يعتبر التصحر من التحديات البيئية الكبرى التي تواجه العديد من المناطق حول العالم، وخاصة في المناطق التي تعاني من الجفاف وقلة الموارد المائية. وتُعد محافظة دير الزور في سوريا مثالاً حيًا على هذه الأزمة، حيث تؤثر العوامل الطبيعية والبشرية بشكل كبير على البيئة المحلية. والتصحر في دير الزور لا يهدد فقط التنوع البيولوجي، بل يمتد تأثيره ليشمل الأمن الغذائي للسكان، مما يضعهم في مواجهة صعوبات اقتصادية واجتماعية متزايدة.
وتبدأ قصة التصحر في دير الزور منذ سنوات عديدة، حيث شهدت المنطقة تغيرات مناخية ملحوظة أدت إلى انخفاض معدلات الأمطار وارتفاع درجات الحرارة. ومع تزايد النشاط الزراعي غير المستدام واستخدام المياه بشكل مفرط، بدأت الأراضي الزراعية تتدهور، مما أدى إلى تراجع إنتاج المحاصيل الأساسية. ومع تفاقم هذه الأزمة، أصبح العديد من الفلاحين غير قادرين على تأمين احتياجاتهم الغذائية، مما زاد من معدلات الفقر والبطالة في المنطقة.
اقرأ أيضاً: يؤثر على 3 مليارات شخص.. الأمم المتحدة تحذّر من التصحر – 963+
صعوبات كبيرة للتصحر
يقول محمد أحمد من دير الزور لـ”963+”: “لقد كانت حياتنا تعتمد بشكل كبير على الزراعة، ولكن مع تراجع المحاصيل بسبب قلة المياه والتصحر، أصبحنا نواجه صعوبات كبيرة. لم أعد أستطيع تأمين قوت عائلتي كما كنت في السابق”.
ويضيف: “نحتاج إلى دعم الحكومة والمنظمات الدولية لتوفير تقنيات زراعية مستدامة وتعليم الفلاحين كيفية إدارة الموارد المائية بشكل أفضل. يجب أن نعمل جميعًا لحماية أرضنا”.
ويتحدث المزارع غازي إسماعيل من ريف دير الزور الشرقي لـ”963+” عن التغييرات التي شهدتها أراضيه خلال السنوات الأخيرة قائلاً: “الأرض التي كانت تنتج 50 كيس قمح للدونم أصبحت بالكاد تنتج 10 أكياس. التصحر زحف مثل المرض. التربة أصبحت متشققة، والرياح تحمل المحاصيل الغبار. نقص المياه دمرنا. نهر الفرات لم يعد يكفي حتى للشرب، فكيف بالزراعة؟ كثيرون هجروا أراضيهم للسوق، والآن نستورد القمح”.
ويؤكد: “إذا استمر الحال هكذا، لن نجد خبزًا على موائدنا. الأرض التي ربتنا ورضينا عليها أصبحت تخوننا. نطالب الجهات المختصة والمعنية بإيجاد حلول مباشرة وفعالة لإنقاذ بيئتنا الجميلة من التصحر لتحقيق الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي”.
وتقول أم علي، وهي ربة منزل من دير الزور، لـ”963+” حول آثار التصحر على الحياة اليومية: “الغبار يغزو بيوتنا حتى مع إغلاق النوافذ. أطفالي يعانون من الربو، وأسعار الخضار والفواكه صارت باهظة. الطماطم وصلت إلى 10,000 ليرة للكيلو الواحد، واللحوم أصبحت رفاهية. نعتمد على المعونات الغذائية”.
وتوجهت برسالة للمسؤولين قائلة: “أنقذوا أرضنا قبل أن تتحول إلى صحراء موحشة. أطفالنا يستحقون مستقبلاً أخضر”.
للتصحر انعكاسات كبيرة ومرعبة
ويشير الناشط محمد الصالح من دير الزور في تصريحات لـ”963+” إلى أن للتصحر انعكاسات كبيرة ومرعبة، منها انهيار الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار وتآكل سبل العيش، مما يدفع للهجرة الداخلية أو تغيير المهنة وزيادة الثقل وسوء التغذية خاصة بين الأطفال والنساء مع الاعتماد على المساعدات الغذائية الهشة.
ويضيف: “هناك سبل وإمكانيات لمواجهة التصحر مثل دعم المزارعين بتقنيات الري الحديثة وبذور مقاومة للجفاف والملوحة، وتنفيذ مشاريع حصاد مياه الأمطار على نطاق واسع من خلال سدود ترابية لتجميع المياه”.
ويقول المهندس الزراعي ناجي السلطان العامل في مركز أبحاث الزراعة: “الأسباب الرئيسية لتفاقم التصحر هي ثلاثة عوامل: جفاف متكرر بسبب التغير المناخي، استنزاف المياه الجوفية عبر آبار غير مرخصة، وتراجع الغطاء النباتي بعد قطع الأشجار”.
ويضيف: “الحلول المقترحة لحماية الأراضي من التصحر تشمل التوجه نحو زراعة مقاومة للجفاف مثل الذرة الرفيعة والسمسم، والترويج لتقنيات الري بالتنقيط”.
كما يشير جمال العويد، عضو مكتب البيئة في مديرية الزراعة بدير الزور، إلى إدراكهم لخطورة الزحف الصحراوي، ويقول: “لدينا بعض المبادرات مثل مشاريع التشجير الخاصة بالأشجار المقاومة للجفاف في الأحزمة الخضراء حول المدن والقرى المتضررة وحماية المراعي من خلال تنظيم الري ومنع القطع الجائر”.
ويضيف لـ”963+”: “نواجه معوقات ضخمة مثل نقص التمويل ونقص الكوادر الفنية وضعف الإمكانيات واستمرار العوامل الضاغطة مثل الجفاف. نحتاج لاستراتيجية واضحة لمواجهة هذه التحديات في دير الزور”.
وكانت دير الزور تُعتبر سلة غذاء سوريا، والآن بحسب العويد، “نحقق أقل من 30% من احتياجات المحافظة. هذا الوضع يهدد بنزوح جديد مستقبلاً إذا لم نتحرك. إن أزمة التصحر في دير الزور ليست مجرد تدهور بيئي، بل هي تهديد وجودي للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في منطقة حيوية”.
ويضيف: “إنقاذ ما تبقى من خضرة الفرات يتطلب تحركًا عاجلًا على جميع المستويات: محليًا، ووطنيًا، ودوليًا. الوقت ليس في صالح دير الزور، والبطء في الاستجابة يعني المزيد من الرمال، والمزيد من الجوع، والمزيد من التشرد. المعركة ضد التصحر هي معركة من أجل الحياة نفسها في هذه البقعة التي تعاني تحت وطأة الجفاف”.
اقرأ أيضاً: التعافي البيئي في سوريا.. عوامل مركبة وتقييم للأضرار والكلفة – 963+
التصحر وأسبابه
ويُعرّف التصحر على أنه تدهور الأراضي في المناطق الجافة وشبه الجافة نتيجة عوامل طبيعية وبشرية تؤدي إلى فقدان التربة خصوبتها وقدرتها على الإنتاج الزراعي. ويعدّ التصحر من أخطر الظواهر البيئية التي تواجه العالم اليوم، إذ لا يقتصر تأثيره على البيئة وحدها، بل يمتد ليهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات المتأثرة.
وتتنوع أسباب التصحر بين ما هو طبيعي وما هو ناتج عن تدخل الإنسان: “أولًا، الأسباب الطبيعية تشمل: تغير المناخ وازدياد موجات الجفاف. قلة الهطولات المطرية بشكل متكرر وغير منتظم. الرياح القوية التي تُعرّض التربة للتعرية.
أما الأسباب البشرية فتتعلق بسوء إدارة الموارد الطبيعية، ومنها: الزراعة غير المستدامة والرعي الجائر. إزالة الغطاء النباتي وقطع الأشجار لأغراض الوقود أو التوسع العمراني. الاستخدام المفرط للمياه الجوفية، خاصة عبر آبار غير مرخصة. غياب سياسات بيئية فعالة أو ضعف تطبيقها.
والتصحر ليس ظاهرة محلية بل أزمة بيئية عالمية. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 40% من الأراضي حول العالم مهددة بالتصحر، مما يؤثر على أكثر من 3 مليارات إنسان.
في المنطقة العربية، يزداد الخطر نظرًا لطبيعتها المناخية القاحلة أو شبه القاحلة، حيث يعاني أكثر من 70% من أراضي الوطن العربي من درجات متفاوتة من التدهور والتصحر، ما يضع الأمن الغذائي والمائي تحت ضغط دائم، ويزيد من التبعية للاستيراد ويدفع نحو الهجرة من الريف إلى المدن.
وتُعد محافظة دير الزور واحدة من أكثر المناطق تضررًا في سوريا من ظاهرة التصحر، وذلك لعدة أسباب متشابكة: أولًا، تقع في منطقة شبه جافة وتعتمد بشكل رئيسي على نهر الفرات كمصدر أساسي للمياه، لكن انخفاض منسوب النهر نتيجة عوامل إقليمية ومناخية جعل المياه شحيحة. ثانيًا، شهدت المحافظة خلال السنوات الماضية أنشطة زراعية مكثفة وغير مدروسة، إلى جانب حفر عشوائي للآبار، مما استنزف المياه الجوفية. ثالثًا، النزاعات والحروب التي مرت بها المنطقة ساهمت في تدمير البنية الزراعية، وغياب الرقابة البيئية، وتهجير آلاف المزارعين.
كل هذه العوامل حولت دير الزور من “سلة غذاء” إلى منطقة تعاني من تدهور شديد في الأراضي الزراعية، وانخفاض كبير في الإنتاج، وانتشار الغبار والعواصف الرملية، ما يجعلها نموذجًا حادًا لأزمة التصحر في سوريا والمنطقة.










