في سياق تطورات الأوضاع العسكرية والسياسية في سوريا، تبرز أنباء عن احتمال عودة نشر قوات روسية في المحافظات الجنوبية، وذلك بعد زيارة وفد سوري رفيع المستوى إلى موسكو ضم وزيري الخارجية والدفاع.
وتأتي هذه الخطوة المحتملة في إطار مساعي دمشق لاحتواء التصعيد الإسرائيلي المتكرر وتخفيف التوترات الداخلية، خاصة في محافظة السويداء.
ونقلت صحيفة “كوميرسانت” الروسية في 11 آب/أغسطس 2025 عن مصادر مطلعة أن الحكومة السورية أعربت عن رغبتهافي استئناف عمل الشرطة العسكرية الروسية في الجنوب، على غرار النموذج السابق الذي كان معمولاً به قبل سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024.
وفسّر مراقبون هذه المعلومات على أنها “تسريب مُتعمّد” من جهات روسية رسمية لاستكشاف ردود الفعل الدولية، خاصة مع اقتراب قمة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب المقررة في 15 أغسطس.
وتشير المعطيات التي تتحدث عنها وسائل إعلامية دون تأكيدات رسمية إلى أن دمشق ترى في الوجود الروسي ضمانة لتقليل الهجمات الإسرائيلية التي تتذرع بحماية “منطقة عازلة” في الجولان المحتل ودعم الطائفة الدرزية في سوريا.
كما أن نشر قوات روسية قد يسهل إجراءات تسليم سلاح محافظة السويداء، التي تشهد توترات متصاعدة منذ هجمات شنتها قوات حكومية مدعومة بعشائر مسلحة.
ويعتقد محللون أن هذه الخطوة مرتبطة بمفاوضات جرت خلال زيارة الوزيرين السوريين إلى موسكو أواخر تموز/يوليو الماضي، والتي شملت اجتماعات مع الرئيس بوتين ومسؤولين أمنيين رفيعي المستوى.
وكشفت “كوميرسانت” أن مصدرها، الذي حضر لقاءً لوزير الخارجية أسعد الشيباني مع الجالية السورية في موسكو، استنتج أن دمشق تريد إعادة الانتشار الروسي لـ”حماية سيادتها” في الجنوب.
اقرأ أيضاً: صراع الممرات: داوود والسلام الإسرائيليَين وطريق التنمية التركي
من جهتها، تبدي إسرائيل موقفاً مرناً تجاه هذه الخطوة، وفقاً لمصدر إسرائيلي أشار إلى أن موافقة تل أبيب ستخضع لضوابط تتعلق باتفاقياتها الأمنية مع موسكو وطبيعة أي تفاهم روسي-سوري جديد.
يشار إلى أن بوتين أجرى اتصالين هاتفيين مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في غضون أسبوع، ناقش خلالهما الوضع السوري، مع تأكيد الكرملين على “وحدة سوريا وسيادتها”.
وفي سياق متصل، لوحظ تعزيز روسي ملحوظ في مطار القامشلي شمال شرق سوريا، بما في ذلك تحركات دوريات عسكرية مصحوبة بمروحيات، وهي الأولى من نوعها منذ سقوط النظام السابق.
وتعتمد موسكو في سياستها الجديدة تجاه سوريا، وفق تقارير، على عنصرين رئيسيين: الحفاظ على وجود عسكري استراتيجي (خاصة في طرطوس واللاذقية)، ودفع مسار سياسي يحقق “توازنات” تمنع انهيار الدولة السورية. كما تتعاون مع تركيا، التي تُعتَقد أنها وسّطت لزيارة الوفد السوري إلى موسكو، فيما يبدو تقارباً غير مسبوق بين الأطراف الفاعلة في الملف السوري.
تحالفات مصلحية وانفراجات متجددة
في ظل التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في سوريا، تبرز العلاقات بين دمشق وموسكو كأحد أبرز الملفات التي تشهد تحولات دقيقة، خاصة بعد سقوط نظام بشار الأسد.
الباحث السياسي السوري رضوان الأطرش، المتخصص في الشأن السوري من إدلب، يرى أن هذه العلاقات تشهد “انفراجات” ملحوظة، لا سيما في أعقاب زيارة وزير الخارجية السوري إلى موسكو برفقة وزير الدفاع.
وتناقش الأوساط السياسية أنباءً عن حضور الرئيس المؤقت أحمد الشرع للقمة العربية الروسية في العاصمة الروسية، ما يعكس محاولات لتعزيز التواصل بين الجانبين.
ويشير الأطرش في تصريحات لـ”963+” إلى أن الوجود الروسي في سوريا ليس وليد اللحظة، بل يمتد لعقود، مع وجود قواعد عسكرية جوّية في حميميم وبحرية في طرطوس، ما يمنح موسكو نفوذاً استراتيجياً.
اقرأ أيضاً: الجنوب السوري: لا يكفي أن تعود روسيا.. أوقفوا أمراء الحرب أولاً
ويلفت إلى أن روسيا قد تلعب دوراً محورياً في التهدئة بين الحكومة السورية وإسرائيل، خاصة في ظل رفض قطاعات سورية واسعة للتواجد التركي في الجنوب.
ويؤكد أن طبيعة هذه العلاقات “تحكمها المصالح”، فإذا كان الوجود الروسي قادراً على الحد من التوغلات الإسرائيلية وإحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، فإن ذلك “مرحب به”، مشدداً على أن القرار النهائي يبقى بيد الحكومة السورية التي “تقدر مصالحها بنفسها”.
موطئ قدم في مرحلة جديدة
من جهتها، ترى الدكتورة علا شحود، الأستاذة في معهد الاستشراق بموسكو، أن الثقة بين الجانبين الروسي والسوري “تترسخ أكثر” منذ سقوط الأسد. وتستذكر كيف كانت روسيا الداعم الرئيسي لنظام الأسد خلال الحرب السورية، حيث دعمت بقاءه كـ”رئيس شرعي” للبلاد لسنوات.
لكنها تشير لـ”963+”، إلى أن موسكو لم تتدخل عسكرياً عند سقوطه في 8 ديسمبر، ما يكشف – بحسب شحود – عن “يد روسية كبرى” في التطورات الأخيرة، خاصة فيما يتعلق بأزمتي الجنوب السوري والطائفة الدرزية.
وتوضح أن روسيا كانت من أوائل الدول التي أجرت اتصالات مع نظام الحكم الجديد برئاسة الشرع، وذلك لأسباب “براغماتية” بحتة، أبرزها الحفاظ على قاعدتي حميميم وطرطوس، اللتين تشكلان محوراً للعمليات اللوجستية الروسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتؤكد أن الوجود الروسي في سوريا “غير قابل للمساومة”، بل هو “ضرورة” لموسكو، لا سيما في ظل حاجة الحكومة السورية الحالية لدعم خارجي بعد المجازر الأخيرة في السويداء والساحل، والتي أثارت انتقادات دولية وحمّلت الحكومة المؤقتة مسؤولية عدم السيطرة على الفصائل المسلحة.
وتلفت شحود إلى أن تقرير المبعوث الأممي بيدرسون عن مجازر السويداء، بالإضافة إلى المطالبات الدولية بحماية الأقليات، قد زادا من الضغوط على الحكومة السورية، ما دفع أنقرة – بحسبها – إلى نصح دمشق بـ”استرضاء الروس”.
وترى أن زيارة وفد سوري رفيع إلى موسكو، ضم وزيري الخارجية والدفاع، جاءت استجابة لطلب روسي مباشر لبحث الملفات العسكرية، ما يؤشر على عمق التدخل الروسي في التفاصيل الأمنية.
اقرأ أيضاً: ماذا يحمل الشيباني في حقيبته إلى روسيا؟
وتختتم شحود بالتشديد على الارتباط العسكري التاريخي بين البلدين، حيث تدرب الضباط السوريون على الأسلحة الروسية لعقود، منذ عهد حافظ الأسد.
وتخلص إلى أن الحكومة السورية الحالية “لا تستطيع التخلي عن الروس”، الذين يشكلون “حصناً منيعاً” لها في وجه التحديات الداخلية والخارجية، مما يضمن لموسكو دوراً طويل الأمد في المشهد السوري، بغض النظر عن التحولات السياسية القادمة.










