لم أشأ يوماً أن أتبعثر بين هويتين، فلا أنا من هواة البعثرة، ولا من المنادين بفخر الهوية، لكنني وجدت نفسي مشتتاً بين أم سورية وأب لبناني، بينما تتشابك الجغرافيا بالتاريخ على الطريق المتعرّج والمحفوف بالخيبات بين بيروت ودمشق. ليست الهوية قاتلة، إنما سردية الهوية هي القاتلة؛ يقف راوي أدبياتها على مفترق بين خيارين: سورية عربية تراثية ولبنانية شرقية تميل إلى الفينيقية وتتباهى بتفوق ثقافي على محيطها العربي. حتى لو رفضت عروبة الأولى وفينيقية الأخرى، فهذا التناقض، على قسوته ربما، يلمّع في جوهره فرصةً لإعادة خلق الذات.
استندت الهوية السورية، في بعثية دامت 50 عاماً، إلى خطاب قومي يرى في سوريا جزءاً من أمة عربية واحدة، منحني أحياناً انتماءً إلى فراغٍ أوسع من القطرية، لكنه في الوقت ذاته جعل سوريتي هشّة. اكتشفت هذه الهشاشة – الخصوصية والعمومية – بعد عام 2011.
على الضفة الأخرى، تبلورت في لبنان منذ الانتداب الفرنسي سردية متوسطية أوهمت نصفي اللبناني بأنه يرتقي إلى مصاف الشعوب البحرية العريقة المميزة من شعوب الجوار العربي، ثقافة وعرقًا.
هذا الخطاب، الذي روّجت له نخب بيروتية ومؤسسات تعليمية إرسالية، منحني شعوراً واهياً بتفوق ثقافي يرطن بالفرنسية والإنكليزية وغيرهما في مواجهة نصف سوري مستكين إلى “منع التقاء الساكنين”.
ما كانت حيرةً، إنما كانت استخارةً. فإما الانغماس في تراث الشام منذ الفتح، وإما الانحياز للفَيْنَقة وتصدير الحرف… وإما! كانت الاستخارة أن أمضي هادئاً نحو خيار أجمل وأصعب: هوية ثالثة تنتقي من كل سردية ما يلائمها وتعيد تركيبها بوعي نقدي مطمئن، من دون أن تكون هذه الهوية الثالثة حيادًا باهتًا، بل هي فعل خلقٍ متجدد لمساحة بينية تتجاوز سلطة الخطاب المهيمن، وتمنحني مرونة إدراكية وقدرة على التوسط الثقافي والإبداع.
لعل خطوتي الأولى نحو تصالحي مع ذاتي كانت إيماني بتفكيك إيماني نفسه بالأساطير المؤسسة لكل من السرديتين، بإعدامها بتهمة أنها ثمرة لحظة سياسية ما، لا حقيقة بيولوجية مثبتة. فالأبجدية الفينيقية – التي لا أتقن منها حرفاً – مكون من مكونات تاريخ الساحل السوري، حين كان لبنان بعدُ نطفةً في علم الغيب، والزجل والفلامنكو الدمشقي امتداد لبحر أبيض متوسط واحد، ولا فضل لهوية على أخرى إلا بقبولها بالتكامل مع الأخرى، لاستيلاد جمال “من التقاء المتحولَين”.
أنا ابن الشام الكبرى وابنتها بيروت، وانتمائي فسيفسائي؛ لا أملك جواز سفر لهويتي الثالثة، إذ هي ضرورة وجودية في عالم تتكسر فيه الحدود وتتشابك فيه المصائر. فأرجوك، لا تسألني “لمن تنتمي؟”، فأنا أعيش لنفس مطمئنة في برزخ ثقافي بين مدينتين.










