تعيد سوريا رسم توجهاتها السياسية بعد سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وكان ملف العلاقة مع إسرائيل حاضراً بقوة في خريطة السياسة الخارجية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع، وبينما تبنّت الحكومة السورية مقاربة تقوم على البراغماتية وتغليب منطق الدولة، تصدر هذا الملف باعتباره واحداً من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية، لارتباطه المباشر بمفاهيم السيادة والصراع الإقليمي. وهنا، برزت رؤية القيادة الجديدة في إدارة العلاقة مع تل أبيب عبر معادلة دقيقة تجمع بين العداء المعلن والمهادنة السرية، مع مراعاة توازنات الداخل وحسابات الخارج.
ورغم اللهجة العلنية الرافضة للتطبيع، حافظت دمشق على خطابها التقليدي الداعي لاستعادة الجولان المحتل، والمندد بالاعتداءات الإسرائيلية، لكن الواقع الميداني كشف عن تراجع حدة التوتر، بالتوازي مع رسائل ضمنية مفادها أن سوريا لا تسعى للتصعيد.
اقرأ أيضاً: نتنياهو: الشرع فتح قناة اتصال مع إسرائيل وأتاح فرصة للسلام – 963+
“إدارة ظرفية حذرة”
وفي هذا السياق، يعتبر بشار علي الحاج علي، الديبلوماسي السوري السابق والباحث في الشؤون السياسية والدولية، أن ما يجري اليوم في دمشق لا يُعد تحولاً في المبادئ بقدر ما هو “إدارة ظرفية حذرة” تمليها ضرورات المرحلة الانتقالية.
ويؤكد الحاج علي في تصريحات لـ”963+” أن “الخطاب العدائي المعلن لا يزال حاضراً بقوة في الوجدان السوري، لكنه يترافق الآن مع سلوك براغماتي أكثر انضباطاً”.
ويلفت إلى أن سوريا تخوض “حسابات بقاء” تستهدف تجنب أي انفجار داخلي، مشدداً على ضرورة “الحفاظ على الخطاب الرافض للتطبيع كضمانة سياسية وأخلاقية، خصوصاً في مجتمع دفع أثماناً باهظة تحت رايات السيادة والمقاومة”.
وفي موازاة ذلك، نجحت دمشق في فتح قنوات اتصال غير معلنة مع إسرائيل، من خلال وسطاء إقليميين مثل الإمارات وقطر، ركزت على التنسيق الأمني في الجنوب، دون الخوض في أي قضايا سياسية كبرى.
اقرأ أيضاً: صحيفة: الشرع يرفض التطبيع مع تل أبيب دون انسحاب من الجولان – 963+
وتأتي هذه الخطوات في إطار سياسة تعتمد على “الانفتاح الحذر”، الذي يصفه الحاج علي بأنه “ليس قراراً سورياً خالصاً، بل انعكاس لضغوط دولية وعربية متقاطعة تفرض على دمشق هامشاً زمنياً ضيقاً لترتيب أولوياتها الداخلية، وسط محاذير من تحوّل التفاهمات الأمنية إلى أدوات ضغط سياسي لاحقاً”.
ويعتبر الباحث في الشؤون السياسية والدولية، أن “التحدي الأكبر لا يكمن في وجود قنوات الاتصال، بل في كيفية إدارتها بذكاء يمنع انزلاق دمشق نحو تطبيع غير معلن يفتقر إلى الشرعية الأخلاقية والشعبية”.
“نهج عقلاني”
من جانبه، يرى الدكتور أيمن سمير، خبير العلاقات الدولية، أن الرئيس أحمد الشرع أظهر، منذ توليه الحكم، “قدراً كبيراً من الحكمة والبراغماتية في إدارة هذا الملف”.
ويؤكد سمير في تصريحات لـ”963+” أن “سوريا الجديدة لم ترتكب أي خطأ سياسي تجاه إسرائيل منذ سقوط النظام السابق، سواء من خلال الرئيس الشرع أو وزير الخارجية أحمد الشيباني، في دلالة على تبني دمشق نهجاً عقلانياً مدروساً في مقاربة القضايا الإقليمية الحساسة”.
ويعتبر أن جميع التصريحات المنقولة عبر قنوات أوروبية وإقليمية، مثل تركيا والسعودية والإمارات، أظهرت تفهماً لوضع سوريا الصعب، مع توافق على أهمية تجنب أي جبهة صراع جديدة، خصوصاً مع إسرائيل، في هذه المرحلة الدقيقة.
اقرأ أيضاً: واشنطن: قلقون على حياة الشرع وندعو إلى تنسيق نظام فعّال لحمايته – 963+
ويتابع خبير العلاقات الدولية، موضحاً أن القيادة السورية اتجهت نحو العواصم المؤثرة في القرار الإسرائيلي، وعلى رأسها واشنطن، بالتنسيق مع أطراف إقليمية وازنة مثل السعودية، ما انعكس بوضوح بعد اللقاء الذي جمع الرئيس الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب بحضور ولي العهد السعودي”.
وهو لقاء يصفه سمير، بأنه “نقطة تحول في مقاربة دمشق لعلاقاتها مع واشنطن وتل أبيب”. ويؤكد على أن “إسرائيل خففت منذ ذلك اللقاء من لهجتها الإعلامية والسياسية تجاه سوريا، فيما تراجعت التوغلات العسكرية الكبرى، ما يدل على أن التحركات السورية تتم ضمن رؤية سياسية رصينة ومدروسة”.
ويشير إلى أن “دمشق انتقلت من الحوار غير المباشر إلى اتصالات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما يعتبر تطوراً مهماً يعزز فرص التفاهم وضبط الأمن، خاصة في ظل محاولات بعض الأطراف عرقلة هذا التقارب”.
ويوضح سمير أن “وسطاء مثل تركيا والإمارات يمكن أن يلعبوا دوراً مهماً في تخفيف التوتر، خصوصاً مع بروز احتمالات التوصل إلى تفاهمات أمنية تشمل انسحاب إسرائيل من أراضٍ احتلتها بعد 8 ديسمبر، إضافة إلى النقاط الخمس في جنوب لبنان، شريطة تراجع حزب الله إلى شمال الليطاني”.
ويرى خبير العلاقات الدولية، أن هذه الخطوات “قد تؤسس لمرحلة من الهدوء الإقليمي، تركز على ضبط الحدود ومحاربة التهريب، بل وربما تفتح الباب أمام سلام أوسع بين سوريا وإسرائيل، ينعكس على مجمل مشهد الشرق الأوسط، بما في ذلك ملف حل الدولتين”.










