تتصرف الحكومة السورية كما لو أن إعادة الشرطة العسكرية الروسية إلى الجنوب السوري ستفتح أبواب الجنة، وتعيد الأمن والاستقرار بمجرد نشر بضع دوريات مدرعة. غير أن هذه المقاربة، الساذجة أو المتواطئة، تتجاهل حقيقة يعرفها كل مواطن في درعا والقنيطرة والسويداء: الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب العربات المصفحة، بل في أن مدن الجنوب مخطوفة منذ سنوات على يد أمراء حرب تحولوا إلى حكّام فعليين.
منذ انهيار نظام الأسد في أواخر 2024، ترك الفراغ الأمني الباب مفتوحاً أمام كل من أراد اقتطاع جزء من الجغرافيا لمصلحته. إسرائيل سارعت إلى استغلال الفوضى لتثبيت منطقة عازلة على حدود الجولان المحتل تحت شعار “الأمن القومي”، بينما كانت الحقيقة أنها وجدت فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها بلا تكلفة سياسية أو عسكرية تذكر.
إيران، من جهتها، لم تغادر المشهد، بل أعادت تموضع ميليشياتها، بدّلت وجوه قادتها، وأبقت شبكاتها الأمنية والعسكرية نشطة عبر وكلاء محليين. أما الفصائل المحلية التي كانت تتغنى بخطاب “حماية الأهالي”، فقد تحولت إلى الخطر الأكبر على السكان، تمارس الجباية، وتفرض الإتاوات، وتتحكم في الوقود والخبز وحتى مياه الشرب.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، لن تضيف الدبابات الروسية شيئًا حقيقيًا ما لم ترافقها خطة صارمة لتفكيك الميليشيات وتجريدها من السلاح. وإلا، فإن العودة الروسية ستكون مجرد ورقة تجميل لواقع قبيح، وربما غطاء لاستمرار الفوضى تحت عنوان “التنسيق الأمني”.
اليوم، يغرق الجنوب في شبكة مصالح متشابكة:
- تهريب سلاح ومخدرات عبر الحدود الأردنية والفلسطينية المحتلة.
- اقتصاد ظلّ قائم على النهب والابتزاز.
- صفقات سياسية بين أمراء الحرب وأطراف إقليمية تتجاوز سلطة الحكومة.
- سلاح ثقيل يوازي ترسانة بعض الجيوش، خارج أي سيطرة وطنية.
رغم ذلك، تتصرف الحكومة السورية وكأن هذه المجموعات يمكن ترويضها أو استيعابها عبر وعود ومناصب، متناسية أن من يحكم بالسلاح لا يسلّمه طواعية، وأن الولاءات المبنية على المال والسلاح تتغير مع أول عرض مغرٍ.
إسرائيل لن تمانع عودة روسيا إذا كانت ستشكل حاجزًا أمام النفوذ الإيراني، لكنها تدرك أن الميليشيات الموالية لطهران بارعة في التخفي؛ ترفع صباحًا علم الحكومة السورية، وتعود مساءً لرايات الحرس الثوري. هذا المشهد لا يمكن تغييره بدورية روسية أو حتى بفرقة مدرعة كاملة، بل بعملية أمنية وسياسية شاملة تفرض سيادة الدولة على كل متر في الجنوب.
الحقيقة المرة أن الحكومة السورية أمام خيارين لا ثالث لهما:
- إعادة إنتاج الجنوب كمحمية أمنية روسية–إسرائيلية بواجهة سورية شكلية، حيث تعيش الميليشيات تحت سقف “هدنة دائمة” مع بقاء سلاحها.
- الدخول في مواجهة شاملة مع أمراء الحرب، مهما كان الثمن، لإعادة الجنوب إلى سلطة الدولة ضمن مشروع وطني حقيقي.
مصير آلاف المقاتلين المنتشرين في القرى والمدن، والذين يتحكمون يوميًا في حياة الناس، هو كلمة السر في أي حل. تجاهل هذا الملف يعني أن كل حديث عن الاستقرار مجرد وهم سياسي.
وإذا كانت الحكومة تفتقر للشجاعة السياسية والعسكرية لمواجهة أمراء الحرب، فإن الصدق مع الناس أولى من بيع الأوهام عبر بيانات وصور بروتوكولية مع ضباط روس. فالدوريات الروسية – مهما بدت أنيقة أمام الكاميرات – لن تغيّر واقع الجنوب، بل ستكتفي بحراسة الخراب أو التعايش معه.
الجنوب السوري لا يحتاج إلى زائر أجنبي جديد يتفرج على فوضاه، بل إلى قرار وطني حاسم يقطع شريان الحرب: السلاح غير الشرعي، شبكات التهريب، والولاءات العابرة للحدود. من دون ذلك، ستبقى كل “عودة” مجرد فصل جديد في مسرحية طويلة، يدفع ثمنها السوريون، ويموّلها أمراء الحرب من دم الناس وجيوبهم.










