لم يعد معتاداً أن تختفي قصص الإنسان وصوته وملامح شخصيته بمجرد وفاته؛ فاليوم، بفضل الذكاء الاصطناعي، لم يعد الموت نهاية حتمية كما كان في السابق. تخيل لو عاد الجد ليشرح لحفيدته كيفية إصلاح صنبور الماء أو ليقدم لها نصيحة عن الحب – هذا لم يعد مجرد خيال علمي، بل أصبح واقعاً يتشكل تدريجياً مع تطور التقنية.
ما عادت “الأشباح التوليدية” فكرة نظرية، فقد بات ممكناً إنشاء نسخ رقمية من الراحلين، تحاكي أصواتهم وتصرفاتهم وحتى طريقة تفكيرهم، وربما تتحول إلى مساعدين رقميين يتحدثون مع العائلة، يقدمون النصائح، أو يحققون دخلاً مالياً لأسرهم بعد رحيلهم.
إنها تقنية رائدة، تعتمد على تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بيانات شخصية متنوعة للشخص المعني: تسجيلات صوتية، مقابلات مطولة، صور، وذكريات موثقة. بعد الوفاة، تُستخدم هذه المواد لبناء كيان رقمي يمكن التفاعل معه بشكل واقعي – نسخة رقمية تحاكي الشخص الأصلي بدقة كبيرة.
اقرأ أيضاً: “AI-SYRIA 2025”.. خطوة أولى في المستقبل الرقمي – 963+
شركات ناشئة مثل “Re;memory” و”HereAfter AI” دخلت هذا المجال بالفعل. تقوم “Re;memory” بإجراء مقابلات مطولة لتكوين أرشيف رقمي تفاعلي، في حين يبني تطبيق “HereAfter AI” شخصية رقمية قائمة على المحادثة، تتيح للعائلة التفاعل مع الذكرى، متابعة الأخبار العائلية، أو الحديث عن مناسبات جديدة.
وقد تحدثت سيدة أميركية عن تجربتها مع التطبيق قائلة إنها وجدت في صوت والدها الرقمي عزاءً وسنداً في أصعب لحظاتها، لكنه أيضاً أعاد فتح جراح لم تندمل.
هناك تقبل أكبر لهذه الفكرة في بعض الثقافات، خاصة في شرق آسيا حيث توجد تقاليد راسخة في التواصل الرمزي مع الأجداد، بينما يختلف الموقف في المجتمعات الغربية حسب نظرة الأفراد للتكنولوجيا والموت والفقدان.
وفي المقابل، يرى البعض أن هذه التجربة قد تُخفف الصدمة في المدى القصير، لكنها قد تخلق نوعاً من الإدمان العاطفي، مما يعيق عملية التعافي النفسي الطبيعي بعد الفقدان، بحسب مختصين في علم النفس.
وتتعدى هذه التقنية الجانب العاطفي، إذ يمكن للأشباح التوليدية أداء مهام عملية، مثل شرح الإجراءات الإدارية، مشاركة وصفات الطعام، أو تقديم النصائح المهنية، خصوصاً إذا كانت النسخة الرقمية لشخص خبير أو متخصص.
اقرأ أيضاً: في الصين… أول نصف ماراثون عالمي لروبوتات بهيئة بشرية – 963+
ومن الممكن أن نرى في المستقبل “أشباحاً عاملة” تكتب الكتب أو تدرّس أو تنتج موسيقى باسم أصحابها الراحلين. وهذا يفتح الباب أمام احتمالات اقتصادية جديدة مثل الاستمرار في تحقيق الدخل بعد الوفاة، أو خلق وظائف جديدة في مجال “الهندسة الرقمية للذكريات”.
ولكن هذه الظاهرة ليست خالية من المخاطر. من أبرزها التعلق العاطفي بكائن رقمي لا يمكن أن يعوض الشخص الحقيقي، إضافة إلى احتمال وقوع الذكاء الاصطناعي في “الهلوسة” وإنتاج معلومات أو آراء لم تكن أصلاً من شخصية المتوفى، مما قد يؤدي إلى تشويه صورته أو كشف أسرار لم يكن يرغب في ظهورها.
كما يوجد خطر استغلال هذه النسخ الرقمية في أعمال ضارة، مثل المضايقات أو بث رسائل عدائية أو تنفيذ أنشطة مشبوهة باسم المتوفى، مما يستدعي وضع أطر قانونية وأخلاقية واضحة لمواكبة هذا التطور. وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى قوانين جديدة لحماية “الهوية الرقمية بعد الوفاة”.
وتتعمق التساؤلات أكثر لتأخذ طابعاً وجودياً وفلسفياً: هل النسخة الرقمية امتداد حقيقي للشخص؟ أم مجرد محاكاة خالية من الجوهر؟ وماذا عن الأديان والمعتقدات التي ترى في الموت محطة نهائية في دورة الحياة؟ هل يمكن اعتبار هذا الشكل من “الاستحضار الرقمي” تجاوزاً للحدود الروحية التي وضعها البشر منذ آلاف السنين؟
إننا اليوم أمام مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف معنى “النهاية”. لم يعد الموت قاطعاً كما عرفناه، وفي عصر الذكاء الاصطناعي قد يصبح حضور الراحلين أكثر تأثيراً من الأحياء – ينصحون، يتحدثون، يشاركون، وربما يعملون من العالم الآخر.










