على ضفاف الفرات في ريف دير الزور الشرقي، ومع كل هبوب لحرارة صيف آب، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر المآسي قسوة في تاريخ الصراع السوري الحديث. مجزرة الشعيطات التي ارتكبها تنظيم “داعش” في صيف 2014، والتي راح ضحيتها آلاف المدنيين بين قتيل ومفقود، ما زالت جراحها مفتوحة، وذكراها تلقي بظلالها الثقيلة على أبناء العشيرة بعد مرور عقد كامل على وقوعها.
في ذلك الصيف، شن التنظيم حملة قتل وإعدامات جماعية بحق أبناء عشيرة الشعيطات في بلدات أبو حمام والكشكية وغرانيج، تحت ذريعة “الردة” ورفض مبايعته. خلال أيام قليلة، تحولت تلك القرى إلى مسرح لعمليات تصفية جماعية طالت الرجال والشبان وحتى كبار السن والنساء، فيما أُخفي المئات قسراً.
اقرأ أيضاً: الأمن الداخلي يعلن إحالة المتورطين في مقتل ناشط إعلامي بدير الزور إلى القضاء – 963+
“شهر الدم”
يقول أحمد عيفان، أحد الناجين، في حديث لـ”963+” إن شهر آب/ أغسطس أصبح لديهم “شهر الدم”، ويصف المشاهد التي لا تغادر ذاكرته: “ذُبح أبناؤنا كما تُذبح الخراف، وشاهدت أقاربي يقتلون أمامي. اتُهمنا بأننا لسنا مسلمين، رغم أن مساجدنا ودور تحفيظ القرآن كانت عامرة قبل وصول التنظيم. وحتى بعد ارتكاب المجازر، لاحقونا في البلدات التي لجأنا إليها”.
ويروي حادثة على حاجز في بلدة الشعفة، حين أوقف عناصر التنظيم حافلة كان يستقلها، وسأل أحدهم: “هل يوجد شعيطي بينكم؟”، قبل أن ينزل شابًا في السابعة عشرة من عمره ويعدمه أمام الركاب تقربًا إلى الله، على حد قوله.
مهند العلي، الذي نجا من مجزرة 20 أغسطس 2014، يصفها في حديث لـ”963+” بأنها “كابوس متجدد”.
ويقول: “أحاطت ببلدتنا ذئاب جائعة لا تميز بين مقاتل وطفل رضيع. كنت مختبئًا مع عائلتي حين سمعنا صراخ النساء وأزيز الرصاص، ورأيت جيراني يُسحبون من بيوتهم ويُصفّون على الطريق”.
ويضيف: “نجوت لأن الجثث تراكمت فوقي. بعد يومين فقط، شهدت مقتل نحو 80 شخصاً كانوا مختبئين قرب بئر ماء. أطلق عليهم الرصاص وألقوا القنابل اليدوية، حتى تحولت البئر ومحيطها إلى مقبرة جماعية”.
عبد الرزاق الشعيطي فقد والده السبعيني، الذي كان مريضاً وغير قادر على الحركة، بعدما اقتاده عناصر التنظيم مع عدد من كبار السن من أمام مسجد البلدة يوم 28 أغسطس 2014، ومنذ ذلك اليوم، لم يُعرف عنه شيء.
يقول لـ”963+”: “عدم المعرفة أدهى من الموت نفسه. لم أغير أثاث غرفته كأنه سيعود غدًا. عشر سنوات من الشك تأكل الروح”. ويطالب بالكشف عن المقابر الجماعية لمعرفة مصير المفقودين ودفنهم بكرامة.
اقرأ أيضاً: مصدر بقسد لـ”963+”: “داعش” نفذ 18 هجوماً بدير الزور في يوليو الماضي – 963+
“2000 ضحية”
وبحسب عبد الرزاق الحويش، أحد مسؤولي “جمعية عوائل شهداء مجزرة الشعيطات”، فقد بلغ عدد الضحايا الموثقين حتى الآن نحو 2000 شخص، بينهم أكثر من 600 قُتلوا خلال الأيام العشرة الأولى، قبل أن يرتفع العدد مع اكتشاف مقابر جماعية في بادية أبو حمام ومناطق قرب سكة القطار وفي الأراضي الزراعية.
كما لا يزال أكثر من 1500 شخص في عداد المفقودين. ويصف الحويش في حديث لـ”963+” المجزرة بأنها “الأكبر على يد تنظيم الدولة في سوريا، والثانية في البلاد من حيث عدد الضحايا بعد هجوم الغوطة الكيماوي عام 2013”.
ويضيف الحويش أن الجمعية وثّقت حتى اليوم ما لا يقل عن تسع مقابر جماعية، وأن هذه الجريمة كانت جزءًا من منهجية “إدارة التوحش” التي اعتمدها التنظيم، مستندًا إلى خطاب ديني وأيديولوجي لتعبئة مقاتليه واعتبار القتل “فعلاً عبادياً” بحق مجموعة عشائرية محددة خلال فترة زمنية قصيرة.
ولم تتوقف تداعيات المجزرة عند الخسائر البشرية؛ إذ يواجه مئات الأسر أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة فقدان المعيل، إلى جانب ارتفاع معدلات الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة والقلق بين الناجين وأسر الضحايا والمفقودين. وقد تحولت المجزرة إلى جزء من الهوية الجمعية للعشيرة والمنطقة، لتبقى حاضرة في الذاكرة المحلية كجرح مفتوح.
وتواصل الجمعية جهودها في توثيق شهادات الناجين والصور والوثائق، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والمادي للأسر، خاصة للأطفال الذين فقدوا ذويهم. كما تعمل على بناء ملف متكامل لتصنيف ما جرى كجريمة ضد الإنسانية، وطرحه أمام المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، بحسب الحويش.
ويختتم الحويش بالتأكيد على أن “العدالة ليست رفاهية، بل حق أساسي للضحايا ووسيلة لضمان عدم تكرار هذه الفظائع”، محذراً من أن استمرار الصمت الدولي تجاه مجازر “داعش” في سوريا يشكل تواطؤاً مع غياب العدالة.










