لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في قاعدة إلمندورف-ريتشاردسون الجوية جنوبي أنكوراج بألاسكا الجمعة 15 آب/أغسطس 2025 لن يقتصر على البحث في أزمة أوكرانيا، إنما في الأمر صفقة قد تغير الموازين في العالم بأسره.
المقلق هو أنه لقاء يتم بين أميركا وروسيا وحدهما، بلا أوروبا وبلا حضور أوكراني! والمقلق أكثر هو خشية المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، منذ أكثر من قرن، من أي تعاون أميركي – روسي، بدلاً من استمار الخصومة بينهما. فحين يتفق هذان القطبان، لا لزوم لحضور أوروبا، وهذا يهدد دورها الجيوسياسي في العالم.
يقول محللون أميركيون في صحفية “فورين أفيرز” إن أجندة “قمة ألاسكا” ستتجاوز مسألة وقف الحرب في أوكرانيا إلى ما يسمونه “صفقة القرن التنموية”. فهذان الرجلان يتحكمان بمعظم القطب الشمالي الذي يشهد فتح مسارات شحن جديدة، واكتشاف حقول طاقة ومعادن نادرة، فمن يبادر إلى تطوير هذه المنطقة أولاً يحقق مكاسب هائلة، من خلال بناء موانئ ومد أنابيب ورسم خطوط تجارية، وهذا يعني إعادة رسم قواعد اللعبة. وما استبعاد أوروبا من القمة إلا لحرمانها من حصتها من العائدات الكبيرة المرتقبة
ترامب وبوتين خبيران في الأعمال والسياسة، ويعرفان أن السرّ إذا تجاوز الاثنين… شاع! لذا فضلا اجتماعاً محدوداً لتجنب تعطيل الصفقة بالنقاشات العقيمة التي يشتهر بها زعماء القارة العجوز، والذين يفتقرون إلى الحنكة والواقعية. أما الأوروبيون فقلقون لأسباب رئيسية ثلاثة: قوة النفوذ (اتفاق أميركا وروسيا على قواعد القطب الشمالي يعني فقدان أوروبا دورها حارساً على التجارة العالمية)؛ والطاقة (ستنقل خطوط الأنابيب والشحن الجديدة السيطرة على الغاز والنفط بعيداً عن أوروبا)؛ والسياسة (تعزيز العلاقات الثنائية بين أميركا وروسيا يقوض استراتيجية فرض العقوبات الأوروبية على باقي العالم).
من ناحيتها، ترى بريطانيا في القمة الثنائية القطب تهديداً لاستراتيجيتها القديمة: إبقاء أميركا بعيدةً عن روسيا لتحافظ على مركزها وسيطاً في السياسة العالمية، كما في التجارة العالمية.
أما أميركا، فهذا الاجتماع يعني كثيراً لها: حرية اقتصادية أكبر، فتح مسارات تجارية جديدة، الوصول إلى موارد جديدة، استقلالية متمادية تسمح باتخاذ قرارات تخدم مصالح العمال والأعمال والأمن الوطني من دون الخضوع لأوروبا والناتو والنظام العالمي القديم.
المتوقع بعد قمة ألاسكا أن تستعيد أميركا مكانتها بوصفها قوة مستقلة تقدم مصالحها على مصالح حلفائها، وفي مقدمهم اليوم أوكرانيا.
ميونخ 1938 – ألاسكا 2025
مثّل مؤتمر ميونخ (10 أيلول/سبتمبر 1938) محطة مفصلية في تاريخ أوروبا والعالم قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. عُقد المؤتمر بين ألمانيا النازية من جهة، وبريطانيا وفرنسا من جهة ثانية، وكان الهدف منه تسوية الأزمة المتعلقة بمنطقة السوديت في تشيكوسلوفاكيا، وكان يقطنها عدد كبير من الألمان الناطقين بالألمانية.
في هذا المؤتمر، سمح الحلفاء لألمانيا النازية بضم هذه المنطقة مقابل وعد من الزعيم النازي أدولف هتلر بعدم التوسع في أوروبا، ما اعتبره الكثيرون محاولة لتجنب الحرب.
في الواقع، كان المؤتمر مثالاً على الاستسلام لتوسعات هتلر العدوانية: تم استبعاد تشيكوسلوفاكيا نفسها من المفاوضات، ما أدى في النهاية إلى تمهيد الطريق لحرب عالمية ثانية بسبب رضوخ الدول الأوروبية للطلب الألماني من دون مقاومة.
ما أشبه اليوم بالأمس: أوكرانيا – عقدة الصراع – مستبعدة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب يراهن على قدراته “التجارية” لإبعاد شبح روسيا عنه وعن أوروبا الخائفة، بينما ينتشي فلاديمير بوتين بتقدم جيشه الأخير في الميدان الأوكراني، ويظن أن أحداً لن يوقفه!
أين العرب؟
حين كان الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في ضيافة فلاديمير بوتين قبل أسبوع، رشّح الرئيس الروسي الإمارات لتكون مأوى القمة بينه وبين ترامب. إلا أن ذلك لم يحصل، ووقع الاختيار على ألاسكا. هذه هي الإشارة العلنية الوحيدة التي تربطنا نحن العرب بالقمة الباردة.
الشرق الأوسط ليس محوراً من محاور النقاش، لكن يجب ألا ننسى أن القمة تجمع رجلاً يعشق عقد الصفقات الرابحة برجل يتمتع بالصبر وطول الأناة ويتقن المحايلة والمساومة وانتهاز الفرص. وخبرتهما الطويلة في توظيف الأزمات العالمية لتسجيل النقاط في الصراع بينهما هي الفرصة الوحيدة لتحضر منطقة الشرق الأوسط على بساط البحث بملفات عدة: حرب إسرائيل على غزة، وحرب إسرائيل على إيران، ومسار التطبيع بين سوريا وإسرائيل. ولا بدّ للرئيس الأميركي من أن يجس نبض بوتين بشأن هذه المسائل، ومن أن تطرح المنطقة برمتها على بساط مقايضة الأزمات.
ولا يمكن إغفال مسألة الطاقة. فعلى الرغم من الأزمات التي تمر بها موسكو اليوم، بعد ثلاثة أعوام على تورطها في الوحول الأوكرانية، تستمر في أداء دور مهم في أسواق النفط والغاز، يفرض تشابكاً في المصالح الروسية – الأميركية، ويتيح للرجلين أن يتطرقا إلى مقايضات تشمل أوكرانيا وسوريا وإيران وإسرائيل.










