سقوط النظام السوري السابق شكّل نقطة تحول محورية فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذبات الإقليمية والدولية، حيث باتت تتقاطع في سوريا الغنية بالتاريخ والجغرافيا مصالح عدة دول على رأسها إسرائيل وتركيا، فالصراع بين هاتين الدولتين على الجغرافيا السورية المنهكة لم يعد يقتصر على الاعتبارات الأمنية التقليدية، بل يتعداه إلى صراع استراتيجي متعدد الأبعاد، في صلبه سباق على النفوذ الاقتصادي، وخصوصاً الغاز الطبيعي وممرات التجارة، حيث باتت تشكّل أحد أهم محركات السياسة في شرق المتوسط.
سباق تركي إسرائيلي
ولفهم التنافس الجيوسياسي التركي الإسرائيلي في سوريا، نعود قليلاً إلى الوراء، فمنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، قطعت معظم الدول الأوروبية علاقاتها التجارية والاقتصادية مع روسيا من أجل الضغط عليها لإيقاف عمليتها العسكرية ضد أوكرانيا، لذا بدأت دول القارة العجوز تبحث عن مصادر بديلة للطاقة، وهو ما زاد من أهمية الطرق التجارية الدولية خصوصاً تلك التي تربط أوروبا بمنطقة الشرق الأوسط، ومن هنا تظهر أهمية مشروعي ‘‘ممر داوود’’ و ‘‘ممر السلام’’ الإسرائيليَين ومشروع ‘‘طريق التنمية’’ التركي، وأهمية موقع سوريا في المعادلات التجارية والأمنية بالنسبة للطرفين.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة “The Cradle” المعنية بمنطقة غرب آسيا، تقريراً لها، تطرّقت فيه إلى السباق بين الرؤيتين الإسرائيلية والتركية في سوريا، وألقت الضوء على خطط ممرات النقل التي تتقاطع وتتنافس بين المشروعين، المشروع الأول هو ‘‘طريق التنمية’’ التركي الذي يهدف لإنشاء ممر نقل بري وسككي يربط موانئ الخليج العربي بأوروبا عبر تركيا والعراق وسوريا لنقل البضائع والطاقة، والمشروع الثاني هو ‘‘خط السلام’’ الإسرائيلي الذي يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط وأوروبا عبر الجنوب السوري والأردن.
وأوضحت المجلة أنه مع التهديدات الأمنية التي تعرّضت لها الممرات البحرية خلال فترة العامين التي مضت، لا سيما هرمز وباب المندب، أصبح الممران البريان التركي والإسرائيلي أكثر إلحاحاً وضرورة للتجارة الإقليمية والدولية وساحة معركة استراتيجية في النظام الإقليمي الجديد.
كما نوهت المجلة الكندية إلى أن موقع السويداء هو في قلب المعادلات التجارية والأمنية لتركيا وإسرائيل، لذا من هذا المنطلق فإنها ستبقى بوابة محتملة ودائمة للحرب. فبالنسبة لإسرائيل، يعد جنوب سوريا ممر محتمل لخطط النقل وسكك الحديد، ومحيط أمني لضمان سلامة التجارة والأمن الإسرائيلي، أما بالنسبة لتركيا، فإنها شريان لتطويق مشروع النقل الإسرائيلي، كون المنطقة لا تحتمل المشروعين.
ووفق المجلة، فإن ‘‘إسرائيل بدورها تحاول أيضاً تطويق المشروع التركي وبسط نفوذها شرقاً’’. وهو ما برز بالفعل بالتزامن مع أحداث السويداء، الحديث عن مشروع ‘‘داوود’’ الإسرائيلي وهو ممر بري استراتيجي يمتد من مرتفعات الجولان السوري المحتل، مروراً بجنوب سوريا ثم إلى منطقة التنف ومنها إلى شمال شرق سوريا وصولاً إلى إقليم كردستان في العراق، وتهدف تل أبيب من خلاله تعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في المنطقة، عبر ربط مناطق نفوذ جديدة بخطوط إمداد ومصالح اقتصادية تتصل مباشرة بالأسواق العالمية، وهي خطوة أولى وفق مراقبون ضمن رؤية أوسع يُطلق عليها مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات.
اقرأ أيضاً: سردية النفوذ التركي في سوريا بين الأمن القومي والمطامع
السويداء في قلب المعادلات الإقليمية
وفي تصريحات لـ”963+”، يوضح الباحث في الشؤون التركية، خورشيد دلي، أن تركيا تعتقد بعد سقوط نظام الأسد ووصول أحمد الشرع لسدة السلطة أنه ثمة فرصة تاريخية لوضع سوريا تحت نفوذها وزيادة دورها الإقليمي، ولكن الوقائع التاريخية أثبتت أن ذلك غير ممكن لعدة أسباب، وفق دلي، أهمها تحرك إسرائيل القوي لوضع حدود للمشروع التركي انطلاقاً من اعتقادها أنه يشكّل تهديداً مصيرياً لها، وعليه قصفت مناطق في سوريا كانت تركيا حددتها كمواقع لإقامة قواعد عسكرية لها.
ويؤكد دلي على أن الموقع الاستراتيجي للسويداء جعلها في قلب الصراع بين الجانبين، حيث يشكّل هذا الموقع خطاً أحمر لإسرائيل التي تمنع وصول تركيا إليه فيما تنظر تركيا بعين استراتيجية له، لا كجسر للوصول إلى الخليج العربي بل أيضاَ لمشاريع تتعلق بإمدادات الطاقة حيث خط الغاز القطري الذي من المفترض أن يمر عبر الجنوب السوري باتجاه تركيا والمتوسط.
من جانبه، يشير المحلل السياسي السوري مصطفى رستم، في تصريحات لـ”963+” إلى أن موقع السويداء مهم ورئيسي في معادلات الأمن والنقل والتجارة الإقليمية والدولية، فيتابع قائلاً: “بالنسبة لإسرائيل السويداء مهمة لتنفيذ ‘‘ممر داوود’’، لذا لها مصلحة في معادلة الردع ودعم الدروز، وأيضاً بالنسبة لتركيا موقع السويداء مهم لأنها تعتقد بأن السيطرة على هذه المنطقة ستوفّر العمق الاستراتيجي اللازم لها لتثبيت موطئ قدم دائم في سوريا وفتح منافذ جديدة نحو الأردن ولبنان، بما يخدم مشروع طريق ‘‘التنمية التركي”.
اقرأ أيضاً: من يحكم السويداء؟.. صراع النفوذ الإقليمي في جنوبي سوريا
تداعيات الصراع على سوريا
وينوه رستم إلى أن صراع الممرات بين تركيا وإسرائيل هو ناجم عن مشروع تقسيم سوريا، وليس العكس. فيردف قائلاً: “تقسيم سوريا واقع للأسف وبأحسن الأحوال تكون الأمور ضمن نطاق فدراليات، والسبب هي حالة الانقسام الداخلي وغياب الثقة بالمركز، مما يعزز من الصراع والتنافس الإقليمي والدولي في سوريا”.
بينما يرى دلي، أنه أمام تضارب أجندة الدولتين على شكل إقامة ممرات جيوسياسية، حيث “ممر داوود” الإسرائيلي الذي يصل الجولان بمناطق شرقي سوريا، مقابل التطلع التركي إلى جعل سوريا ممراً لها إلى دول الخليج العربي عبر الجنوب، فإن “كل ذلك انعكس على الداخل السوري على شكل اصطفاف قد يكون مدخلاً لتقسيم البلاد”.
ومع تحول سوريا إلى ساحة صراع مفتوحة بين تركيا وإسرائيل، سيكون لذلك تداعيات مستقبلية كبيرة، وفق الباحث في الشؤون التركية، بسبب ‘‘قدرة كل طرف على التأثير على المناطق السورية الواقعة تحت نفوذه، فتركيا تتحكم بالشمال السوري وباتت عاملاً في تقرير مصيره مستقبلاً، فيما إسرائيل تتحكم بجنوبه وتريده منطقة منزوعة السلاح وتحت سيطرتها’’. وأشار دلي إلى أن الإدارة السورية الجديدة لا تبدو قادرة على إدارة هذا الصراع الإقليمي لذا عليها على الأقل من خلال عملية سياسية داخلية تخفف من التأثير السلبي للمشروعين.
اقرأ أيضاً: ‘‘ممر داوود’’.. مشروع إسرائيلي بين الانعكاسات الإقليمية وإمكانية التطبيق
المشهد المقبل: مواجهة مباشرة أم ناعمة أم تفاهمات؟
ويعتقد دلي أنه في ظل اشتداد الصراع التركي الإسرائيلي على سوريا فإن كل طرف سيحاول إدارة هذا الصراع عبر الأطراف المحلية وهو ما سيمزق النسيج السوري أكثر فأكثر على شكل حروب محلية تنخرط فيها أطراف الداخل. فيما استبعد دلي المواجهة المباشرة بين الجانبين لسببين أساسيين، الأول هو “العامل الأمريكي الذي يحرص على عدم حصول مثل هذه المواجهة ولذلك تعمل واشنطن على تدوير الزوايا بين الحليفين التاريخيين لها لمنع الصدام بينهما”.
أمّا السبب الثاني وفق الباحث في الشؤون التركية، هو “حجم المصالح المشتركة بين تركيا وإسرائيل سواء على المستوى الثنائي أو الإقليمي لاسيما في القوقاز، وعليه تبدو المواجهة المحتملة بينهما مضبوطة’’، ولكن رغم ما سبق ذكره يرى دلي أنه إذا حاول أي طرف التقدم أكثر على حساب مشروع الطرف الآخر، فستكون هناك مواجهة أقوى وهو ما يعني أن التقسيم في سوريا سيصبح واقعاً. وختم حديثه قائلاً: ‘‘أمام هشاشة العملية السياسة في سوريا يتقدم مشهد التفكيك على أرض الواقع على شكل ممرات جيواستراتيجية للدول الإقليمية المتصارعة على الدور والنفوذ”.
بدوره يستبعد رستم أي صراع مباشر بين تركيا وإسرائيل، فيما يرجّح أنها ستبقى ناعمة، لأن تركيا تعلم أن تحويل الصراع إلى صراع عسكري مسلح يعني دخول تركيا في صراع مباشر مع أميركا وبالتالي خلافات مع دول الناتو، بينما إسرائيل وفق رستم، ليس لديها مشكلة في مواجهة أي دولة أو فتح حرب مع أي دولة لتحقيق الأهداف الإسرائيلية.
وفي ظل صراع الممرات الإقليمية على الجغرافيا السورية المنهكة، يجمع مراقبون على أن محافظة السويداء في الجنوب السوري هي نقطة عبور حيوية لا يمكن تجاوزها لأي ممر جاف يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط، ما يفسر إلى حد كبير التنافس الحاد بين القوى الإقليمية للسيطرة عليها أو على الأقل تحييدها.










