن ‘‘الدول النافذة في الإقليم لا ترى في التواجد التركي إخلالاً بالتوازن في المنطقة لإدراكها أن موضوع التسليح لن يخرج عن نطاق التدريب وتبادل الخبرات، لأن إسرائيل ببساطة لن تسمح بأكثر من ذلك’’.
ويشير عبد المجيد إلى أن أقصى ما يمكن أن تفعله تركيا هو تبادل المعلومات الاستخباراتية وتقديم استشارات فنية وتقنية وتدريب في نطاقات محدودة، ويؤكد على أنها لا تستطيع مد مظلتها التسليحية على سوريا ويرجع السبب إلى وجود تحذيرات لا يمكن تجاوزها من قبل دمشق وأنقرة وهي أن تسليح الجيش السوري سيضع الأخيرة في مواجهة فعلية أمام تل أبيب التي تنتهز الفرصة للتصعيد ضدها، وهذا من شأنه أن يكون له انعكاس آخر وهو تقليب البيت الأبيض على أردوغان الذي لا يرغب في إزعاج ترامب.
بينما يختم بيري حديثه، بأنه لا يمكن من المنظور الحالي تحديد مدى تداعيات التأثير التركي على سوريا في المستقبل المتوسط والبعيد، إذ أن سوريا ما تزال غير مستقرة، والخيارات والاحتمالات جميعها ما تزال قائمة فيما يتعلق بمستقبل الحكومة السورية، ولكنه يؤكد على أن تنامي التأثير التركي في سوريا مرتبط بضعف وخلل في استقلالية القرار السوري، الذي ما يزال يتصف بالتبعية لدول إقليمية.
في المحصلة، بينما تهتم الحكومة السورية ببناء جيش دفاعي يحقق الاستقرار، فإن الدعم التركي الواضح يغلفه تبعية عسكرية وسياسية لا يمكن تجاهلها في المرحلة الحالية، إلاّ أن درجة هذه التبعية قد تتغير بحسب التحولات الإقليمية، تدخل قوى أخرى مثل روسيا أو الخليج أو تطورات داخلية في سوريا تُفضي نحو استقلالية أكثر.










