بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انقلب الشرق الأوسط رأساً على عقب، خرج جو بايدن من الصورة، وحلّ محله دونالد ترامب بسياسة خارجية مختلفة، لا براغماتية ولا مبدئية.
ومثل سقوط نظام الأسد نقطة تحول جذرية في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، إذ لم يعد هدف السياسة الأميركية الحفاظ على الاستقرار بقدر ما أصبح إدارة الفوضى وتوظيفها.
وعاد شبح وزير الخارجية الأميركي الراحل هنري كيسنجر إلى المنطقة بسيناريوهات تقسيم كان هو أول من بدأها. فبحسب مصادر متعددة، خطط كيسنجر لتقسيم الشرق الأوسط في عام 1974، وهذا ما تؤكده تقارير تسربت من الخارجية الأميركية.
رأى كيسنجر أن الأفضل هو تفتيت الدول الوطنية وإقامة دويلات تمثل الأقليات العرقية والطائفية، مؤمناً بأن التقسيم الرأسي والعمودي يمكّن إسرائيل من التعامل مع دويلات الأقليات بدلاً من كونها الحالة الشاذة الوحيدة، ويسهّل بناء علاقات أميركية مع الدويلات الطائفية من موقع اليد العليا، ويعزز القدرة على تصدير النموذج الأميركي على دويلات الأقليات.
اقرأ أيضاً: هل أنهت أميركا النووي الإيراني أم أنها مناورة للضغط نحو المفاوضات؟ – 963+
وأدرك كيسنجر أن عزل مصر عن الجبهة العربية يضعف الأطراف العربية الأخرى (سوريا، الأردن، منظمة التحرير الفلسطينية) في مواجهة إسرائيل، فطبّق ذلك بتفكيك التحالف العربي وتشجيع التفاوض المنفصل، وعزل الدول العربية بعضها عن بعض.
وبحسب الوثائق المسربة، كان لكيسنجر خطة لإعادة توطين المسيحيين اللبنانيين في الغرب للسماح للاجئين الفلسطينيين بالاستقرار في لبنان، وإلغاء ما يسمى بحق العودة.
لم تكن تلك المخططات مجرد تصورات نظرية أو طموحات مؤجلة، بل تحوّلت إلى سياسات مجزأة نُفّذت تدريجياً. بدءاً من الحرب العراقية-الإيرانية، مروراً بغزو الكويت، ثم اجتياح العراق عام 2003، كان الهدف تقويض الدولة المركزية، وتغذية الهويات الطائفية والمناطقية.
السياسة الأميركية في العراق – وخاصة ما قام به بول بريمر بعد الغزو – جسدت جوهر الرؤية الكيسنجرية: حلّ الجيش، اجتثاث البعث، وتأسيس نظام قائم على المحاصصة العرقية والطائفية.
تكررت هذه الصيغة في سوريا منذ 2011، إذ تحوّلت الثورة إلى حرب استنزاف مفتوحة، غذّتها تدخلات إقليمية ودولية، وجرى اللعب على خطوط الانقسام العرقي والطائفي.
اقرأ أيضاً: رويترز: أميركا تعتزم تعيين سفيرها في تركيا مبعوثاً خاصاً إلى سوريا – 963+
وبعد أكثر من عقد، تفككت الدولة فعلياً إلى مناطق نفوذ: شمال شرقي تسيطر عليه قوى كردية مدعومة أميركياً، شمال غربي بيد فصائل مدعومة من أنقرة، جنوب مضطرب وممزق بين قوى محلية، ومركز شبه مشلول تحت بقايا سلطة النظام.
وجاء سقوط نظام الأسد ليمثّل تتويجاً لمسار طويل من التآكل، لا لحظة استعادة لوحدة البلاد. بل على العكس، فقد كُرّس الواقع المجزأ، وغابت أية سلطة مركزية قادرة على إعادة بناء سوريا كدولة جامعة، في ظل تقاسم السيطرة بين قوى إقليمية ومحلية، وغياب مشروع وطني موحّد.
في هذا المشهد، يبدو أن ما بدأه كيسنجر قبل خمسين عاماً قد دخل مرحلته التنفيذية المتأخرة، بدفع من قوى داخلية مستنزفة، وخارجية لم تعد ترى في الشرق الأوسط وحدة جغرافية سياسية، بل فسيفساء طائفية تُدار وفق مبدأ “التحكم عبر الانقسام”.
وأوحى كيسنجر لكثيرين غيره بخطط لتقسيم المنطقة: وضع المستشرق الصهيوني برنارد لويس خطة لتفتيت البلدان العربية والإسلامية إلى دويلات عرقية ودينية وطائفية، بهدف إضعاف الوحدة الإسلامية، وتدمير الدول الكبرى في المنطقة، وخلق توازن قوى بين الطوائف لا بين الدول.
كذلك خطّط المحلل الإسرائيلي عوديد ينون في عام 1982 لتحويل إسرائيل إلى قوة إمبراطورية إقليمية، من خلال تفكيك جميع الدول العربية إلى دويلات صغيرة، وتقسيم سوريا والعراق على أسس إثنية ودينية.
أما الجنرال الأميركي المتقاعد رالف بيترز فنشر في عام 2006 خريطة “الشرق الأوسط الجديد”، بعدما أعاد رسم حدود المنطقة بناءً على الانقسامات العرقية والطائفية.
ويبدو أن إدارة ترامب الجديدة، وإن لم تتبنّ تلك الخرائط والتصورات صراحة، إلا أنها تتعامل معها كأرضية واقعية للمساومة، وليس كخطر يجب منعه. فهي لا تسعى لإعادة دمج دول المنطقة في منظومة استقرار إقليمي، بل لتكييفها مع ميزان قوى جديد قائم على الولاءات المحلية والتجزئة الوظيفية، بانتظار لحظة التقسيم الرسمي.










