تشهد الساحة الإقليمية حراكاً سياسياً متسارعاً مع الحديث عن مفاوضات سورية – إسرائيلية قد تنتهي إلى اتفاق أمني شامل في أيلول/ سبتمبر المقبل، برعاية أميركية وخليجية، وفق ما كشفت القناة الإسرائيلية “12”. هذه المفاوضات، التي تدار بعيداً عن الأضواء، تأتي في لحظة دقيقة تعيشها سوريا بعد سنوات من الحرب والأزمات الداخلية، فيما تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسبها في الجولان وتعزيز أمنها على الحدود الشمالية.
دمشق: أي اتفاق على أساس “خط 1974”
الرئيس السوري أحمد الشرع أكد خلال لقائه وفداً إعلامياً عربياً أن بلاده منخرطة في “مباحثات متقدمة مع إسرائيل، وأي اتفاق سيبنى على أساس خط الهدنة لعام 1974″، وأوضح أن دمشق “لن تتردد في اتخاذ أي قرار يخدم مصلحة سوريا والمنطقة، واتهم إسرائيل بمحاولة التدخل في الجنوب السوري وخاصة السويداء لإضعاف الدولة”.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي قد قال أمس الاثنين، إن “الجيش سيبقى في جبل الشيخ والمنطقة العازلة داخل سوريا”.
اقرأ أيضاً: الشرع: هناك مباحثات متقدمة بشأن اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب – 963+
وحول طبيعة المفاوضات، يقول الصحفي المتخصص في الشأن الإسرائيلي عصمت منصور لـ”963+”، إن تل أبيب “تسعى إلى استغلال ضعف النظام السوري والأزمات الداخلية لفرض واقع أمني جديد. فبدلاً من قاعدة الانسحاب إلى حدود 1967 كما كان في المفاوضات السابقة، تعمل إسرائيل اليوم على تكريس خطوط وقف إطلاق النار لعام 1974 كحدود سياسية فعلية، من خلال سيطرتها على الجولان وقمة جبل الشيخ”، مضيفاً أن “تحويل الاتفاقات العسكرية المؤقتة إلى تفاهمات سياسية وأمنية طويلة الأمد يعني عملياً إضعاف السيادة السورية”.
ويشير منصور إلى أن إسرائيل “تطرح فكرة الوصاية الإنسانية على الدروز وفتح ممرات خاصة لهم، ما يمهّد لفصل مناطق كاملة عن النسيج الوطني السوري، في الوقت الذي يعزز فيه الاعتراف الأميركي بضم الجولان الموقف الإسرائيلي ويجعلها أكثر تصلباً في رفض أي حديث عن الانسحاب”.
اقرأ أيضاً: توماس باراك: الرئيس السوري يريد علاقات تعاون مع لبنان – 963+
الوساطة الأميركية: مدخل لاستقرار سوريا ولبنان
من جهة أخرى، يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن هذه المفاوضات تأتي ضمن رؤية أميركية أوسع تهدف إلى “ضمان استقرار إقليمي طويل الأمد يشمل سوريا ولبنان معاً.
ويضيف لـ”963+”: “غياب التفاهمات الأمنية مع إسرائيل كان سبباً في تصاعد التوترات والانقسامات داخل سوريا. الاتفاق الجديد قد يكون مدخلاً لمعالجة هذه المعضلات الداخلية، ويمنح الحكومة السورية الحالية فرصة لإثبات جدّيتها في الانتقال السياسي وضمان وحدة الأراضي”.
أما في لبنان، فيوضح علوان أن “التفاهمات الأميركية – الإسرائيلية – السورية قد تدفع حزب الله تدريجياً للتخلي عن سلاحه والتحول إلى تنظيم سياسي، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين بيروت ودمشق”، لافتاً إلى أن الدعم الخليجي والتركي المتوقّع قد يضع هذه التفاهمات في إطار تنمية اقتصادية إقليمية أوسع.
وكان قد قال المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، في تصريحات لموقع “أكسيوس” أمس الاثنين، إن سوريا وإسرائيل لا تزالان بعيدتين عن التوصل إلى اتفاقية حتى الآن، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن المحادثات بين الطرفين تمضي بشكل إيجابي.
وأوضح باراك أن هناك احتمالاً للتوصل إلى اتفاقية أمنية مشتركة، لافتاً إلى وجود نية ورغبة متبادلة لدى دمشق وتل أبيب لإبرام الاتفاق، غير أن الأمر يتطلب المزيد من العمل والجهود لتحقيق ذلك.
اقرأ أيضاً: سوريا وإسرائيل تقتربان من توقيع اتفاق أمني.. ما هي بنوده؟ – 963+
أما الباحث في المركز العربي للأبحاث أحمد قاسم حسين فيعتبر أن “أي اتفاق أمني مرتقب سيقوم على معادلة متبادلة وهي وقف الضربات الجوية الإسرائيلية مقابل ضمان عدم وجود تهديدات أمنية قرب الجولان”.
ويضيف لـ”963+”: “هذا يفتح الباب أمام قنوات تنسيق غير معلنة قد تحافظ على حد من الاستقرار دون المساس بتحالفات سوريا الإقليمية الحساسة”.
لكن هل يعني ذلك انطلاق مسار تطبيع؟ يجيب حسين: “السيناريو الأقرب هو التطبيع التدريجي على مستويات: قصيرة المدى عبر الترتيبات الأمنية، متوسطة المدى عبر تعاون إنساني أو اقتصادي محدود، وطويلة المدى إذا أثبت الاتفاق فعاليته، بما يمهّد لمسار سياسي أوسع شبيه بتجارب مصر والأردن، لكن مع خصوصية الوضع السوري”.
ويؤكد حسين أن القوى الدولية ستكون جزءاً من هذه المعادلة: “روسيا ستسعى إلى ترسيخ نفسها كضامن رئيسي، بينما ترى واشنطن الاتفاق فرصة لإعادة إدماج سوريا إقليمياً وتقليص نفوذ إيران. الأخيرة قد تكون الخاسر الأكبر إذا تحوّل الاتفاق إلى سياسي شامل، إذ ستُجبر على تقليص وجودها العسكري، وربما إعادة التموضع اقتصادياً أو سياسياً”.










