ما يُمكن استنتجاه من حاصل جمع التقرير الأخير لوكالة رويترز الذي كشف “عالم” وسلطة “اللجنة الاقتصادية” غير الرسمية لحكام سوريا الجدد، بقيادة شقيق الرئيس السوري أحمد الشرع وشخصين أمنيين كانا مقربين منه، وليس لأي منهم أي موقع أو سمة رسمية، مع كل مواد “الإعلان الدستوري المؤقت”، الذي كان خالياً تماماً من أي شاغل اقتصادي/طبقي، هو القول إنه لا مسألة اقتصادية أو صراع طبقي في هذه البلاد، وأنها صارت رهن يد الحكام، يستطيعون التصرف بكل ثرواتها وخيراتها وكأنها “خاصتهم”.
يحدث ذلك في بلاد كانت هذه القضية أهم عامل ودافع لحدوث ثورتها العارمة الأخيرة، إلى جانب قضايا أخرى. فالسوريون الذين انتفضوا على الأسد وحُكمه، لم يكونوا طُلاب حريات عامة أو ممارسات ديمقراطية بأغلبيتهم، بالأحرى إلا ما ندر، بل كان المنتفضون بأغلبيهم مجرد “جائعين”، تراكم في وعيهم شعور متماد بالحرمان والعوز وفقدان الأمان بحياة كريمة، نتيجة ترسانة من الاستراتيجيات الاقتصادية الموالية لأقوياء البلاد والمواتية لأغنيائها، الجدد منهم تحديداً. فعلى جنبات المُدن الكبرى، حيث كانت عشوائيات الفقر والمهانة تُعمي العين، وفي سهوب الأرياف السورية المُقتلعة، كانت الثورة السورية على أشدها، لأن سكان تلك المناطق كانوا المحرومين الأكثر تمرغاً بوحل سوء إدارة وتوزيع ثروات البلاد.
لا يبدو أن حكام البلاد الجدد مبالون بأي شيء من ذلك. لا وعيهم المتخم بالنزعات الطائفية والسلطوية والصراعية قابل للتفكير بأشياء من ذلك القبيل، ولا حتى مصالحهم المباشرة، المتطلعة لكسب ومراكمة أكبر كمية من الثروة، بغية تشييد وتمويل آليات ومؤسسات جديدة تؤمن الموالين الطيعين والتبعة المؤتمنين.
تقرير وكالة رويترز كشف نموذجاً لإدارة الاقتصاد الوطني هو أقرب لأنماط إدارة المال الخاص. لجنة ثلاثية من النواة الصلبة للحكام الجدد، لا مناصب أو ضوابط قانونية لهم، يفاوضون أباطرة المال، الذين جمعوا ثروات طائلة عبر شراكات مكللة بالعار مع رأس هرم النظام السابق، يعقدون معهم صفقات ذات بُعد شخصي ومنفعة متبادلة، لا تبالي بأي هيكل مؤسساتي أو تشريعي للدولة، وزارات أو قوانين أو قضاء. لكن أولاً آلية لا تعتد بحقوق الناس، ملايين المواطنين السوريين الذين نُهبت منهم هذه الأموال، وتالياً المقررون الشرعيون الوحيدون لما يجب أن يكون عليه شكل القِصاص من هؤلاء النهابة. فما يؤمن حماية مستدامة للسوريين ليس مقاسمة هؤلاء أموالهم، بل الاستحواذ الكامل عليها، وتقديمهم لمحاكمات علنية ومدنية شفافة، كي لا تُستعاد دورة النهب العام في أي نظام مستقبلي.
لكن كيف للنُخبة الحاكمة والمحيطين بها أن يكون منتبهين ومراعين ومؤطرين بمثل تلك القيم والأدوات، فيما أصدروا وثيقة تشريعية عليا (الإعلان الدستوري المؤقت)، خالية تماماً من أي شيء من ذلك، ولو على مستوى ضرورة كياسة الأدب السياسي والتشريعي، الذي عادة ما تكون الوثائق الدستورية مُتخمة بها.
فهذا الإعلان الدستوري الذي يُشيد الدولة السورية الحديثة، بمؤسساتها وأجهزتها ووثائقها ونوعية نُخبها الحاكمة، خالية من عبارات مثل “الطبقات الفقيرة” و”العمال والفلاحين” و”الضمان الاجتماعي” و”حماية الدولة للاقتصاد الوطني” و”مجانية قطاعات التعليم والصحة والخدمات العامة” و”منع بيع أصول الدولة” و”صون منابع الثروة العامة الرئيسية”. ليؤكد الاستعداد القبلي للقائمين على الأمر، ليعملوا على بيع أكبر كمية من ثروات وامتيازات الدولة، سواء أكانت ثروات مادية ملموسة أو تشريعية وسلوكية على شكل منح الاحتكارات والاستثناءات وعملية غض النظر، لصالح أوسع نزوع نحو جمع المال ومراكمته لصالح الحكام، واستخدامه من ثُم كأداة في التكاتف الثنائي بين الكثير من المال والمطلق من السلطة. وإلى جانبه تشكيل طبقة من “الأثرياء الجدد”، يكونون منبعاً لقوة النظام الجديد ومؤسساته الإعلامية والثقافية والاقتصادية الرديفة.
بهذا المعنى، فأن السلطة الحاكمة الجديدة في البلاد تكون قد وضعت نفسها على الضد من أهم مُحرك للحياة العامة في الفضاء السوري، أي الفقراء المحرومين من خيرات بلادهم، الذين لن تنجح في ضبطهم واستيعابهم بمزيد من النوازع الأخلاقي والدينية، التي ستقدمها كبديل وبطائق ترضية، كما فعلت السلطة الأسدية من قبل، حينما حاولت التغطية على ما مارسته من هتك اقتصادي بحق المعوزين بخطاب تقريعين حول التصدي والصمود والممانعة.
لكنهم أيضاً، أي الحكام الجدد، يبدون “جهلة” بتاريخ سوريا المعاصر كاملاً، حيث من “المسألة الاقتصادية” حدثت أوسع وأفظع التحولات، التي أطاحت أكثر من مرة بحكام البلاد، وأوصلت بعضهم إلى حبال المشانق.
فلأن حقبة الاستعمار الفرنسي شيدت إقطاعيات “وحشية”، تضخمت الأحزاب الشعبوية كرد فعل عليها، أنضم أولاد الفقراء إلى الجيش، وهذا الأخير أطاح بطبقة الأغنياء تلك. في مرحلة لاحقة، وحينما أصبح هؤلاء الانقلابيون أغنياء متخمين، خصوصاً من أبناء الجيل الثاني للآباء المؤسسين، أقتلعهم السوريون، ملطخين بالدم وعار لن تمحوه كل أنهار العالم.










