اختار الموفد الأميركي توم برّاك، عقب اجتماعه مع الرئيس اللبناني جوزف عون، توجيه رسالة مباشرة للبنان دعا فيها إلى الاقتداء بالتجربة السورية، مشيداً في مؤتمر صحافي بانتقال السوريين خلال فترة وجيزة من حالة “الفوضى التامة إلى الأمل”، على حد تعبيره، مشيراً إلى أن دول العالم باتت تتسابق اليوم للمساهمة في إعادة إعمار سوريا.
هذا الموقف الأميركي جاء استكمالًا لما بدأه الرئيس دونالد ترامب سابقاً حين أشاد بالرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائهما في الرياض، مقدّماً سوريا نموذجاً لإعادة البناء السريع سياسياً واقتصادياً، إذ قال ترامب يومها متسائلاً بدهشة: “من كان يتوقع أن تصل سوريا إلى هذه الحالة بهذه السرعة؟”.
وبدا أن هذه الإشادات لم تكن إلا تمهيداً لموقف أكثر وضوحاً، إذ لخّص برّاك الموقف الأميركي بالتأكيد أن “الحوار بدأ بين سوريا وإسرائيل، وعليه أن يبدأ بين لبنان وإسرائيل أيضًا، وإلا فلن ينعم لبنان بالاستقرار الذي ستنعم به سوريا”.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي: على السوريين أن يندمجوا في هيكل موحد – 963+
أبو ظبي – لحظة مفصلية ببعد عربي
وفي توقيت لافت تزامن مع التحركات الأميركية، وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى أبوظبي من دون إعلان مسبق ولا أجندة واضحة، حيث التقى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد في قصر الشاطئ.
اللقاء الذي وصفته مصادر متابعة بأنه غير عادي في توقيته ومضمونه، عكس رغبة إماراتية في إسناد دمشق سياسياً واقتصادياً ومنحها بعداً عربياً داعماً في مرحلة دقيقة، بينما تتحرك الحكومة السورية لتثبيت الأمن في الجنوب واحتواء النفوذ الإسرائيلي عبر قبول ترتيبات أمنية مشروطة بالعودة إلى خط الهدنة المرسوم عام 1974.
مصادر مطلعة كشفت أن الإمارات أدت دورًا محوريًا في تسهيل قنوات التواصل بين دمشق وتل أبيب، إذ نسبت وكالة “رويترز” إلى ثلاثة مصادر قولهم إن أبوظبي وفي أول زيارة للشرع في 13 نيسان/ أبريل الماضي، فتحت قناة خلفية للاتصالات غير المباشرة بين الجانبين، مركّزة في المرحلة الأولى على مسائل أمنية وفنية مع إمكانية توسيع النقاش مستقبلاً.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي إلى سوريا: المحادثات بين الحكومة و”قسد” لم تحقق تقدماً – 963+
تل أبيب – مزاعم ترفع السقف
هذه المعلومات أكّدتها أيضًا صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية التي نشرت تفاصيل ثلاثة لقاءات سرية جرت في أبوظبي بين وفدين سوري وإسرائيلي.
وما إن غادر الشرع الإمارات عائداً إلى دمشق حتى بادرت وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى رفع سقف التوقعات بنشر خبر مفاده أن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي عقد لقاء مباشر مع الرئيس السوري، واصفة الاجتماع بأنه “مفيد”.
هذا الخبر أكّده موقع “الجمهورية” السوري المستقل نقلًا عن مصدرين على صلة بالمفاوضات، في حين سارعت دمشق إلى نفيه بشكل كامل، مؤكدة أن المباحثات ما زالت في إطارها المبدئي ولا تتجاوز التمسك السوري بشروط العودة إلى اتفاقية الهدنة لعام 1974.
مراقبون اعتبروا أن إسرائيل تعمدت تسريب هذه المزاعم في محاولة لاستباق أي ترتيبات محتملة، ولحشر دمشق سياسياً بعدما نشرت قناة “i24” الإسرائيلية تقريراً يتحدث عن سيناريو تقسيم الجولان بين مناطق مستعادة وأخرى مقدمة لإسرائيل أو مستأجرة، وعن مزاعم بطرح ملف طرابلس اللبنانية كورقة ضغط لقبول تطبيع كامل.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى لاستخدام هذا الملف لتقديم نفسه أمام الداخل الإسرائيلي بصفقة “تاريخية”، تمكنه من القول إنه حقق سلامًا مع سوريا و”غيّر خريطة الشرق الأوسط”، في محاولة لدرء المحاكمة التي ما زالت تطارده سياسياً.
اقرأ أيضاً: الحكومة السورية تؤكد تمسكها بوحدة البلاد وترحب بانضمام “قسد” للجيش – 963+
دمشق – لقاء “الأعدقاء”
وفي موازاة هذه التحركات، شهد قصر تشرين الرئاسي في دمشق اجتماعاً رباعياً لبحث مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، بمشاركة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، وقادة “قسد” على رأسهم الجنرال مظلوم عبدي، والمبعوث الأميركي توم برّاك، والسفير الأميركي لدى تركيا.
برّاك اغتنم اللقاء لتوجيه رسالة صريحة لقادة “قسد”، مؤكدًا أن “سوريا دولة واحدة، وطريق المفاوضات لا بد أن يؤدي إلى دمشق”، وأضاف: “لا يمكنكم امتلاك كيان منفصل داخل دولة مستقلة، وعلينا جميعًا تقديم التنازلات لتحقيق النتيجة النهائية: أمة واحدة وشعب واحد وجيش واحد”.
وركّز وفد “الإدارة الذاتية” خلال الاجتماع على ضرورة اللامركزية السياسية والإدارية في أي دستور جديد، مع استعدادهم للاندماج في مؤسسات الدولة دون إلغاء هيكليتهم الإدارية والعسكرية، وهو ما رفضته دمشق التي شددت على تسليم كامل المناطق بما فيها المقومات الأمنية والاقتصادية.
إلى جانب ذلك، ناقش عبدي وبرّاك أربعة ملفات أساسية شملت: عودة نشاط تنظيم “داعش”، تطبيق اتفاق 10 مارس بين الحكومة و”قسد”، استمرار التعاون مع التحالف الدولي ضد “داعش”، ومستقبل العلاقة مع أنقرة.
وفي تعليق خاص لـ”963+”، كشف مصدر ديبلوماسي أوروبي مطلع، أن مسار التفاهم الأمني بين دمشق وتل أبيب مرتبط بشكل وثيق بتسوية الخلافات بين دمشق و”قسد”، لافتاً إلى أن برّاك يعمل على تهدئة أي توتر محتمل تمهيداً لإنضاج مخرج مناسب لمسألة السلام مع إسرائيل.
وبحسب المصدر، فإن “قسد” هي الجهة الوحيدة القادرة عسكرياً على فتح جبهة ضد دمشق، في وقت تحظى فيه الحكومة بدعم تركي مباشر للضغط على “قسد”، وهو ما تتحفظ عليه واشنطن التي تسعى لضمان استقرار الوضع عشية أي اتفاق أمني مع إسرائيل.
وحذّر المصدر من احتمال استغلال تنظيم “داعش” هذا المسار لتنفيذ هجمات “إرهابية” جديدة، كما أعرب عن مخاوف أميركية من انضمام مجموعات جهادية أخرى، كانت على صلة بـ”هيئة تحرير الشام”، إلى “داعش”، بما يعيد مشهد الفوضى ويصعّب مهمة تثبيت الاستقرار.
وأضاف أن تركيا أبدت جاهزية للتدخل عسكرياً لمساندة الحكومة السورية في ضبط أي انتكاسات أمنية، وهو ما تعتبره إسرائيل مصدر قلق إضافي في معادلة شديدة التعقيد.










