في اللحظات الحاسمة التي تمرّ بها الدول، عندما يسقط نظامها ليفسح المجال أمام مرحلة جديدة وبنية سياسية مختلفة، يبرز سؤال محوري حول تأسيس نظام قضائي مستقل ينسجم مع قيم العدالة ويهدف إلى ترميم النسيج المجتمعي.
وتُظهر تجارب الدول الراسخة أن إعادة بناء السلطة القضائية بعد الثورات والحروب ليست مجرد عملية شكلية تقتصر على إصلاح هيكلي لبعض المؤسسات، وخاصة القضائية منها، بل هي فعل تأسيسي طويل الأمد يعيد تعريف الدولة وقيم المواطنة، بما يمكّن من رسم ملامح مستقبل مستقر وعادل.
وفي هذا السياق، تبدو سوريا، وهي على أعتاب ما يسميه بعض الباحثين “الجمهورية الرابعة”، وبعد أكثر من ثمانية عقود على لحظة الاستقلال، أمام اختبار حقيقي يتمثل في مأسسة نظامها القضائي، وتجاوز تحدياته البنيوية، والبحث عن مخرج آمن من دوامة الأزمات المستمرة، التي طال أمدها دون خطوات ملموسة أو إنجازات واقعية.
وانطلاقًا من ذلك، يقتضي الأمر العمل الجاد نحو نمذجة نظام قضائي مستقل يعكس طموحات السوريين في الحرية والعدالة، ويؤسس لعقد اجتماعي يحمي تلك القيم دون أن يتطلب تضحيات جديدة.
اقرأ أيضاً: من الساحل إلى السويداء.. هل دمشق جادة في محاسبة الجناة وتحقيق العدالة؟ – 963+
إصلاح القضاء ضرورة
في هذا الإطار، يشير طارق وطفة، الباحث القانوني في مركز “باراديم مينا”، إلى أن إصلاح القضاء يمثل أحد أبرز متطلبات المرحلة الانتقالية في سوريا، مؤكداً أن نجاح أي تحول سياسي لن يتحقق دون وجود سلطة قضائية مستقلة وفعالة.
ويبيّن وطفة، في حديثه لـ”963+”، أن المؤسسة القضائية في سوريا تعاني من مشكلات متجذرة منذ العهد السابق، منها الفساد، والبيروقراطية، وضعف الكفاءات. ويتجلّى هذا الضعف كمّياً بسبب الهجرة، والانشقاقات، والفصل التعسفي، ونوعياً بسبب غياب التدريب على المعايير الدولية لحقوق الإنسان وآليات العدالة الانتقالية.
ويؤكد وطفة أن تجاوز هذا الوضع ليس مستحيلاً، مشيرًا إلى أن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى تمثل دعامة أساسية لتجاوز تحديات المرحلة.
ويضيف أن خضوع القضاء المزمن للسلطة التنفيذية تعمّق مع الإعلان الدستوري، الذي منح الرئيس أحمد الشرع صلاحية تشكيل المحكمة الدستورية العليا، متجاهلًا إنشاء مجلس قضائي مستقل، وخاليًا من الضمانات اللازمة لاستقلال السلطة القضائية.
ويرى وطفة أن بناء سلطة قضائية قادرة على أداء دورها في هذه المرحلة الحساسة، خصوصًا في مجال العدالة الانتقالية، ليس أمرًا مستحيلًا، بل مساراً خاضته دول عديدة بنجاح. وتشير هذه التجارب إلى أن الأمر يتطلب حزمة إصلاحات دستورية وتشريعية تتركز في أربعة محاور أساسية:
- تعديل الإعلان الدستوري بما يكرّس استقلالية القضاء، ويؤسس لمحكمة دستورية مستقلة وكفؤة، ويعيد تعريف مفهوم العدالة الانتقالية، خاصة ما يتعلق بالفقرة الثالثة من المادة 49، التي تستثني جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية من مبدأ عدم رجعية القوانين، وهي صياغة قد تُفهم على أنها حصر للعدالة الجنائية بجرائم النظام فقط، مما يهدد المسار الانتقالي برمته.
- تصميم برامج لتأهيل القضاء، تشمل إعادة إدماج القضاة المنشقين، وبناء قنوات مؤسسية مستدامة للتوظيف والتدريب، عبر برامج تبادل منتظمة مع الهيئات القضائية الإقليمية والدولية، إضافة إلى إنشاء شبكات مهنية توفّر دعماً معرفياً ومؤسسياً طويل الأمد.
- استلهام التجارب الانتقالية الناجحة، كحالات تونس والمغرب وجنوب إفريقيا، مع تكييفها وفق السياق المحلي السوري، باستخدام موارد تعليمية باللغة العربية تراعي التقاليد القانونية السورية، ومناهج تدريب تأخذ في الحسبان الديناميكيات الطائفية المعقّدة.
- صياغة التعديلات الدستورية والتشريعية بصورة تشاركية، عبر تشكيل مجلس تشريعي يمثّل مختلف الفئات والمكونات السورية، واعتماد التوافق أو الأغلبية العالية في القرارات الحساسة، لا سيما تلك المتعلقة بالمحاكم الخاصة بالعدالة الانتقالية والمحكمة الدستورية. ويجب ضمان استقلالية هذا المجلس وحماية أعضائه من تهديدات الفصائل المسلحة وأمراء الحرب، لتفادي تكرار تجارب فاشلة كالتجربة الليبية.
كما تطرق وطفة إلى ضرورة إعادة انتخاب مجالس نقابة المحامين، بعد أن فرضت الإدارة الجديدة مجالس معينة، معتبراً ذلك تقويضًا لاستقلال النقابة ودورها المهني.
وفي ختام حديثه، يؤكد وطفة أن التجارب الناجحة في إصلاح القضاء تؤكد أن نجاح المسار في سوريا مرتبط بقدرة الدولة على بناء قضاء مستقل وكفؤ وشفاف، يشكل مظلة للعدالة وضمانة لحقوق جميع السوريين دون استثناء.
اقرأ أيضاً: لجنة التحقيق بأحداث الساحل: مقتل 1426 شخصاً ونحو 300 يشتبه تورطهم بالانتهاكات – 963+
مسار الإصلاح
من جهته، يقول زيدون الزعبي، الباحث في قضايا الحوكمة، إن مسار الإصلاح في سوريا يجب ألا يكون بمعزل عن تجارب الدول الأخرى، مشيراً في حديثه لـ”963+” إلى أنه “لا ينبغي حصر تجربة جنوب إفريقيا في إصلاح القضاء فقط”، بل يجب النظر إليها كأنموذج شامل للعدالة الانتقالية، التي قد تكون الإنجاز الأبرز هناك.
ويوضح الزعبي أن من أبرز جوانب الإصلاح في جنوب إفريقيا كان معالجة الخلل في تمثيل السود داخل السلك القضائي، حيث كانت الأغلبية الساحقة من القضاة من البيض. ورغم مرور الزمن، لا يزال نحو 50% من القضاة من البيض، في حين أن نسبتهم السكانية أقل بكثير، ما يعني أن الخلل لا يزال قائمًا.
ويشير إلى أن السلطات هناك اختارت نهج التدرج في المعالجة، لتفادي الصدمات المجتمعية، ولم تُقدم على فصل جماعي للقضاة، ما ساعد على نجاح التجربة. وأكد الزعبي أن الإصلاح القضائي لا يتم عبر قرارات مفاجئة أو جذرية، كحل القضاء أو الجيش، بل يتطلب صبرًا ونَفَسًا طويلاً.
ويشدّد على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على المحاكمات، بل تشمل التعويض للضحايا، والاعتراف بما جرى، وتخليد الذكرى، وقبل كل ذلك، صياغة استراتيجية واضحة وشاملة لتحقيق العدالة، وهي ما تفتقر إليه سوريا حالياً، حسب تعبيره.
ويضيف أن أهم درس يمكن استخلاصه من تجربة جنوب إفريقيا هو أن إصلاح القضاء لا يعني الإقصاء الجماعي، بل المضي خطوة بخطوة في إعادة بناء المنظومة، وهو ما ساهم في ضمان الاستقرار على المدى الطويل.
أما الحقوقي عبد الكريم الثلجي، فيرى أن أبرز التحديات في تحقيق العدالة الانتقالية يتمثل في تطبيقها دون إشعال الفتن، مع ضرورة دمج مفاهيم العدالة الانتقالية بالحفاظ على مؤسسات الدولة واستقرارها.
ويشير في حديثه لـ”963+” إلى صعوبة التوازن بين محاسبة رموز النظام السابق وتفادي انهيار الجهاز القضائي، خاصة أن كثيرين من العاملين فيه كانوا جزءًا من النظام.
ويوضح أن هذا النهج بدأ بالتبلور في “سوريا الجديدة”، من خلال إطلاق هيئة العدالة الانتقالية وهيئة شؤون المفقودين، ما يدل على بدء مسار العدالة الانتقالية فعليًا، ولم يتبق سوى إطلاق المجلس التشريعي، لإصدار القوانين وتفعيل المحاكم، وهو ما يهيئ لمحاسبة المجرمين، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، وتخليد الذكرى.
ويؤكد الثلجي أن هذه الخطوات تمهّد لمنع تكرار الانتهاكات، عبر إصلاح المؤسستين الأمنية والقضائية، بما يعزز السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، قائلاً: “لا سلم أهلي ولا عدالة من دون محاسبة المجرمين”.
وفي ختام حديثه، يدعو الثلجي إلى استلهام تجارب ناجحة مثل رواندا وجنوب إفريقيا، خاصة في توثيق الجرائم، وتحقيق المصالحة الوطنية، وملاحقة كبار المجرمين دون تعطيل عمل مؤسسات الدولة.
ويشدّد على أن القضاء يشكل محورًا أساسيًا في تطبيق العدالة الانتقالية، وأن تحقيق العدالة من دون فراغ قانوني كفيل بإعادة بناء الثقة بالمؤسسات، لا سيما القضائية، لتصبح سوريا الجديدة دولة قانون وعدالة ومواطنة.










